كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخطاب القومي العربي بين التسامح وعقد الماضي

الخطاب القومي العربي بين التسامح وعقد الماضي

تاريخ النشر: 2016-04-22 | 09:25

إنه شيٌ يشبه المستحيل في عالمنا العربي، فهو حالةٌ نادرةٌ غير معهودة من الانتظام والدورية الغريبة، لم تعتد عليها المؤسسات العربية الشعبية والرسمية، التي لا تكاد تنعقد مؤسساتها وتلتئم اجتماعاتها بسهولة، إذ تتعطل وتتأجل، وتتأخر وتتجمد، وتتكلس على أشخاصها ويحتكرها المهيمنون عليها، ويرثها أبناؤهم ويقودها من بعدهم أتباعُهم، على نفس النهج ووفق ذات السياسة، إذ تُكيف أنظمتها الداخلية، وتسوى لوائحها التنظيمية ليبقى عليها ذات الأشخاص ونفس الرموز ردحاً طويلاً من الزمن، ينتهي بموتهم أو خرفهم، أو بانحرافهم عن المسار وتغييرهم للاتجاه وتبديلهم للولاء، طمعاً في مناصب أو حرصاً على جاهٍ ومكاسب.

لكن المؤتمر القومي العربي الذي عقد اجتماعه التأسيسي الأول في تونس عام 1990، يعود به الزمان ليعقد دورته السابعة والعشرين في مدينة الحمامات التونسية، منتظماً في مواعيده، ومحافظاً على زمان انعقاده، إذ تنعقد اجتماعاته دورياً في مثل هذا الوقت كل عامٍ، وتتسع له عواصم عربية عديدة، فإن تعذر انعقاده في عاصمة، فتحت له أخرى أبوابها، ورحبت به واتسع فضاؤها لأفكاره ومناقشاته، وأحسنت ضيافة أعضائه، فكان انعقادٌ وإن تكرر في بيروت والقاهرة، وتونس وبغداد، والمنامة والدار البيضاء، وصنعاء والجزائر، وما زالت كرته تدور، وعجلته تسير، وهو يتجاوز الصعاب ويقفز بنجاحٍ فوق التحديات، ويسير بحذرٍ بين ألغامٍ مزروعة وأخرى مقصودة، وما زال يبحث عن عواصم عربية تستقبله من جديد ولا تعترض عليه، وترحب بكل أعضائه ولا تمنع أحداً منهم من الدخول إليها، ليبقى المؤتمر حراً سيداً مستقلاً.

غالبية أعضاء المؤتمر القومي العربي يحرصون على المشاركة في دوراته، والاستجابة إلى دعواته، ويحزن من منع، ويعتذر من عجز، ويرسل مساهمته من غاب، علماً أنهم على حاسبهم يأتون، وعلى نفقتهم يحضرون ويقيمون، وببعض مالهم ولو كان نزيراً يسيراً يساهمون، رغم أن أغنياءهم أقلية، وأثرياءهم قلة، ولكنهم أغنياء وفقراء يساهمون فيه ليبقى، ويؤدون الاشتراك ليستمر.

لكن هذه المميزات الجميلة التي تمتع بها المؤتمر القومي العربي عبر تاريخه الذي تجاوز الربع قرنٍ بسنتين أخريين، لا تستطيع أن تخفي عيوبه ومثالبه، ومساوئه ومشاكله، التي يحسن الأعضاء إبرازها، ويتقن المنتسبون إليه إظهارها، ويتفننون جميعاً في تزينها وحسن إخراجها، فهو ينتظم شكلاً وينعقد ملتقىً، ولكنه يظهر على منصة النقاش وقاعة الحوار اختلافاتٍ كثيرةٍ وتناقضاتٍ عميقة، قد تتعارض مع المفاهيم القومية والمنطلقات الفكرية العربية التي نشأ عليها، ولا تعكس الروح الوحدوية القومية الجامعة، وتتنكب لمعاني الخوف والحرص على الأمة وأبنائها، ولكنها تبقى دوماً ضمن دائرة التباين الطبيعي في الآراء والتكامل في الأفكار وصولاً إلى الأفضل وتحقيقاً للأصلح، حيث يسود الحوارات في الغالب هدوءٌ وقبولٌ، فلا مناكفاتٍ حادةً ولا صراخاً وصخباً غير حضاري.

الجلسات الأخيرة للمؤتمر في دورته السابعة العشرين حملت أفكاراً منفرة وأخرى مخيفة، وأطلقت العنان لكلماتٍ متطرفة ومتزمتة، منفلتة من عقالها وخارجة عن سياقها، وأبرزت مفاهيم تمزق جمع الأمة وتهدد نسيجها العام، إذ ألقيت كلماتٌ متشنجةٌ تقود إلى شق الأمة بدلاً من جمعها، وتباعد بين شعوبها بدلاً من التقريب بينهم، وتعدم فرص اللقاء وترفض الحوار بدلاً من أن تخلق فرصاً للتلاقي، وتصنع قواسم مشتركة للتفاهم، وعلى الرغم من أنها لم تكن ترضي الجميع إلا أن أصحابها تمادوا فيها وكرروها، وتنادى غيرهم إلى المنصة وأكد أفكارهم وأيد دعواهم.

الإسلاميون جزءٌ أساسٌ من الأمة العربية، ومكونٌ رئيسٌ فيها، تاريخهم فيها طويل، ودورهم في مسيرتها كبير، ولهم إنجازاتٌ عديدة وإن كانت عليهم ملاحظاتٌ كثيرة، مما لا يغفل دورهم ولا ينكر وجودهم، إلا أن بعض المؤتمرين أنكروا وطنيتهم، وشككوا في قوميتهم، ودعو إلى وصفهم بالرجعيين ونعتهم بالمتآمرين، وتحميلهم المسؤولية عما آلت إليه الأمة من فوضى واضطراب، وتقاتلٍ واحتراب، واختلاطٍ في السلاح وتعدد في هوية حملته، وكأنهم هم وحدهم السبب فيما لحق بالأمة من مصائب ونكبات، وغيرهم مما حدث مبرأٌ، وعن الخطأ مقدس، وعن العيوب والنقائص منزهٌ.

لم يميز المؤتمرون بين حركةٍ إسلاميةٍ وأخرى، بل عمم أغلبهم وأجمل أكثرهم، وانطلق كثيرٌ منهم من ماضي في نفوسهم حبيسٍ، وتاريخٍ في ذاكرتهم لا ينسى، حفرته الأحداث، وعمقته الخلافات، وأبقته في العقل والقلب علامةً بارزةً الصراعاتُ والمواجهاتُ، فاعتبر أكثرهم أن الحركة الإسلامية الأم هي التي فرخت وأنجبت، وعنها انشقت الحركات وتشكلت، واتهموا فكرها بالضيق المحصور، إذ تكون وتشكل في السجون وخلف القضبان، فكان قاصراً في رؤيته، ومنتقماً في منهجه، الأمر الذي ساعد في التأسيس للعنف والترويج له، متجاهلين الظلم الذي تعرضت له الحركة الإسلامية المعتدلة، والجور الذي وقع عليها، والسجون التي فتحت لها، والمشانق التي نصبت ليعلق عليها رجالها، علماً أن هذا الظلم لا يبرر لهم أو لغيرهم العنف، وهذه السجون لا تجوز دعوات الانتقام ومساعي الثأر.

الحقيقة أنه لا اعتدال ولا نزاهة في المواقف والرؤى، ولا ميزان عدلٍ في النقد والجرح لدى الكثير ممن هاجم واعتدى، ودعا إلى التصريح والإعلان، ورفض التلميح والتعميم، إذ أرادوا تسمية دولٍ بعينها وتحديد حكوماتٍ باسمها، بينما رفضوا إدانة حكوماتهم، والتعقيب على سياسات بلادهم، رغم أن الجميع مدانٌ ومتهم، وعليه ملاحظات وله مشاركاتٌ ومساهمات، إذ لا طهر ولا عدل بينهم مطلق، كما لا تآمر ولا رجعية ولا ارتهان عند غيرهم مطلقٌ، والشعوب أسبق في الأوطان وأكثر أصالة، وهي صاحبة الحق ووريثة المجد، وإليها ينتسب الفضل وعلى يديها عبر التاريخ ينعقد الخير، وهي التي تصنع المواقف وتقدم القادة والزعماء، وتكتب بتضحياتها صفحات تاريخ العرب الناصعة.

يخطئ أعضاء المؤتمر القومي العربي الذي لا يتجاوز عدد المشاركين منهم مائتا عضوٍ في دورته الحالية، وإن كان عددهم عبر دوراته السبعة والعشرين التي مضت يفوق الألف عضو، عندما يعتقدون أنهم وحدهم يمثلون ضمير الأمة ويعبرون عنها، وينطقون باسمها ويتحدثون نيابةً عنها، وأن ما يقولونه داخل جدران القاعات وعبر مكبرات الصوت، إنما هو صدى الشعب ورجيع الأهل، وتوصياتهم تمثل أماني الأمة وتطلعاتها، وأحلامها وخيالاتها، ويخطئون عندما يصفون ما يرون أنه الحق والصواب، وأنه خيار الأمة وقرار شعوبها، وأن من يحيد عنها يخرج عن الأمة ويتناقض معها، فيحتكرون برؤاهم الحق وكأنهم يريدون من الأمة كلها أن تنظر بمنظارهم، وأن تحكم بعقولهم، وأن ترى ما يرون، إذ هو وحده سبيل الرشاد، وكوة الفرج وبصيص الأمل.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط