كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الذكرى الخامسة والثلاثين تزهو الجمهورية الاسلامية في ايران بانتصارها

في ظل تحولات هامة عالميا وإقليميا تمرالذكرى السنوية المعتادة لانتصار الثورة الشعبية الإيرانية التي أسقطت نظام الشاه وأطلقت مسار التغيير في دولة إقليمية كبرى تميز تاريخها في حضارتها وبلدا غني بالموارد قاري الامتداد يمتاز بتشابكات جغرافية مترامية داخل آسيا وبتنوع عرقي وإثني تتوسطه الفارسية وتحتضنه الهوية الإسلامية للثورة بوصفها عنصر التوحيد الممكن تاريخيا لذلك التنوع .

ونحن في حضرة الذكرى الخامسة والثلاثين تزهو الجمهورية الاسلامية بانتصارها على الحصار الاستعماري الذي طوقها منذ لحظة انتصار الثورة وقد انتزعت اعتراف الغرب بكونها قوة إقليمية كبرى ودولة نووية تمكنت من كسب التحدي الاستقلالي وطورت قدراتها الذاتية الاقتصادية والتقنية في أصعب الظروف فامتلكت جيشا من المهندسين والعلماء والباحثين في جميع أبواب العلوم الحديثة والتكنولوجيا الصناعية وتمكنت من غزو الفضاء بإمكاناتها الذاتية والصافية وهو رصيد يؤهلها لمكانة بارزة في العلاقات الدولية المعاصرة.

إيران المستقلة والقوية والقادرة علميا وتقنيا وعسكريا حلم كبير ألهم قائد الثورة الراحل الإمام آية الله الخميني ورفاقه الأوائل حيث رسم مرشد الجمهورية الفصول الراهنة من التحدي التاريخي والحصاد الحضاري والعلمي والاقتصادي الذي يؤسس لتفتح القوة الإيرانية العظمى ويفرض على العالم بأسره الاعتراف بها والتوجه نحوها والرضوخ لمشيئتها كدولة مستقلة سيدة وكشريك رئيسي في محور عالمي مناهض للهيمنة الاستعمارية وذاك باختصار ما كان عليه حلم قائد الثورة ومفجرها ومفكرها آية الله الخميني.

إيران الجديدة التي ولدت في مثل هذه الأيام بمخاض ثوري استثنائي تتأهب لمرحلة تاريخية مهمة في مسارها وينتظرها صعود اقتصادي وازدهار حضاري شامل مع تفكيك الحصار الذي حرمها من فرص كثيرة وهي قدمت نموذجا لشعوب العالم في تحويل التهديدات إلى فرص من خلال بنيانها الاقتصادي المتقدم والمستقل كما ستكون في انفتاحها المقبل نموذجا للقوة الصاعدة التي ترسخ نهجها المناهض للهيمنة والداعم لقضايا الشعوب المستضعفة والمظلومة .

قضية فلسطين التي مثلت عنصرا حاسما في هوية الجمهورية الإسلامية منذ البداية ما تزال العصب في سياسة إيران الإقليمية والدولية ، فهي الحاضن لخيار المقاومة ولتيار التحرر في الشرق وفي حضنه انبثقت وتعاظمت قوة المقاومة اللبنانية التي دمرت هيبة الردع الإسرائيلية وأحدثت تحولا استراتيجيا فريدا.

لقد أوقدت هذه الثورة روح الحماسة وروح التحرر وروح العزة الوطنية للشعوب فبدأت تتلمس طريقها الى النور مقتدياً بمبادئ وأفكار هذه الثورة في العزة الوطنية والكرامة ، فإنعكست هذه الثورة ايضاً عطاءاً ودعماً لكل الشعوب التي وجدت في النموذج الإيراني نموذجاً لبناء العلاقات بين الدول القائمة على تبادل المصالح مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وكان للثورة الفلسطينية وحركات المقاومة المد الكبير فقدمت الدعم غير المحدود لكل حركة تحرر التي أرادت أن تتخلص من الإستعمار القديم والحديث، وهنا لا بد ان نستذكر دعم الثورة الفلسطينية للثورة الايرانية ودعم الاخيرة لنضال الشعب الفلسطيني.

ان ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات غير مسبوقة وما تتعرض له القدس من مخاطر يستوجب على جميع القوى الفلسطينية صياغة تحالفاتها الاستراتيجية الاقليمية على أسس ومنطلقات جديدة وتوجيهها لصالح القضية الفلسطينية،وصياغة جديدة للعلاقة مع ايران على اعتبار انها تشكل ثقلاً اقليمياً استراتيجياً يجب استثماره سياسياً لصالح القضية الفلسطينية بصورة عامة ولقضية القدس بصورة خاصة.

لقد عبر الشعب الفلسطيني وثورته عن فرحتهم العارمة اثناء انتصار الثورة الايرانية التي كانت مفصلا حاسما لصالح القضية الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني، حيث بعد انتصار الثورة اقدمت ايران على اغلاق سفارة العدو في طهران ومنح المقر ليكون للسفارة الفلسطينية، كما ان اول زعيم عربي لا بل عالمي يلتقيه الخميني كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي وصل الى طهران ، مستشرفا آفاق المستقبل في العلاقات الفلسطينية مع الثورة وانعكاساتها على المنطقة معتبر ان الثورة جاءت كدعم استراتيجي للقضية الفلسطينية، حيث كان الشاه محمد رضا بهلوي يناصب الثورة الفلسطينية العداء منتصرا في ذلك للكيان الصهيوني.

في لحظات معينة مرت خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات حصل تباينات بين الفصائل الفلسطينية وايران ، وهذا أمر لم يكن مستغرب، في ظل الانقسام العربي ، وتحولات اقليمية ، ومن خلال سعي ايران إلى تحقيق توازن معهم باستمرار عبر تحالفات مؤقتة مع دول نائية ، وقد سجلت نجاحات في معالجات ملفات المنطقة، وهي تقف في موقع متصادم مع المشاريع الأمريكية والاسرائيلية في المنطقة،ولذلك يجب العمل على صوغ تحالفات وعلاقات معها بما يضمن مصالحها والمصالح العربية، وهي عائدة الى المسرح الدولي بقوة،وستكون أحد الأقطاب الرئيسة في عالم متعدد القطبية،مستقبلاً قد تتسيد وتتزعم قراره، من خلال علاقات مع روسيا والصين ودول امريكا اللانينية ،فامريكا تتعمق ازمتها الإقتصادية،وأخفقت بشكل ذريع في سياستها الخارجية،نتيجة للحروب التي شنتها، من هنا علينا الإستفادة من هذه التطورات والمتغيرات،لنقل ملف القضية الفلسطينية الى هيئة الأمم المتحدة من أجل تطبيق قرارت الشرعية الدولية ذات الصلة ،بدل الدوران في الحلقة المفرغة في مفاوضات عبثية لا طائلة منها.

إن اتفاق جنيف شكل مضمونا قد أعطى السياسة الإيرانية وسام استحقاقها من حيث قدرتها على الصمود والثبات على المبدأ، وعدم المساومة أو التفريط في المكتسبات وفي المسائل التي تمس الأمن القومي والسيادة الوطنية والمصالح الاقتصادية وتحفظ الأمن المعيشي للإيرانيين، وكذلك في سبيل الحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها بعد فترة من المفاوضات اثبت فيها المفاوض الايراني قدرة فائقة على امتصاص الأمواج الغربية العاتية المندفعة بقوة الضغط الصهيوني والسيطرة الصهيونية على مفاصل صنع القرار الغربي، وبالتالي فرضت ذاتها وأجبرت الخصوم على احترامها والجلوس معها على طاولة واحدة، بل بدا الخصوم هم المحتاجين أكثر من طهران إلى التوصل إلى اتفاق معها، بعد ان قدمت نفسها كقوة مؤثرة في المنطقة، ونالت شهادة الاستحقاق بذلك، وهو نجاح لم يأت من فراغ، وإنما كرست مواردها المادية والبشرية في التقدم العلمي والصناعي لكي تحافظ على قرارها المستقل وسيادتها، في حين ارتهن آخرون في المنطقة للأجنبي وسلموه كل اوراقهم.

أن ايران اليوم تذهل العالم عبر نموذج لكيفية بناء الذات الوطنية في مختلف المجالات بعيداً عن التهديد وبعيداً عن لغة الهيمنة التي أرادت الدول الإستعمارية فيها أن تحدد مسار تطور الشعوب لتبقيها متخلفة وتبقى هي متقدمة، هذه الثورة اعطت لكافة مجالات الحياة من تقدم إقتصادي واجتماعي وتحرر سياسي ورفع مستوى حياة الفرد إضافة الى العطاءات على الصعيد الانساني والعالمي لشعوب العالم أجمع يجعلها ثورة قدوة في المبادئ وفي الربط بين الأخلاق والسياسة وفي الوقوف الى جانب الحق دائماً في مختلف المحافل الإقليمية والدولية يجعل شعوب العالم جميعاً تشعر أن هذا اليوم مميزا ، فاصبحنا الان امام فرصة تاريخية لتحرير ملف المفاوضات من الرعاية المنفردة للولايات المتحدة،والتي ترى الأمور فقط بعيون اسرائيلية،وتمارس ضغوطها على الطرف الفلسطيني في الإستجابة للشروط والإملاءات الإسرائيلية.

أن انتصار الثورة الايرانية شكل تغيير في ميزان القوى الإستراتيجية في المنطقة، رغم السعي الامريكي للتشويش على هذه الإنجازات وعرقلة إرادة الشعوب، حيث باتت بدعمها لخيار المقاومة تشكل نقطة تحول هامة ، وخاصة ان ذكرى انتصار الثورة يتزامن مع ذكرى قادة المقاومة في لبنان سيد الشهداء عباس الموسوي وقمر المقاومة الأسطورة الشهيد القائد عماد مغنية وشيخ المجاهدين راغب حرب ، وأن أحلى أماني الشهداء هي أن يتخضبوا بدم الشهادة التي روت ارض لبنان وفلسطين ، فتعانقت ارواحهم الطاهرة مع رمز فلسطين الرئيس الرمز القائد ياسر عرفات والقادة العظام ابو العباس وابو علي مصطفى وابو عدنان قيسى والشيخ احمد ياسين وفتحي الشقاقي ، وكذلك شهداء المقاومة في لبنان وفلسطين لتنبت انتصارات تبقى فلسطين هي البوصلة، نحو تحرير الارض وحرية الانسان.

ختاما لا بد من القول : اصبح لزاما علينا أن نميز الأحداث, والمراحل التاريخية التي مرت بها الثورة الفلسطينية، من خلال تبني مواقف وسياسات أكثر استقلالية، وتحويل برامجها إلى إنجازات فعلية على أرض الواقع, وهذا يقتضي مراجعة كاملة لكل المناهج والبرامج والمهمات المطروحة علينا, للخروج بفهم جديد يعيدنا إلى دائرة الفعل المؤثر في حركة الواقع، على مستوى الإستراتيجيا والتكتيك الصحيح الملائم لظروف المرحلة الراهنة من خلال تعزيز الوحدة الفلسطينية، وفتح أوسع حوار لكافة القضايا التي تواجه واقعنا العربي، وكذلك فتح باب الحوار أيضاً بين مختلف التيارات والحركات الفاعلة على اختلاف مشاربها الفكرية والأيديولوجية اليسارية, والقومية, والإسلامية المتنورة، إذ رغم الاختلاف على المستوى الإيديولوجي مع التيار الإسلامي فنحن نميز بين التيار الإسلامي المقاوم للمشروع الإمبريالي الصهيوني, وبين التيار الظلامي الإستئصالي التكفيري الذي يرفض الحوار ويعتبر نفسه البديل المطلق لكافة التيارات الأخرى الفاعلة في المنطقة.

كاتب سياسي

 

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط