كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الديمقراطية لا يمكن أن تقوم إلا في دولة كاملة السيادة

التجارب العربية من فشل الربيع العربي بعد البداية الملهمة ، حيث تحول من فرصة للتحرر والنهوض إلى قضية سلطة ومغانم (من يحكم ، وكيف تدار البلاد؟).

وفي ظل ذلك تميعت أهداف الثورة أو تركت للزمن ، وضاعت أهم إنجازات الثورة : الوحدة الوطنية ، والحس الوطني ، والزخم الثوري والطموحات الكبيرة ليحل محلها الانقسام والإحباط بل والاقتتال.

تلك الأرصدة التي شكلت أرضية صلبة للإقلاع لم تنقصها سوى قيادة وطنية صادقة تراهن على الشعب وليس على السلطة ، وتطرح مشروعا وطنيا تحرريا طموحا يفجر طاقات الشعب ويستنهضه لمضاعفة البذل والعطاء والتضحيات ودفع ثمن التحرر والنهوض ، وفي غياب تلك الشروط أصبح الهدف عودة الحياة العادية وديمقراطية ولو جوفاء .

الديمقراطية مبادئ وآليات ، المبادئ تشمل حكم الناس باختيارهم ، وضمان الحريات والعدل والمساواة ، والشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات ، وهي محل إجماع إنساني وقيم إسلامية أساسية ، أما الآليات فكثيرا ما أفرزت قرارات وسياسات ناقضت المبادئ وأثمرت مظالم وفظاعات. "الديمقراطية مبادئ وآليات ، المبادئ تشمل حكم الناس باختيارهم ، وضمان الحريات والعدل والمساواة ، والشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات ، أما الآليات فكثيرا ما أفرزت قرارات وسياسات ناقضت المبادئ وأثمرت مظالم وفظاعات" وكثيرا ما يؤدي التحزب والاستقطاب في البلدان الديمقراطية إلى تعطيل الحياة السياسية وتسميم الأجواء وانقسام المجتمع وتنفير المواطنين من السياسة والشأن العام ، وفقدانهم الثقة في السياسيين والمؤسسات ، كما أن الأموال الضخمة التي تحتاج إليها الأحزاب والحملات الانتخابية تمكن اللوبيات والشركات من التحكم في القرار (رشوة مقننة)، ولعل هذه العيوب والمخاطر كانت في ذهن تشرشل حين قال عن الديمقراطية إنها أسوأ النظم السياسية إلا إذا قورنت بغيرها .

وإذا أمكن الحد من المضاعفات السلبية لدواء الديمقراطية فإن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا في دولة كاملة السيادة وتبلورت فيها هوية وطنية ، وهما شرطان لا يتوفران في الدول العربية ، حيث كثيرا ما تقدم الانتماءات والهويات الفرعية (الطائفية ، القبلية ، الأيديولوجية ، الجهوية ) على الانتماء للوطن ، ويعزز التحزب الانتماءات الفرعية ويزيد تمزيق المجتمع .

ومع توفر الشرطين الضروريين لقيام ديمقراطية حقيقية تتوفر في الدول الديمقراطية عوامل تحد من تأثير المضاعفات السلبية للصراع بين الأحزاب ، ومنها أن الانتماءات الحزبية لا تؤثر في العلاقات والمعاملات ، وقيمة الإنسان بإنجازاته وإسهاماته وليس بانتماءاته ، ثم إن مؤسسات الدولة متينة والإدارة محايدة ولا تتأثر بالصراعات والانتخابات ، كما تتميز الدول بقوة مؤسسات المجتمع المدني واستقلاله واستقلال المجال الديني عن الدولة .

كل ذلك على عكس الوضع في البلاد العربية ، فحتى الحروب والأزمات الخطيرة التي تنسي المجتمعات الديمقراطية خلافاتها وتوحدها خلف قياداتها توظف وتستغل ، ولا تتورع الأطراف المتصارعة حتى في تلك الظروف أن تتآمر وتتواطأ وتخون .

ومن يتأمل في أوضاع ومسيرة الدول التي طبقت فيها الديمقراطية والبلدان التي نهضت يجد أن الديمقراطية هي بالتأكيد عامل مساعد ولكنها ليست عاملا حاسما ، وأن كلمة السر في كل قفزة نوعية قامت بها أي دولة هي قيادة ورؤية، فكثير من الدول طبقت الديمقراطية وظلت تراوح مكانها ، ومن نهض منها لم ينهض إلا بعد أن برزت قيادة وطنية استطاعت أن تحفز وتكسب ثقة شرائح واسعة من الشعب ، وبعض تلك القيادات لم يكن مثالا للحاكم الديمقراطي.

هذا لا يعني طبعا تفضيلا للدكتاتورية على الديمقراطية ، ولكن يعني أن الديمقراطية ليست الحل السحري كما يظن ويروج البعض ، وأن وجودها ضروري ولكن لا يكفي ولا يضمن التقدم ، وكل هذا النقاش لا ينطبق إلا على الدول كاملة السيادة .

الخلاصة أن النظام الديمقراطي هو الأفضل لتنظيم الخلاف وإدارة الدولة إذا توفرت شروطه ، أما الدول المحتلة أو التابعة فتحتاج إلى اصطفاف الشعب في حركة تحرر وطني حول قيادة وطنية ومشروع وطني للتحرر والنهوض ، وإلا تصبح السياسة جوفاء ، وتصبح الديمقراطية شكلا بلا مضمون.

من المعلوم من السياسة بالضرورة أن الدول العربية بلا استثناء دول تابعة لا تملك قرار ها، معتمدة على الخارج في اقتصادها وأمنها ودفاعها ، وأنظمتها قائمة بسند وضمان خارجيين ، ويكاد يتعذر أن تجد حاكما عربيا وصل إلى السلطة -ولو بالانتخابات - بدون تسهيلات أو رضا من الخارج.

في هذه الأوضاع لا يمكن للديمقراطية أن تقوم ، ليس لأنها تتعارض مع الإسلام أو مع العقلية العربية ، ولكن لأن الديمقراطية التي تجعل الشعب مصدر السيادة والسلطة وتعرف على أنها حكم الشعب لنفسه تفترض أن الدولة كاملة السيادة ، وفاقد الشيء لا يعطيه .

لطالما عج الخطاب السياسي العربي بمصطلح "الاستعمار غير المباشر "، ولطالما رفض المناضلون الاعتراف بالاستقلال ما دامت البلاد تابعة ، ومن ثم كان التحرر من التبعية أولوية باعتبار أنه لا نهوض ولا ديمقراطية مع التبعية ، ثم فجأة تبخر المصطلح وكأن البلاد تحررت فجأة .

ويبدو أن البعض أسقط مسألة التبعية لرفع الحرج وفتح طريق السلطة الذي كان مسدودا في وجهه ، وهكذا أصبحت مظاهر الديمقراطية غاية في حد ذاتها ومعيار النجاح ، ولا يهم إن ظلت البلاد تابعة ومتخلفة ما دامت لدينا أحزاب ودستور وانتخابات. "من المعلوم من السياسة بالضرورة أن الدول العربية بلا استثناء دول تابعة لا تملك قرارها ، معتمدة على الخارج في اقتصادها وأمنها ودفاعها ، وأنظمتها قائمة بسند وضمان خارجيين ، ويكاد يتعذر أن تجد حاكما عربيا وصل إلى السلطة بدون تسهيلات أو رضا من الخارج" فالتبعية لا تختلف جوهريا عن الاحتلال ، وفي ظل التبعية كما في ظل الاحتلال تصبح السياسة عبثا وثرثرة إذا لم تتمحور حول قضية التحرر الوطني ، وفي دولة تابعة لا يمكن إلا أن تقوم ديمقراطية جوفاء موجهة ومحكومة من الخارج بواسطة حاكم مطلق أو أحزاب مدجنة تتصارع وتتداول على ا سلطة

. وقد يكون ضررها أكبر من نفعها إذ تقسم المجتمع وتتحول إلى مخدر يشغل الناس عن القضية الوطنية الأم بمعارك جانبية -حزبية وانتخابية - وإنجازات وهمية ، وينطبق هذا خصوصا على الشعوب العربية التي تميل إلى الحلول السهلة والمسكنات ، وحيث الأحزاب أشبه بالطوائف ، وانظر ماذا حدث في ليبيا التي طبقت فيها الديمقراطية قبل أن تؤسس الدولة ، والعراق الذي طبقت فيه الديمقراطية في ظل احتلال ، والسودان ولبنان اللذين عرفا الأحزاب والانتخابات منذ أمد طويل ، وماذا فعلت آليات الديمقراطية في الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

وجل البلاد العربية تقريبا عرفت التعددية الحزبية والانتخابات ومشاركة الأحزاب في الحكم دون جدوى ، لأنه في كل الحالات توضع العربة قبل الحصان ويبدأ البناء من السقف ، فتطبق آليات الديمقراطية في دولة تابعة لا تتوفر فيها الشروط وبلا مشروع وطني .

ولم ولن تفلح الديمقراطية بل لن تقوم ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية ما دامت تابعة ، لا يدخل فيها حزب في منظومة الحكم -ولو بالانتخابات - إلا بعد أن يروض ويصبح مضمونا ويتعهد بعدم المساس بالمصالح والسياسات أي بالنظام ، لأن النظام سياسات ، وما تبقى من نفس ثوري أو تغييري لدى الحزب يعالج بتوريطه في الإدمان على السلطة والمال ، والسلطة عند أغلب السياسيين العرب ليست وسيلة لخدمة الشعب والوطن ، بل غاية تبرر كل وسيلة ، ولذلك يسهل تطويعهم ثم توظيفهم ، وتلك معادلة لا تغيرها الديمقراطية في ظل التبعية .

كثيرة ومتنوعة النكسات في التاريخ العربي والإسلامي ، والسبب واحد : نخب وقيادات تخذل شعبا وتضيع عليه الفرص بوعي أو بدونه ، وانتكاسة الربيع العربي لم تخرج عن السياق ، نخب تصارعت على السلطة قبل الأوان في دولة تابعة وأوضاع هشة فوجدت نفسها تلهث وراء المال وتتسابق للاستقواء بالخارج فكان الذي كان : تفتيت أو فوضى أو تغيير شكلي أو نكوص ، وأصبحت الدول ساحات للصراع الإقليمي والدولي بالوكالة ، بالسلاح أو بالمال السياسي .

وتم إجهاض الثورات وحرفها عن مسارها وتجويفها وتمييع أهدافها بأيد محلية بطرق خشنة أو ناعمة ، وكل الدول ظلت تابعة بل وأصبحت أكثر تبعية .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط