كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الدبلوماسية الهادئة.. واستعادة مصر لنفوذها الإقليمي

الدبلوماسية الهادئة.. واستعادة مصر لنفوذها الإقليمي

تاريخ النشر: 2026-06-18 | 13:45

لم يكن التحول الذي شهدته السياسة الخارجية المصرية بعد 30 يونيو 2013 مجرد تغيير في الأولويات أو إعادة ترتيب لدوائر الحركة الدبلوماسية، بل كان جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة المصرية نفسها واستعادة قدرتها على الفعل والتأثير في محيط إقليمي ودولي بالغ الاضطراب. فالدول لا تمارس سياسة خارجية فعّالة إلا بقدر ما تمتلك من تماسك داخلى ورؤية استراتيجية وقدرة على توظيف مواردها السياسية والاقتصادية والأمنية لخدمة مصالحها الوطنية.

وعندما بدأت مصر استعادة عافيتها الداخلية بعد سنوات من الاضطراب وعدم اليقين، كان أحد التحديات الرئيسية يتمثّل في إعادة بناء مكانتها الإقليمية والدولية، واستعادة الثقة في قدرتها على القيام بدورها التقليدى، باعتبارها إحدى الركائز الرئيسية للاستقرار في الشرق الأوسط والعالم العربى وأفريقيا. ورثت الدولة المصرية في تلك اللحظة الإقليمية بيئة شديدة التعقيد. دول عربية تتعرّض للتفكك والانهيار، وتنظيمات مسلحة تتمدّد عبر الحدود، وصراعات أهلية تُهدّد وحدة عدد من الدول الوطنية، وقوى إقليمية تسعى لتوسيع نفوذها، مستفيدة من الفراغات التي خلّفتها التحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة. وفي ظل هذه الظروف، لم يكن من السهل استعادة الدور المصري، بالاعتماد على أدوات القوة التقليدية وحدها، بل كان الأمر يتطلب صياغة مقاربة أكثر هدوءاً ومرونة وقدرة على بناء الثقة مع مختلف الأطراف. ومن هنا برزت ملامح ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية الهادئة»، وهي مقاربة اعتمدت على العمل التراكمى طويل النفس، وتجنّب الصدامات غير الضرورية، والبحث عن نقاط الالتقاء بدلاً من توسيع دوائر الخلاف، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثوابت الأمن القومى والمصالح الوطنية المصرية.

لم تسعَ القاهرة خلال السنوات الماضية إلى تصدير خطاب استعراضي، أو الدخول في منافسات إعلامية وسياسية مع الأطراف المختلفة، وإنما ركزت على بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات والتفاهمات، وهو ما انعكس تدريجياً على قدرتها على استعادة حضورها في الملفات الإقليمية الكبرى. فمصر عادت لتصبح طرفاً لا يمكن تجاوزه في الكثير من القضايا العربية، كما استعادت موقعها كقناة اتصال موثوقة لدى أطراف متعارضة ومتنافسة في الوقت نفسه.

وقد ارتبط نجاح هذه المقاربة بقدرة الدولة المصرية على تقديم نموذج مختلف في إدارة علاقاتها الخارجية. فبدلاً من الانخراط في سياسات المحاور الحادة، تبنّت القاهرة نهجاً يقوم على الحفاظ على العلاقات مع مختلف الأطراف قدر الإمكان، مع تجنّب تحويل الخلافات السياسية إلى خصومات دائمة. كما حرصت على ترسيخ صورة الدولة التي يمكن التنبؤ بمواقفها، والتي تنطلق في قراراتها من حسابات المصالح والاستقرار، لا من الاعتبارات الأيديولوجية أو ردود الفعل اللحظية.

وساعدت التطورات الداخلية التي شهدتها مصر خلال العقد الماضى على تعزيز فاعلية هذا التحرك الخارجى. فبرامج الإصلاح الاقتصادى، ومشروعات البنية التحتية، وتطوير قدرات الدولة ومؤسساتها، لم تكن إنجازات داخلية فحسب، بل تحولت أيضاً إلى عناصر داعمة لصورة مصر الخارجية، وأسهمت في تعزيز الثقة الدولية والإقليمية في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها والاضطلاع بأدوار أكبر داخل محيطها. كما استفادت القاهرة من رصيدها التاريخى ومؤسساتها ذات التأثير الممتد، سواء عبر الأزهر الشريف، أو مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام، أو شبكة علاقاتها التقليدية الممتدة في العالمين العربى والأفريقى. وقد جرى توظيف هذه الأدوات ضمن رؤية أكثر شمولاً للقوة المصرية، لا تقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية فقط، بل تشمل كذلك أدوات التأثير المعنوى والثقافي والحضارى.

وخلال السنوات الأخيرة، انعكست نتائج هذه السياسة بوضوح على مكانة مصر الإقليمية. فقد عزّزت حضورها في القضايا العربية الرئيسية، ونجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف دولية وإقليمية متباينة، واستعادت دورها كفاعل رئيسى في جهود الوساطة واحتواء الأزمات، وهو ما منحها مساحة حركة واسعة في بيئة دولية تتّسم بقدر كبير من السيولة وعدم اليقين.

ولعل أهم ما يميز تجربة الدبلوماسية المصرية خلال عهد دولة 30 يونيو أنها لم تسعَ إلى استعادة النفوذ، باعتباره هدفاً في حد ذاته، وإنما باعتباره وسيلة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. فالقوة في المفهوم المصرى لم تعد تُقاس فقط بامتلاك أدوات الردع أو القدرة على التأثير المباشر، وإنما أيضاً بالقدرة على بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار، وتوفير مساحات للتفاهم بين الأطراف المختلفة. ومن هنا يمكن القول إن استعادة مصر لنفوذها الإقليمي لم تكن نتيجة تحرك دبلوماسى عابر أو نجاحات ظرفية مؤقتة، بل جاءت حصيلة رؤية متكاملة أعادت الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، وربطت بين قوة الداخل وفاعلية الخارج، وبين حماية المصالح الوطنية والمساهمة في استقرار الإقليم. وهى المقاربة التي مهّدت الطريق أمام مراحل أكثر تطوراً في السياسة الخارجية المصرية، سيكون من أبرزها ما يمكن وصفه بفلسفة «الاتزان الاستراتيجى» التي شكلت أحد أهم ملامح التحرك المصرى خلال العقد الماضي.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط