كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخروج من سايكس بيكو..محاولة لنقد الفكر الفلسطيني

منذ انتهاء الحقبة الناصرية، انتقلت خيارات الشعب الفلسطيني ممثلة بحركته الوطنية وقياداته الشرعية، من الاعتماد على الأمة لتحرير فلسطين وإعادة الحق الضائع، إلى الاعتماد على النفس، والعمل حثيثاً لاستعادة شرعية تمثيل الشعب والقضية الفلسطينية بشكل كامل ووحيد، وهو ما عبر عنه مؤتمر القمة العربية الذي عُقد بالرباط عام 4197.
هل كان هذا هو الخيار السليم، الذي ينظر إلى الأمور اعتباراً مما حدث سنة 1967 من هزيمة واحتلال أجزاء إضافية من فلسطين، وهزيمة الفكر الناصري عملياً، وإخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن ومن ثم من لبنان , قد يستنتج أن هذا الاختيار كان سليماً. ولكن من ينظر إلى الانجازات التي تحققت منذ الالتزام بهذه الاستراتيجية، وما وصلت إليه الأمور حالياً من تقسيم للمُقسم، واعتراف بوجود إسرائيل من قبل كثير من دول العالم والدول العربية، وحتى من منظمة التحرير، وإخراج الضفة الغربية من أطر القانون الدولي كـ "أرض محتلة"، ونسبتها إلى دولة مُعترف بها هي الأردن، ومن ثم لإعادة تنسيبها إلى لا أحد، كـ "أرض مُتنازع عليها" لا يملكها أحد. كذلك اتفاقيات أوسلو ونتائجها السلبية على مسار القضية وتراجعنا من تحرير فلسطين إلى إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل وغيرها، قد يستنتج أن هذه الاستراتيجية كانت خاطئة، والواقع بعد ستين سنة يؤكد ذلك.
لكن لو ارتأينا النظر للأشياء بمفهوم آخر، بناءاً على تحليل موضوعي لأوضاع الأمة العربية، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى هزيمة سنة 1967، سنجد أن وجود إسرائيل مرتبط عضوياً بمُخططات القوى الغربية المُنتصرة (فرنسا وبريطانيا) وبعدهما أمريكا، منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ذات الركائز الثلاث. هذه المشاريع الغربية قسمت الإرث العثماني ووضعت أُسس سيطرتها عليها بشكل دائم.
بعد سنة 1918 انتقلنا من كوننا جزءا من الخلافة العثمانية، على مدار أربع قرون إلى فُتات دول وصل عددها إلى 22 حالياً. لم يكن ذلك كافياً للقوى الاستعمارية الغربية، بل أكدت بالفعل والعمل على أبدية التجزئة عن طريق فرض حكومات وأنظمة شمولية استبدادية، لا تتحقق مصالحها إلا من خلال التجزئة، للاستيلاء على ثروات الوطن، والأحداث الأخيرة أظهرت مدى بشاعة هذه السياسة، لجهة امتلاك بعض الرؤساء والملوك، لأرصدة وحسابات بالمليارات، ليس فقط ممن ينتسبون إلى دول بترولية (مثال اليمن أخيراً وثروة علي عبد الله صالح المُقدرة ب 60 مليار دولار).
إن بقاء مثل هذه الأنظمة، لم يرتبط بإرادة شعبية، أو نتيجة انتخابات حرة، إنما عن طريق طبقة من المستفيدين وجيش مُسيس، تحول إلى ميليشيات للدفاع عنها، هدفه الوحيد منع أي حراك ديمقراطي شعبي مهما كان الثمن، ومثال سوريا وليبيا واضح في هذا المجال. وبدعم أجنبي مثل ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 أثناء عهد الرئيس روزفلت، بتوقيع اتفاقية أمن مع دول الخليج العربي فحواها "النفط مقابل بقاء الأنظمة".
ولم تكتف الدول الاستعمارية بذلك، بل أكدت على وُجوب وُجود دولة إسرائيل، لتكون الركيزة الثالثة لاتفاقية سايكس بيكو. فالمراقب لأحداث هذه الأيام يرى الدعم الواضح من الحكومات الإسرائيلية لأنظمة عربية مثل نظام حُسني مبارك وبعده النظام العسكري الحالي، حيث أن بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها واضح للقاصي والداني، وارتباطه بوضع التجزئة والاستبداد.
هذا الثلاثي (التجزئة والاستبداد وإسرائيل)، كان السمة الأساس لواقعنا طوال أكثر من ستين عاماً، ولفرط طول الزمن تعودنا على رؤية هذا الواقع، إلا أنه بالمفهوم التاريخي وحياة الشعوب التي تُقاس بمئات السنين (احتلال الجزائر 132 سنة، الحروب الصليبة قرنين)، ليس هو الواقع الطبيعي لمنطقتنا، فنحن منذ أكثر من عشرة قرون شكلنا جزءاً أو كلاً من الامبراطوريات التي كانت مركز الحضارة، كالأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين....الخ، كنا دوماً أمة واحدة قد يكبر حجمها أو يصغر، ولكنها مبنية على مبدأ المركز المُهيمن (بغداد، دمشق، القاهرة أو اسطنبول)، تدور من حولها ملايين الأيدي العاملة المُنتجة للحضارة، عرباً أو عجماً.
خطأ الزعيم جمال عبد الناصر، ليس تبنيه المفاهيم القومية، وإنما لقبوله بأحد قواعد "سايكس بيكو"، وهو الابتعاد عن الديمقراطية، فمهما كانت سياسته ذات دوافع وطنية قومية، وليس شخصية أو عائلية؛ وهذه حقيقة نعترف بها لهذا القائد، فإنه لم يستطع أن يُقيم دولة المؤسسات، واعتبار الشعب مصدر السلطة، بدل الشرعية العسكرية أو الثورية، كان هذا هو الوضع السائد في العالم الثالث عامة، وهو عكس الاختيار الذي تبناه الرئيس منديلا في أفريقيا الجنوبية، والذي أدى إلى نجاح مشروعه التحرري.
المُنظمات الفلسطينية والمفكرين بعامة، انخرطوا برأينا بغير وعي منهم، في مشروع "سايكس بيكو"، حينما انطلقوا بدورهم من الخطأ الآخر، وهو قبول وتأكيد التجزئة العربية، بادعاء ملكية ومسؤولية الشعب الفلسطيني وحده لقضيته، هذه السياسة كان لها طبعاً مُسبباتها مثل هزيمة العام 67 ومن ثم مجازر أيلول الأسود، ولكن ذلك لا يعني أنها سياسة صائبة، لأن النتائج التي وصلنا إليها هي دليل هذا الخطأ.
وصول العالم إلى حقيقة وجود شعب فلسطيني، طُرد من أرضه وله الحق الكامل بالعودة إليها، تطور إلى مفهوم وحدانية الشعب الفلسطيني في العمل لهذا الهدف، مُترجماً بشعار "عدم قبول تدخل الدول العربية في شؤوننا"، و"عدم تدخلنا في شؤونها". مرة أخرى هذه السياسات تُفهم في ظروفها وزمانها، خصوصاً عندما نرى الهجمة الشرسة التي شنها مثلاً النظام السوري أثناء هيمنته على لبنان، أو تآمر أنظمة آخرى على العمل والنضال الفلسطيني.
المشكلة برأيي ليست فلسطينية أو مصرية، أو من هذه الدولة أو تلك، المشكلة حقيقة هو أننا كفلسطينيين ومصريين وعرب، انطلقنا في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخر من منطلق انتماءاتنا القطرية، التجزئة المفروضة أصبحت واقعاً ليس فقط للأنظمة التي لا يمكن أن توجد بغيره، وإنما لكل قوى المُعارضة العربية، حتى الأحزاب ذات البُعد القومي أو الإسلامي انقسمت على نفسها، بدل أن توحد دولها (مثل حزب البعث أو أخيراً الإخوان المسلمين).
إنني أطرح مفهوم عدم إمكانية نجاح أي مشروع وطني، إذا انطلقنا من مُعطيات "سايكس بيكو"، فمن غير المعقول أن نبني الوحدة أو نهزم إسرائيل من منطلق القبول بتجزئة النضال. فالعودة إلى وضع الأمة الطبيعي، أي ما قبل "سايكس بيكو" وبناء حراك عربي يتنافى تماماً مع هذه المُعطيات؛ هو الذي سيكون وسيلتنا لنصل إلى أهدافنا. فمنطلق العمل يجب أن يكون بمفهوم الأمة الذي يتنافى مع التجزئة، وأن يكون بمفهوم الديمقراطية والشعب مصدر السلطة الذي ينفي مفهوم الاستبداد. كما أن العمل من منطلق وحدوي، وبأطر ديمقراطية مُتحضرة؛ هو الذي سيكون كفيلاً بهزيمة "سايكس بيكو" وركيزته الثالثة (إسرائيل)، فلن ننتصر بجيش من العبيد.
من الخطأ أن نبني أعمالنا لتغيير أوضاعنا من الأطر التي وضعتها لنا القوى المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى ولصالحها فقط، هذه الأُطر موجودة أصلاً لإجهاض أي عمل لصالح الأمة واستقلاليتها وازدهارها، الانطلاق منه يصبح كمن يجري وراء السراب.
"الربيع العربي" كان بدأ يهُز أول ركيزة لوعاء "سايكس بيكو" أي الاستبداد، وهو الذي كان يعول على نجاحه أنه سيؤدي إلى سقوط الإناء، وإزالة الركيزتين الأخريين. لكن المشوار ما زال طويلا لتحقيق هذا الهدف السامي.
إن فهم الصهيونية لهذا الواقع، وهذا الخطر المُقبل نحوها من "الربيع العربي"، هو ما يُفسر المواقف الإسرائيلية بالتعامل مع بعض دول هذا "الربيع" كمصر أو سوريا، وما يُفسر تخاذل الغرب في دعم النضال الديمقراطي تحت تأثير اللوبي الصهيوني، حتى ولو تعارض مع مصالحه.
لهذا لن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده أن يُحرر فلسطين، ويُقيم دولته السيادية على أرضها، ويحترم المعايير الإنسانية الحضارية، هذا بحاجة لأن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده هزيمة إسرائيل وكافة الدول المُتحالفة معها. بينما من الممكن بالتأكيد هزيمة إسرائيل وتحرير فلسطين إن انطلقنا من قوة الأمة وإمكانياتها الهائلة، يجب أن نكون جزءاً من كل الأمة، فلسنا كلاً لوحدنا.
إن العمل الدؤوب لإقامة أنظمة ديمقراطية، هو الذي سيُغير معادلة التعامل مع الغرب، المبنية حالياً على مبدأ مصلحة الغرب مُقابل مصلحة بقاء الأنظمة وتوريثها، إلى مصلحة الغرب مُقابل مصلحة الأمة العربية، وخصوصاً حقوق الشعب الفلسطيني. في هده المعادلة الجديدة وبدون حروب ستُغير أمريكا وغيرها من الدول الغربية سياساتها لصالح حقوقنا، وستصبح إسرائيل مُعيقاً أمام هذه الدول للحصول على حصتها من التعاون الاقتصادي المُربح مع الأمة. الفعل إذن يجب أن يكون منا وفينا، وكذلك التحليل والنقد يجب أن ينطلق من واقعنا، وحين نغيره بأيدينا سيتغير الآخرون.
على قوى الأمة الجديدة رغم ضعفها، أن يروا هذا البُعد التاريخي للنضال والعودة إلى مسارنا الطبيعي الذي أخرجنا منه السيدين "سايكس" و"بيكو".
طبيب عربي مقيم في فرنسا

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط