كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الذاكرة والرواية

الذاكرة والرواية

تاريخ النشر: 2024-08-08 | 15:13

إذا كانت الذاكرة تشمل المكان والأشخاص والأحداث والشعور والتخيلات والأوهام، وإذا كانت الرواية هي فن السرد، فكلنا كتب نفسه، وما الرواية إلا سيرة ذاتية أو جزء منها بالمعنى الواسع للمصطلح بما يشمل فهم المجتمعات والفلسفات وعلوم النفس والاقتصاد والسياسة ما ظهر منها وما بطن، وما فات منها وما حضر، وما اختفى وما استوى، وما يمكن أن يحدث أو لا يحدث، فالكاتب نبي الزمن، وصانع رؤيتها، ومالك خزائنها، وناقد دواخلها، لا حد لفكره، لا يمنعه مانع، ولا يرى إلا ما هو نافع، وإن كتب مأساة مجتمعه، ووقف على عيوبه، وأظهر محاسنه، ونقد معتقداته، وهدم بيته، وبنى بيوتا من زجاج أو صلصال، أو حفر جبلا، وهدم معبدا، وصنع من فقير ملكا، وجعل الملك شحاذا، فنحن نرى ما لا يرون، نحن زرقاء الرواية، ونصدق ونكذب، ونجعل من الحبة قبة، ومن القبة حبة.

نحن الذين اخترعوا العجلة، عجلتنا الخاصة، وخرمنا العقول لنفكر أفضل، وننظر من تحت لفوق ومن فوق لتحت، فنحن أهل الفكر والعاملين فيه، ونعشق ونفرح ونبكي ونحزن، ونغني ونرقص ونغضب، ونقتل ونصيب، ونجرح الفولاذ، وندمي القلوب ونحن نصوغ كلماتنا، ونفلح وننتكس، فالكلمة التزام.

الذاكرة ليست ما مضى، ولا ذاكرة الحاضر، ولا الذاكرة القصيرة والمتوسطة المديين، فنحن نصنعها، نحن نبحث عنها، فلا تتعلق الكتابة بتدوين المشاعر، واللعب باللغة وحولها، فنحن ندرس ونبحث، فإذا كنا لا نستطيع أن نضيف شيئا لأنفسنا قبل غيرنا، فلم نكتب؟ الذاكرة ليست فردية، فما أنا إلا الحلقة الصغرى التي أرى فيها الناس من حولي والعالم، فكان يرفض أن يكتب الواحد بضمير الأنا في رؤية شكلية سطحية إلى أن اعتدلت.

إذا توفرت الأدوات فإن الكتابة خيار، خيار نعمل عليه، فنختار المكان والأشخاص والأحداث والمشاعر والتخيلات والزمان. خيار العمل في العقول والأنفس، خيار المعاني واللغة، خيار التغيير نحو الأفضل.

عبد الرحمن منيف كتب السجن وحكم البوادي، وحنا مينا كتب البحر والجبل، وابراهيم الكوني كتب الصحراء، والطاهر وطار كتب الثورة والثوار، وغسان كنفاني كتب البرتقال وحيفا.

كل منا له بوصلته، بوصلته ليست معزولة عن معتقداته وميوله السياسية والحزبية والدينية والمجتمعية. كل منا له عين يرى العالم من خلالها، وعين ترى ما هو واجب أن يكون، عين على الماضي والحاضر، وعين على الأجمل.

كل منا له انحيازاته، يوظف من خلالها كل معلومة تصله، حتى لو كانت غير كافية لتبرير ذاته. فعقله يغطي على أشياء قد تكون مهمة، ويبرز أشياء حتى لو كانت دون معنى. هل نستطيع تغيير الٱخرين؟ هل أستطيع تغيير نفسي؟ بالطبع نعم، إن رأيت الأمور فوق نفسي، فوق الٱخرين، إن حاولت أن أصعد إلى العلا وأرى الحركة الكلية للناس والأحداث والكون. هذا ما نحاوله في كتاباتنا في إطار تحيزاتنا لأنفسنا ضد أعدائنا.

أنا بوصلتي وطني المسلوب، بكل ما فيه، كله كله، وإن ضلوا الطريق، فوطني المتنوع جغرافيا فيه الجبل والوادي والصحراء والسهل والنهر والبحر، وفيه الأسود والأسمر والحنطي والأبيض والأشقر، وفيه المسيحي بكل طوائفه، والمسلم بكل فروعه، ومن خارج الديانات. أنا أنا، لا تضيع بوصلتي وإن ضاعوا.

أنا اخترت الرواية منذ البدايات، واخترت القرى المهجرة المدمرة مكانا، فأنا لاجئ من بيت نبالا قضاء اللد، عشت في قرية بيت اللو ١٢ سنة، وعشت في سقائف طينية وفي المخيم، وجلت في أركان القرية كابن مزارع بكل أنواعها، وعشت في المدينة والمدن القريبة والبعيدة، فكتبت عن بيت نبالا قبل النكبة ورحلة اللجوء، وعن بيت اللو في نكستتنا وحلمنا بالعودة، وزرعين، وعين التينة، وبيسان. كتبت المتخيل والأسطورة، ما ذهب منها وما هو آت، كتبت الأحلام المسروقة والعشق والصداقة والرفاقية والحب وما بينها. إن ما يشغلني في الكتابة هو الأسئلة الوجودية التي يمكن أن تحرك ما بين الأذنين وأعلاها. إن ما يشغلني هو ما أود إضافته لما كتبته من قبل، ولما كتبه غيري حيث أعلم. إن ما يشغلني هو أن أكتب روايتي الطاهرة، أصب فيها كل ذاكرتي، فتحمل اسمي وأحمل اسمها، وما زلت أحاول.

ذاكرتي ليست الذاتية التي عشتها بالمعنى الضيق، فهي ذاكرة أهلي وأهالي بلدتي والمجتمع بشكل عام، والكتب والمجلات والانترنت، واليوتيوب، وكل شيء. قابلت عشرات من كبار السن قبل أن يرحلوا، وسجلنا عديد الأشرطة، وهم يقولون، ويبكون، ويضحكون، ويغنون، ويرقصون، ومثلهم من بلدات أخرى.

زرت عشرات القرى المدمرة المهجرة، ووقفت على تفاصيل المكان والأحداث حتى صرت دليلا حتى لأبناء بعض القرى، وكان التاريخ المسجل والشفوي مصدرا آخر، وحاولت تصفيته، فأعدت قراءة الكتب السماوية وغير السماوية، ووقفت على الخلافات فيها وجوهر معانيها، وعرفت كم نحن مقصرين في سرد روايتنا، وتفاصيل الحياة قبلها، وفي إنعاش ذاكرتنا برؤية المستقبل. كان أبي لا يستطيع أن يتحدث عن بلدته إلا للبكاء أو للتندر، فحولت بعض الحكايات لرواية، وجعلت من الكوشان مركزا للحدث.

هل أستطيع أن أكتب كل شيء؟ لا طبعا، فأنا ابن بيئة خاصة كما غيري، ولا يوجد وقت طويل لتسجيل ذاكرتي، وذاكرتي ليس مغلقة وليس لها حد، ولا أود تسجيل سيرتي الذاتية بشكلها المباشر، ولا أدعي أني أعرفها، فالكتابة بوح، وأنا لست مركز العالم، بل هي بلدتي، التي ما زال الناس يعرفونني بها، وأعرف نفسي أيضا.

ولدت في رام الله، وعشت عمري كله هنا عدا سنوات الدراسة، لكن أهالي المدينتين لا يعترفون بي أني منها، فأنا من سكانها، أنا الغريب. أحببت ذلك، فبحثت عن هويتي، فأنا لست من هنا، بل أنا من هناك. فبحثت عن هناك حتى الثمالة، وسعدت بأنني استخدمت هذا المصطلح قبل نهاية القرن الماضي، ورأيت أن آخرين استخدموا مصطلحي "أنا من هناك"، رغم أن ال "هناك" لا تبعد أكثر من ساعة عن هنا، وتحول كل ال "هناك" وال "هنا" وطني.

أشعر بالرضى نوعا ما، وأنا بين ثلة من الروائيين، وإن اختلفت مواضيع كتاباتنا، ولغتنا، ومخزوننا الثقافي، وميولنا وتوجهاتنا، وذاكرتنا، ولن تنتهي الكتابة برحيلنا، فسيأت جيل آخر، يكتب ذاكرة زمانه.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط