كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية

الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية

تاريخ النشر: 2026-04-05 | 11:33

لم يعد الاقتصاد في الحالة الفلسطينية مجرد مسألة مؤشرات، وأرقام، وموازنات، وعجز مالي، وناتج محلي إجمالي، وميزان تجاري، وكل ما يدّرس في المناهج العلمية ذات الصلة فحسب، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة صراع مركزية توظفّه إسرائيل ومن خلال أدوات اقتصادية عدّة، لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي تجاه انفاذ ما تسميه أدبيات ومنظّرو الصهيونية الدينية بخطة الحسم، بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية،  فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم، بتشعباتها المختلفة، وتحديدا أزمة المالية العامّة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها أزمة ماليّة عابرة، وإنما باعتبارها حالة من الخنق الاقتصادي المًمنهج الذي تتجاوز آثاره الموازنة العامة، أو أزمة الرواتب، أو مستوى المعيشة، لتصل إلى بنية الانتماء الوطني، والهوية الجمعية للشعب الفلسطيني.

فعلى مدار السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ تنامي قوة اليمين الإسرائيلي في المشهد السياسي، تعرض الاقتصاد الفلسطيني لسلسلة من الضغوط المركّبة، تراكمت وتشابكت بشكل كبير بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023،  لتشمل حجز كافّة إيرادات المقاصّة، وخلق أزمة تكدّس الشيكل، ومنع العمال الفلسطينيين العاملين في الاقتصاد الإسرائيلي من العودة إلى اعمالهم، وتقييد الحركة والتجارة، وتعطيل سلاسل الإنتاج والتوريد، والتدمير المُمنهج لقطاع غزة، وللبنى التحتية في محافظات شمال الضفة الغربية، والتهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من الأغوار الفلسطينية وجنوب الضفة، والهجمات المنظمّة للمستوطنين في أطراف المدن والقرى الفلسطينية، عدا عن السيطرة الاسرائيلية المحمومة والصامتة على المناطق المصنفة (ج)، وغيرها من الإجراءات، وهذه العوامل مجتمعة لم تُنتج فقط أزمة ماليّة، او تراجع مؤشر اقتصادي هنا أو هناك، بل خلقت حالة مزمنة من الخنق الاقتصادي، وحالة من عدم اليقين، وتبعا للأدبيات العالمية ذات الصلة، فعندما يفقد الإنسان القدرة على توقع مستقبله الاقتصادي، أو توفير اساسيات حياته، تتغير أولوياته تلقائياً؛ إذ يتراجع التفكير العام لصالح النجاة الفردية.

ومن هنا تبدأ العلاقة العميقة بين الاقتصاد والانتماء الوطني بالظهور. فالانتماء الوطني لا يتشكل فقط عبر الخطاب السياسي أو الرموز الثقافية، بل يحتاج إلى حدٍ أدنى من الاستقرار الاقتصادي، الذي يعزز من صمود المواطن، ويسمح للفرد بالشعور بأنه جزء من مشروع جماعي قابل للاستمرار والحياة، أمّا حين يصبح تأمين الدخل اليومي، ومتطلبات الحياة الأساسية هي الهمّ الشاغل للمواطن، فإن الحيّز النفسي والاجتماعي للعمل العام يضيق تدريجياً، تجاه الهروب نحو النجاة الفردية.

كما أن الخنق الاقتصادي يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، اضافة إلى تزايد الرغبة بالهجرة، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتصاعد المنافسة على الموارد، حتى وإن لم تكن محدودة خوفاً من المستقبل، وربما ما يشهده المجتمع الفلسطيني من أزمات للغاز أو الوقود انموذج لهذا التنافس والتدافع غير المبرر، إلّا من خلال منظور النجاة الفردية، والأخطر، أنه مع الوقت، تنمو الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، ليس نتيجة خيار أيديولوجي، بل كرد فعل طبيعي على الندرة الاقتصادية والقلق المستمر، وتآكل الثقة العامة تدريجياً. فالخنق الاقتصادي المُمارس حاليا من إسرائيل، يبقي الاقتصاد الفلسطيني في حالة ضعف دائم؛ وعاجز عن النمو الحقيقي، ومجتمع يعمل ويحاول لكنه غير قادر على التخطيط للمستقبل، وفي هذه المنطقة الرمادية بين الحياة والانهيار تتشكل أخطر التحولات الاجتماعية، حيث يتحول القلق المعيشي إلى الإطار الحاكم لسلوك الأفراد والجماعات، والأخطر في هذه العملية أنها بطيئة وصامتة، فهي لا تُحدث صدمة واحدة واضحة، بل تراكمات صغيرة تغيّر السلوك الجمعي مع مرور الزمن، وبتوظيف مصطلح "الألفة الغافلة"، ومع استمرار الضغط الاقتصادي، يتحول المجتمع من مجتمع يرنو نحو مشروعه الوطني، إلى مجتمع منشغل بإدارة الأزمات اليومية، ومن برنامج سياسي جماعي إلى استراتيجيات فردية للبقاء.

إن مواجهة الخنق الاقتصادي لا تبدأ فقط بالإجراءات المالية، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الاقتصاد كمساحة صمود جماعي. فتعزيز الإنتاج المحلي، وحماية الفئات الوسطى، ودعم الفئات المهمشة ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل أدوات للحفاظ على التماسك الاجتماعي والانتماء الوطني، فالاقتصاد، أحد أهم روافع الهوية والاستقرار، وعندما يُستخدم الاقتصاد لخنق المجتمع، يصبح الدفاع عنه دفاعاً عن المعنى الجماعي للوجود الوطني نفسه.

ختاماً، إنّ النجاة الفردية في زمن التهديد الوجودي، وهمٌ لا يبني وطناً ولا يحمي إنساناً، ورغم الواقع الصعب، يبرز التحدي الحقيقي: إمّا وهم الخلاص فرادى، أو حقيقة النجاة معاً، والخيارات محدودة، إمّا أن نصمد معاً، او ننهار.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط