كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الذنوب السياسية .. !!

الذنوب السياسية .. !!

تاريخ النشر: 2016-05-15 | 06:01

(1) ذنوب خفية

    كما هي ذنوب المعاصي  توصل الى المهالك وخسران الدنيا والاخرة ,فان ذنوب السياسة توصل الى الفشل وتنزل العقوبات وتكاثر الازمات.

أخطر ما في الذنوب: الخفي منها, التي لا يشعر بها الانسان /الجماعة ,أو يعتقد انها ليست ذنوبا ,لانها تزين له بالمظهر الحسن الذي يقنع صاحبها انه على حق , لذا فانه لا يحدث نفسه بالتوبة والتخلص منها , بل يتساهل ويتساوق معها مما يقوده الى انتكاسة وخذلان .

ان الذنوب السياسية ترتكب اما جهلا واما جحودا .

ان من اخطر المصائد التي تقع بها الجماعات , أنه مع طول الامد,  تتولد لديهم القناعة الذاتية بصحة مسارها دون امتلاك المعايير المهنية والعلمية للحكم على الصحة والخطأ , لذا فان الله حذر من هذا الخطر الداهم المدمر للأعمال والانجازات بقوله ) قل هل انبئكم بالاخسرين اعمالا ,الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا(.

(2) تجارب فشل

ان كثيرا من الحركات العقائدية التي مرت بالتاريخ الاسلامي واتسمت بالتدين والتشدد لصالح النصوص خسرت كل شيء بسبب جهلها /ذنوبها السياسية ,لذا نزل بها من العقوبات ما دثر ذكرها وقصر بها عن بلوغ اهدافها .

كان سيدنا عمر يقول :(ان الرجل ليبلغ من العمر ستين عاما وما تقبل له صلاة) , لأنه لم يتم احكامها واركانها, فما بالك بالسياسة ,التي هي اعظم وجوبا, لأنها تقوم على مصالح العباد وحفظ امنهم وحياتهم ؟

ان التقوى والايمان لا تكفي اذا لم تقترن بحسن الكياسة والسياسة , فأبو ذر لم يشفع له قوة ايمانه وزهده ان يقال له في السياسة وادارة الشأن العام " انك رجل ضعيف "!!

الاخلاق الفردية لا تغني عن المهارات والكفاءات السياسية للجماعة , فالله يحاسب الفرد بأعماله ,لكنه يحاسب الجماعات على سياساتها وقدرتها على ادارة الشأن العام وتحقيقها لمصالح العباد , لذا كان حديث الرسول (ص) المأثور عنه (من ولي من امر المسلمين شيئا ثم لم يجهد لهم الا لم يدخل معهم الجنة).

ان الخوارج كان يقال لهم القراء ,وكان مشهودا لهم بالعبادة وشدة المراس في القتال, لكن "عقلهم السياسي " كان صغيرا , لدرجة انه جرهم من مربع نصرة امير المؤمنين علي (رضي الله عنه) الى تكفيره والخروج عليه ثم استحلال قتله .

ثم خطت (القاعدة) على ذات النهج وارتكبت الكثير من الكبائر السياسية التي أغرتها ان تخوض في الدم والتفجيرات وارسال "الاستشهاديين " ظانة بذلك انها تنصر الله ورسوله !!.

ثم تجربة طالبان التي سعت لإعادة إنتاج نهج الخلافة الراشدة، فخرجت بشكل مشوه عمق الخلافات والتخلف في المجتمع الافغاني  .

وعلى اثرهم سارت "داعش  " التي جندت الالاف من الشباب وصرفت مليارات الدولارات واستهلكت مخازن ضخمة من الاسلحة وهي تقنع نفسها انها تنصر الاسلام وتقيم الخلافة فيما هي تتلبس بالجهل الاعمى الذي يقنعها باحياء الجزية وبيع النساء كسبايا !!.

لقد عاقبهم الله –وغيرهم-على ذنوبهم /فشلهم في التعاطي مع القضايا السياسية , وما اهون على الله ان يستبدلهم !!

(3) عقلية الدولة وعقلية الحزب

ان الذنوب السياسية ليست كذنوب المعاصي , تعرف بالنصوص الصريحة أو الاحاديث الصحيحة , بل تعرف بالمفاهيم والمقاصد والمصالح ودرء المفاسد ,لذا فان احتمال السقوط  في هذا الامتحان  كبير, الا لمن يملكون بصيرة ثاقبة وعقلا متفتحا.

اذا كان الشرك بالله هو الذنب الاعظم  , فان الجهل بالسياسة واصولها وفن التعاطي معها واستجلاب المصالح,ودرء المفاسد أم الكبائر ,يعاقب عليها الله بابعاد فرص النصر والتمكين والانشغال بالذات واختلال الاولويات وتباعد الاهداف.

ان بعض الحركات الاسلامية سجلت نجاحا كبيرا في العمل الدعوي والخيري والجهادي لكنها حين تصل الى مربع السياسة/الحكم  فانها  تواجه عنتا وربما فشلا ,بسبب افتقادها للمهارات السياسية وتقدير المصالح والتوازن بين المراحل والقدرة على تجاوز العقبات بحكمة.

ان عقلية الدولة تختلف اختلافا كليا عن عقلية الحزب , فالسياسة لها افاقها الارحب وتوازناتها الدقيقة وحساباتها المختلفة ,لكن هناك من يظل محكوما/مسجونا بعقلية الحزب ويعالج القضايا والمتغيرات  بناء عليها  ومنطلقا منها ,وبالتالي فان حساباته يجانبها الصواب ,ومن ثم يقع في المطبات والازمات . وتأتي الخطورة في تبرير هذه المطبات والازمات ,اما بانه (ابتلاء) يجب الصبر عليه ,واما (مؤامرة) تقعده عن العمل لمواجهتها , وكلاهما تفسير مغلوط ومشوه يقود الى التيه وفقدان الاتجاه .

(4) من عند أنفسكم !

ان القاعدة المحكمة في الاسلام التي لا تقبل الشك ولا التأويل هي :( قل هو من عند أنفسكم) ,و(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ,أي انه في كل نازلة او مصيبة (ابدأوا بأنفسكم ), ولا تعفوها من الخطأ والتقصير ..لا تهربوا منها الى الغيبيات او التبريرات ,..لا تلقوا دائما تبعة فشلكم على غيركم , لان الله اعدل من ان يحرم اهل الحق من بلوغ غاياتهم , واعدل من ان يسلط  عليهم اهل الباطل اذا كانوا على الجادة ,لانه مناف لسننه واحكامه.

للأسف, مع غياب المراجعات الذاتية وتحريم ثقافة النقد فان بعضا من الحركات والاحزاب الاسلامية راكمت الكثير من الذنوب السياسية  لدرجة انها استفحلت  وحجبت عنها الرؤية البعيدة والشمولية, حتى رسخت أشكالها في الواقع رسوخا حوّلها من رتبة " الصواب " إلى رتبة " الحق. ".

ان غياب ثقافة (نحن أخطأنا) –او ما يسميها العلماء "نسيان الذنوب ", ظاهرة مدمرة ومهلكة ,تؤدي الى القداسة وتضخيم الذات والتغاضي عن الاخطاء وتبرير القصور عن بلوغ الاهداف ,بل وتستجلب العقوبات والازمات, وهو ما شدد الاسلام على محاربته حينما ذكر في اكثر من موضع بضرورة المحاسبة: (ربنا ظلمنا انفسنا ) , (الكيس من دان نفسه ) ,وفي سرده للانتقادات القوية للصحابة, على فضلهم وشجاعتهم ,(ويوم حنين اذ اعجبتكم كثرة ..منكم من يريد الدنيا ..اذ تلقونه بالسنتكم وتقولون بافواهكم ما ليس لكم به علم ..ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم ) , وذلك من اجل ان يفتح عقولهم وعيونهم على تجنب الاخطاء وتفادي المنزلقات , لذا فانهم نجحوا خلال عشر سنوات في بسط الاسلام في الجزيرة العربية وهدم الامبراطوريتين الرومية والفارسية وامتدت حدودهم الى مصر وبلاد المغرب العربي , فيما هنالك حركات وجماعات  تجاوزت السبعين عاما  وتصر على انها لا زالت في مرحلة البناء والاعداد !!

ان من اعظم الذنوب/الكبائر السياسية  التي ارتكبتها الحركات والجماعات فقدان الرؤية الاستراتيجية والجهل بادارة الحكم والاستعداد له وتقدير تبعاته , وضعف الكوادر المؤهلة, والفشل في استقطاب الاخرين , والبقاء رهائن في دائرة عقلية الحزب ,وعدم استيعاب التنوع والتعدد في المجتمع ,والقدرة على قراءة المتغيرات السياسية بعين بصيرة وعقل منفتح .

هذه كلها قادت الى تخبط وارباك في ادارة الشأن العام والانزلاق الى صراعات داخلية وقضايا هامشية, أبعدتها عن غاياتها الكبرى .

 والغريب انك تجد دائما لكل خطأ تبرير ولكل قصور تفسير !!

ان وجود العقبات والتحديات والخصوم والمؤامرات في مسيرة الجماعات –وقبلهم الانبياء والرسل- أمر طبيعي (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) , لكن يكون التحدي في قدرة هذه الجماعات على معالجة هذه العقبات  بحكمة ودراية ,وليس استخدامها شماعة لتبرير الفشل او القصور .

ان المعيار الوحيد لنجاح وتمكن الجماعات هو (النتائج ) ,أي تحقيق اهدافها وايصال الناس الى مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية ,وليس بكثرة الاعداد والاعمال ,ولا حتى بكثرة التضحيات !!

 (5) نماذج مضيئة

ان تجربة بعض الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية نجحت في كسر القوالب التقليدية ,ورسخت نماذج باهرة في معالجة قضايا السياسة بحكمة وحرفية عالية ,والخروج عن قيود التنظيم ,وتجنبت الوقوع في الصدامات والاستنزافات الداخلية حينما غلبت ثقافة الوطن على ثقافة الحزب .

أعجبني في الشيخ راشد الغنوشي أنه ارتضى نهج تغليب الشرعية التوافقية على الشرعية الانتخابية رغم أنه حاز على الأغلبية تقديراً؛، وقال مقولته الشهيرة (إن خسرت النهضة بعض مواقعها فقد كسب الوطن، وأن تربح الوطن أعظم من أن تخسر الحركة).

وتجربة العدالة والتنمية التركي  نجحت في رسم الصورة الباهرة لفن ادارة السياسة وقوة الاقتصاد وتصفير المشكلات , كذا تجربة الاسلاميين المغاربة التي ضربت مثلا في خلق توازنات دقيقة مع النظام الملكي وقوى المجتمع بمختلف مشاربه السياسية .

خالد مشعل يقول (نحن في حماس خضنا تجربة الحكم ونتعلّم منها وقد أخطأنا في أشياء ونتعلّم من ذلك": وقال: "على الإسلاميين أن يعترفوا أنّ الحكم أعقد ممّا كانوا يتصوّرون وهذا ينطبق علينا في حماس".

ان التحدي الاكبر امام الاسلاميين-وغيرهم- هو معالجة شئون السياسة أو الحكم من مختلف جوانبه .

ليس مطلوبا من الإسلاميين أن يخرجوا من جلدهم الأيديولوجي حتى يصبحوا أسوياء بنظر الاخرين لكن مطلوب ان يقدموا أجوبة شافية وحلولا عملية تقنع الاخرين بصحة خياراتهم وبدائلهم.. يجب اثبات قدرتهم على التحول من مربع المعارضة الى مربع الحكم..من ادارة شئون التنظيم الى ادارة شئون الجمهور ..من الانغلاق التنظيمي الى الانفتاح الوطني والدولي. 

في ظل التعقيدات العصرية , فان الحاجة ملحة الى (التوبة) من الذنوب السياسية والتخلص منها واستبدالها بأعمال سياسية صالحة ....

الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير !!.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط