كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخليج بين أمريكا وإيران: هل تفتح التفاهمات الجديدة طريقاً إلى استقرار المنطقة؟

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز اللقاءات الخليجية–الأمريكية الأخيرة بوصفها مؤشراً على مرحلة سياسية جديدة تتجاوز إدارة الأزمات الآنية نحو البحث عن أسس أكثر استدامة للأمن والاستقرار الإقليمي. فالتوترات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، والحروب والصراعات التي استنزفت شعوبها ومواردها، دفعت مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في كلفة الصراع وجدوى استمرار سياساته.
ولم يعد أمن الخليج العربي قضية تخص دوله وحدها، كما لم يعد شأناً أمريكياً أو إيرانياً منفرداً، بل أصبح عنصراً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار الدوليين.
فمن هذه المنطقة يمر جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، وفيها تتقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى والدول الإقليمية على حد سواء.
لقد أثبتت التجربة أن منطق القوة وحده لم ينجح في إنتاج منظومة أمنية مستقرة، كما أن محاولات فرض الإرادات أو تحقيق الأمن على حساب الآخرين لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من التوتر وعدم اليقين.
ولذلك يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة إدارة الصراعات إلى مرحلة صناعة الاستقرار.
غير أن الاستقرار المنشود لا يمكن أن يكون مجرد غياب للحرب أو خفض لمستوى التوتر، بل هو عملية سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، تقوم على بناء الثقة المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، وحسن الجوار، والاعتراف بالمصالح المشروعة لجميع الأطراف. فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة فحسب، وإنما بقدرته على معالجة أسباب الصراع وإزالة مصادر القلق وعدم الاستقرار.
وتدرك دول الخليج العربية أن نجاح مشاريعها التنموية الكبرى وخططها الطموحة للتحول الاقتصادي يتطلب بيئة إقليمية مستقرة وآمنة. فالتنمية تحتاج إلى الاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى الثقة، والمستقبل لا يُبنى في ظل الحروب المفتوحة والأزمات الدائمة.
ومن هنا جاء الحرص الخليجي المتزايد على دعم مسارات الحوار وخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية على المواجهات العسكرية.
وفي المقابل، تبدو إيران أمام استحقاق تاريخي يتمثل في الانتقال من منطق الصراع والنفوذ إلى منطق الشراكة والتعاون الإقليمي. فالجغرافيا تفرض حقائق لا يمكن تجاوزها، وأمن الخليج سيظل مصلحة مشتركة لجميع الدول المطلة عليه. كما أن الاستقرار الإقليمي يوفر لجميع شعوب المنطقة فرصاً أكبر للتنمية والازدهار والتقدم.
أما الولايات المتحدة، فإنها تدرك أن استقرار الخليج لم يعد مجرد مسألة تتعلق بأمن الحلفاء التقليديين، بل يرتبط أيضاً باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلامة الممرات البحرية الدولية. ولذلك فإن أي تفاهمات أمريكية–إيرانية لن يكتب لها النجاح ما لم تأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج وهواجسها الأمنية المشروعة، وما لم تسهم في بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وأقل توتراً.
غير أن أي حديث عن الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط يبقى ناقصاً إذا جرى تجاهل القضية الفلسطينية أو التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن معادلات الأمن الإقليمي.
فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية حدود أو نزاع محلي فحسب، بل كانت وما تزال جوهر الصراع السياسي والتاريخي في المنطقة، وأحد أبرز الاختبارات الحقيقية لقدرة النظام الدولي على تطبيق مبادئ العدالة والقانون الدولي على الجميع دون استثناء.
لقد أثبتت العقود الماضية أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها لم تنجح في إنتاج سلام حقيقي أو استقرار دائم، بل أسهمت في إبقاء المنطقة رهينة أزمات متلاحقة وانفجارات دورية للعنف والتوتر. كما أثبت الشعب الفلسطيني، رغم ما تعرض له من احتلال وحروب وحصار وتهجير، أنه لم يفقد تمسكه بحقوقه الوطنية المشروعة ولا إرادته في البقاء والصمود والدفاع عن هويته الوطنية ووجوده التاريخي على أرضه.
ومن هنا فإن أي مشروع جاد لبناء منظومة أمن إقليمي جديدة لا يمكن أن يقتصر على التفاهمات العسكرية أو الترتيبات الأمنية أو المصالح الاقتصادية وحدها، بل يجب أن يتضمن رؤية سياسية عادلة لمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً أصيلاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. فالأمن الذي يتجاهل حقوق الشعوب المشروعة يبقى هشاً وقابلاً للاهتزاز، بينما الأمن القائم على العدالة والحقوق والاحترام المتبادل يمتلك فرصاً أكبر للاستمرار والديمومة.
وفي هذا السياق، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنتصر إرادة الشراكة والحوار والتنمية، وإما أن تستمر دوامة الصراعات التي استنزفت شعوبه لعقود طويلة. وبين أمن الخليج واستقرار المنطقة وحقوق الشعب الفلسطيني خيط واحد لا ينفصم، عنوانه العدالة والسلام والتنمية المشتركة. فهذه القضايا ليست ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة في معادلة واحدة، يؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المنطقة اليوم لا يقتصر على منع الحرب المقبلة، بل يتمثل في بناء السلام التالي.
سلامٌ يقوم على الشراكة بدلاً من الهيمنة، وعلى التعاون بدلاً من الصراع، وعلى التنمية بدلاً من الاستنزاف، وعلى احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب بدلاً من فرض الأمر الواقع بالقوة.
فالأمن الذي لا يستند إلى العدالة يبقى هشاً مهما امتلك من أدوات القوة، أما السلام الذي يقوم على الحقوق والاحترام المتبادل والتعاون المشترك فهو وحده القادر على صناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.
وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل المنطقة رهناً بقدرة دولها وقواها الفاعلة على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الحلول، ومن حسابات الصراع إلى آفاق التعاون، ومن توازنات الخوف إلى شراكات المصالح المشتركة.
فلا استقرار دائماً في الشرق الأوسط دون استقرار الخليج، ولا استقرار دائماً للخليج دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية، ولا سلام حقيقياً دون عدالة. تلك ليست مجرد شعارات سياسية، بل حقائق تؤكدها الجغرافيا، وتثبتها التجربة، ويفرضها مستقبل المنطقة وأجيالها القادمة.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط