كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً

الخطاب الشعبوي لا يبني وطناً

تاريخ النشر: 2026-08-17 | 14:23

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

الوطن لا يُبنى بالخطابات التحفيزية، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بتجميل الواقع أو القفز فوق الحقائق. كما أن الوطنية ليست مطالبة المواطن بالصبر والتضحية، ثم اعتبار سؤاله عن أسباب الأزمات ومَن يتحمل مسؤولية نتائجها نوعاً من السلبية أو التشاؤم.

لا أحد ينكر حجم التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الاحتلال وسياساته وإجراءاته التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والحياة اليومية. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إسقاط المسؤولية عن الإدارة والمؤسسات، ولا يعني أن تتحول الظروف الصعبة إلى ذريعة دائمة لتعطيل النقد والمساءلة والمراجعة.

فالخطاب الشعبوي قد يثير العاطفة، لكنه لا يبني دولة.

الشعبوية تختزل الأزمات المعقدة في شعارات بسيطة، وتقدم أحياناً وعوداً سهلة لمشكلات تحتاج إلى سياسات وبرامج ودراسات وموارد وآليات تنفيذ. وقد تنجح في حشد الجمهور مؤقتاً، لكنها سرعان ما تصطدم بالواقع عندما يكتشف المواطن أن الشعارات لا توفر فرصة عمل، ولا تسدد فاتورة، ولا تعالج الفقر، ولا تضمن راتباً مستقراً.

المواطن الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له أهمية الصمود؛ فهو يعيش الصمود يومياً. ولا يحتاج إلى محاضرات في الوطنية؛ فقد دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضهم وحقوقهم وكرامتهم. ما يحتاجه المواطن هو خطاب سياسي صادق يحترم عقله ويعترف بمعاناته ويقدم له إجابات واقعية.

هناك بطالة، وهناك فقر، وهناك أسر تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، وهناك شباب يحملون الشهادات ويبحثون عن فرصة عمل، وهناك موظفون يواجهون أعباء الحياة في ظل عدم انتظام الدخول أو نقصها. هذه ليست أرقاماً مجردة في تقارير اقتصادية؛ إنها حياة الناس اليومية.

ومن هنا فإن التدليس على الواقع أخطر من الاعتراف بالأزمة.

ليس عيباً أن تقول المؤسسات للمواطن إن الإمكانات محدودة، وإن الأزمة المالية عميقة، وإن الاحتلال يفرض قيوداً كبيرة على الاقتصاد الفلسطيني. العيب أن تُحجب الحقائق، أو تُقدم الصورة بصورة وردية لا تتطابق مع الواقع، أو يُطلب من المواطن أن يتعامل مع معاناته باعتبارها مجرد مسألة نفسية تحتاج إلى «تفكير إيجابي».

التفكير الإيجابي قيمة مطلوبة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التخطيط. والأمل ضرورة، لكنه لا يعوض غياب السياسات. والوطنية مطلوبة، لكنها لا تلغي حق المواطن في السؤال.

الجوع لا يعالج بالشعارات، والبطالة لا تُخفض بالخطب، والأزمة المالية لا تُحل بالأمنيات.

ومن هنا تبرز مسؤولية أصحاب القرار. فالمسؤولية ليست امتيازاً، والمنصب ليس حصانة من النقد، والخطاب السياسي ليس بديلاً عن الإنجاز.

المواطن من حقه أن يسأل: ماذا أنجزنا؟ لماذا أخفقت بعض السياسات؟ أين تذهب الموارد؟ ما الأولويات؟ ما الخطة الاقتصادية؟ كيف ستُخلق فرص العمل؟ وكيف ستُحمى الطبقات الفقيرة والمتوسطة؟ وما هي آليات الرقابة والمساءلة؟

هذه الأسئلة ليست هدامة، بل هي جوهر المشاركة الوطنية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تنشأ فجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس؛ حين يتحدث المسؤول عن الصمود والتضحية، بينما يشعر المواطن أن أصحاب القرار وبعض المقربين منهم يعيشون في ظروف مختلفة تماماً عن ظروفه، وأن حسابات المصالح والمنافع والامتيازات لا تخضع دائماً للمعايير نفسها التي يُطلب من المواطن الالتزام بها.

الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الحديث عنها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطن.

ومن يريد بناء الوطن فعلاً، عليه أن يبدأ من الإنسان: من حقه في العمل، والتعليم، والصحة، والكرامة، والأمن الاجتماعي، ومن حقه في معرفة كيفية إدارة المال العام، ومن حقه في مساءلة المسؤول.

نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «اصبر وتحمل» إلى ثقافة «تحمل الجميع المسؤولية»؛ فالتضحية لا تكون من طرف واحد، والصبر لا يمكن أن يتحول إلى سياسة اقتصادية، والوطن لا يمكن أن يُدار بمنطق مطالبة المواطن دائماً بالمزيد من التحمل.

كما أن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات قوية، وشفافية، وكفاءة، وعدالة، وتكافؤ فرص، ومكافحة حقيقية للمحسوبية والفساد، وربط المسؤولية بالنتائج، وإخضاع السياسات العامة للتقييم والمراجعة.

أما الأحلام التي يسوقها بعض المسؤولين بعيداً عن الواقع، أو الأفكار التي تُطرح دون معرفة دقيقة بحجم المعاناة الاجتماعية والاقتصادية، فإنها لا تصنع سياسة عامة. فالرؤية الوطنية ليست حلماً، وإنما خطة قابلة للقياس والتنفيذ، تقوم على أرقام وبيانات وأولويات واضحة.

وليس المطلوب جلد الذات أو التقليل من الإنجازات، كما أنه ليس المطلوب نشر اليأس. المطلوب هو الموضوعية: أن نعترف بما تحقق، وأن نعترف في الوقت ذاته بما أخفقنا فيه، وأن نضع الإصلاح فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.

فالمواطن لا يريد خطاباً يصفق له، وإنما خطاباً يحترم عقله.

يريد أن يعرف الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، لأنه يستطيع أن يتحمل الحقيقة أكثر مما يستطيع أن يتحمل الوهم.

فالخطاب الشعبوي قد يكسب التصفيق، لكنه لا يبني مؤسسات. والتدليس قد يؤجل الاعتراف بالأزمة، لكنه لا يحلها. والشعارات قد تمنح لحظة من الرضا، لكنها لا تصنع تنمية مستدامة.

إن بناء الوطن الفلسطيني مسؤولية جماعية، لكنه لا يعني إعفاء أحد من مسؤوليته. المواطن شريك وليس مجرد متلقٍ للتوجيهات، والمسؤول خادم للمصلحة العامة وليس فوق المساءلة.

وفي النهاية، فإن الوطن الذي نريده ليس وطناً في الخطب، بل وطناً في حياة الناس؛ وطناً يجد فيه الشاب فرصة، والموظف راتباً مستقراً، والأسرة أمناً اجتماعياً، والمواطن كرامته، والمؤسسة احترامها للقانون.

الوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالحقيقة والعدالة والكفاءة والمساءلة والإنجاز. ومن يريد فعلاً بناء الوطن، فليبدأ من واقع المواطن لا من منصة الخطابة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط