كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخليل وجعٌ يتجدد ومقاومة لا تتبدد

من جديد تعود مدينة خليل الرحمن إلى واجهة الأحداث، وصدارة الأخبار، بقوةٍ واقتدار، وشرفٍ وافتخار، رغم أنها لم تغب يوماً عن الأحداث، ولم تنفصل عن محيطها المؤلم، ولم تنسَ واقعها البئيس، ومعاناتها الدائمة، إذ يؤلمها الإسرائيليون كل يومٍ، ويجرحون جرحها الغائر من جديد.

حيث يعيث مستوطنوها في قلب المدينة، ويسيطرون على مساحاتٍ كبيرة منها، في الوقت الذي يغلق فيه الجيش الإسرائيلي الكثير من الشوارع والطرقات تأميناً لهم، ويمنع الفلسطينيين من المرور في الشوارع، أو الاستفادة من الأسواق.

كما يمنعهم من الصلاة في مسجدهم الإبراهيمي، الذي أحاله إلى ثكنةٍ عسكرية لجيشه، وكنيسٍ يهودي لمواطنيه، يدخلونه وقتما شاؤوا، ويقتطعون من باحاته ما يريدون، حتى لم يبقَ فيه للمسلمين سوى مواضع سجودٍ صغيرة، لا تكفي سوى لأعدادٍ قليلة من المصلين، فيصلون تباعاً وعلى مراحل، ليتمكن غيرهم، ممن سمح لهم بالدخول للصلاة مكانهم.

أضحت مدينة الخليل اليوم على كل لسانٍ في فلسطين المحتلة، إثر العملية العسكرية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية بالقرب من بلدة أدنا في مدينة الخليل، والتي قتل فيها صهيوني، وأصيب أربعةٌ آخرون بجراحٍ مختلفة، بعد أن أفرغ مقاومٌ فلسطيني طلقات بندقيته الآلية على حاجزٍ عسكري، وسيارة مستوطنين كانت بالقرب منه، فتمكن من ركابها، ونفذ عمليته بنجاح، وغادر المكان، دون أن يترك أثراً يدل عليه، وقبل أن يتمكن جنود الجيش الإسرائيلي من ملاحقته أو القبض عليه، إذ توارى عن الأنظار، ولم يعرف أحدٌ من أين انطلق، ولا إلى أين اتجه.

أثارت العملية العسكرية جدلاً شديداً في مختلف الأوساط، الإسرائيلية والفلسطينية والدولية، وصدرت على إثرها مواقف مختلفة، مؤيدة ومعارضة، ومصدومة ومتفاجئة، وفرحة وحزينة، وغاضبة وشامتة، فهي عمليةٌ ناجحة بامتيازٍ، وقد تمت أمام حاجزٍ عسكري، ونفذها مقاومٌ فلسطيني وهو يلبس البزة العسكرية الإسرائيلية، مستخدماً سلاحاً نارياً سريع الطلقات، واستنفذ وقته بالكامل حتى أفرغ بندقيته من طلقاتها، وتمكن من إسكات عناصر الحاجز العسكري، بعد أن أربكهم وشل حركتهم فلم يقاوموه، ولم يعترضوا طريقه، ثم استهدف سيارة المستوطنين، وحقق فيهم إصاباتٍ مباشرة، إذ تمت عن قرب، وعاد أدراجه إلى مكمنه، فلم يلاحقه أحد، ولم يتتبع خطواته جندي، مسجلاً عمليةً عسكرية نظيفة وناجحة.

صدم الجيش الإسرائيلي بهذه العملية، ومن المؤكد أنها ستترك آثاراً مباشرة على عناصر وضباط الوحدة العسكرية المكلفة بإدارة المنطقة، وقد تترك آثاراً مؤذية على قائد المنطقة الوسطى في رئاسة أركان الجيش الصهيوني، الذي قد يدفع وغيره ثمن هذه العملية، جزاء فشلهم في إفشالها، وعجزهم في التصدي لها.

كما ستدفع قيادة المخابرات الصهيونية في المنطقة ثمن هذه العملية، وستعاني من نتائجها، إذ ظنت أنه لم يعد في الضفة الغربية ما يهدد المصالح الإسرائيلية، ولا يوجد خلايا عسكرية، بعد أن تم تفكيك أغلبها، واعتقال وقتل عناصرها، فاطمأنت كثيراً إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية لا يشكلون خطراً، ولا يملكون القدرة على المقاومة، وقد أصابهم اليأس، ومات عندهم الأمل في عملياتٍ عسكرية موجعة، كتلك التي كانت تقوم بها قديماً، بعد الضربات الأمنية الموجعة التي طالت مختلف الخلايا العسكرية لقوى المقاومة الفلسطينية.

كما اضطربت الأجهزة الأمنية الفلسطينية المعنية بالتنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، والمهتمة بجمع المعلومات عن المقاومة الفلسطينية، والتي تفتخر بأنها أفشلت مئات العمليات العسكرية، وأحبطت العديد من محاولات خطف جنودٍ إسرائيليين، فجاءت هذه العملية لتصيبها في قلب تخصصها، في الوقت الذي تعلن فيه أنها ماضية في عملية التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، بغض النظر عن تعثر مسار المفاوضات، واضطراب عملية المفاوضات السياسية بين الطرفين.

نتيجةً لهذا التعثر والاضطراب الذي أصاب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية، الذين يدعون أنهم قد نجحوا في ضبط الشارع الفلسطيني، فاطمأنوا أنه لا عمليات مقاومة جديدة، فقد ظهرت أصوات تنسب العملية إلى حزب الله، وخلايا فلسطينية تعمل لصالح المقاومة الإسلامية في لبنان، وأنها نفذت العملية لحسابه، بتمويلٍ وتوجيهٍ منه، وقال عنها البعض بأنها تأتي ضمن عملية تسوية الحساب بين حزب الله والعدو الصهيوني.

عملية الخليل جاءت في هذا الوقت الدقيق، الذي يدعي فيه الكيان الصهيوني أنه متفوق ومتحصن، وأنه آمنٌ وغير خائف، لتقول له أن المقاومة الفلسطينية قائمة وباقية، وأنها أبداً لا تنتهي ولا تموت، وإن كانت تخفت وتهدأ أحياناً، فهي إلى انطلاقٍ جديدٍ، بعزمٍ أقوى، وقدرةٍ أكبر، بما يتناسب مع المرحلة والظروف، وأن الإجراءات العسكرية والأمنية الإسرائيلية مهما بلغت في قسوتها وعنفها، بالتنسيق والتعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فإنها أبداً لا تجهض المقاومة، ولا تكسر سيفها، ولا تحرف بندقيتها، ولا تقعدها يأساً أو إحباطاً.

أما إن كانت العملية العسكرية لحزب الله، فمرحى بهم، وأهلاً وسهلاً بالمقاومة الإسلامية، تقارع العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتضربه في مأمنه، وتصيبه في مكمنه، وتقتله حيث ظن أنه ناجٍ، وتؤلمه حيث اعتقد أنه محصنٌ وممتنع، فقد استحق العدو الصهيوني أن تقاتله الأمة العربية والإسلامية كلها، فطوبى لمن ساهم وبادر، وقاوم وقاتل، وأوجع وآلم، فهذه معركة الأمة، ينبغي أن يساهم فيها الجميع، وأن يتبارى فيها الكل، انتصاراً لفلسطين، وذوداً عن حياضها، ودفاعاً عن مقدساتها، ويخطئ العدو أننا وحدنا في الميدان، وأنه قادر على الاستفراد بنا، والنيل منا.

إنها الخليل، تنتفض بقوة، وتقاتل بعناد، وتهاجم بفروسيةٍ، في صيرورةٍ لا تضعف ولا تتبدد، تربط ماضيها بغدها، وهي المقاومة أصلاً، والمقاتلة باقتدار، تقنص العدو وتنال منه، وتوجعه وتؤلمه، وتصرخ في وجهه أننا ها هنا باقون، على الأرض ثابتون، نقاتل من أجل حقنا، ونستبسل في الدفاع عن وطننا، نحن ومن قاتل معنا، وانتصر لشعبنا، وآمن بقضيتنا.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected] بيروت في 19/4/2014

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط