كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الرئيس: خِطاب ثَباتْ أم وَداعْ

انتظرت عدة أيام قبل أن أستل قلمي وأكتب ما قرأته من خطاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس الثوري لحركة فتح، هذا الانتظار لَم يكن لغموض في القراءة، وإنما لاستنباط المزاج العام للجماهير الفلسطينية بكل ألوانها السياسية، والشعبية. إضافة إلى استرجاع لحالتنا الفلسطينية، خاصة الحالة الّتي عاد بها الشهيد ياسر عرفات محمولًا على الأكتاف كجثمان من كامب ديفيد، عندما قال (لا) في حضرة بيل كلينتون، والتغيير الواضح الذي بدأ ياسر عرفات من خلاله انتزاع وداعه متمسكًا بشعار كان يَصدح به كلّما إلتقى فئة من جماهير شعبنا، وصدى كلماته وهتافه الذي عنونه بـِ " على القدس رايحين شهداء بالملايين"، هذا الهتاف لَم يفهمه في حينه الكثير، رغم أنه كان جلي وواضح بعد الهجمة الأمريكية – الصهيونية على الراحل ياسر عرفات، والّتي كان معظمها يستند إلى أنه لّم يعد الشريك الشرعي أو المهم أو الصالح في عملية السلام المدعاة، أيّ انتهت صلاحيته بالنسبة لهم، لأنه قال: (لا)، وهي الكلمة الّتي جددت صلاحية الرئيس عرفات وجعلته في مكانة خاصة لدى الشعب الفلسطيني بكل تياراته، وأطيافه، وألوانه.

هذه الصورة الماثلة اليوم قرأتها في الجزء الأوّل من خطاب الرئيس محمود عباس الذي شرح فيه الحالة الوطنية الفلسطينية، وما تتعرض له من ضغوط وتهديدات عبر شخصه كرئيس، وهو الذي عبر عنها بالقول:"بلغت من العمر 79 عامًا"، أيّ أنّها أشبه بكلمات أو خطبة وداع، بين ثناياها وعبر كلماتها الكثير ممّا يُقرأ، ويُكتب، فهي دلالة أو إيحاء على أنه لن يتنازل في هذا العمر عن الثوابت الوطنية الّتي يحاول الأمريكيّين ابتزازها منه، تحت ضغط الحالة الفلسطينية المشرذمة داخليًا سواء عبر انقسام وطني عام، وانقسام حزبي خاص، وكلاهما كحدِ السيف في ظهر الحالة الوطنية بل وفي قلبها، وصميم ثوابتها.

الخطاب انقسم إلى جزئين؛ الجزء الأوّل وهو الذي أسلط عليه الضوء أكثر لأنه الأهم بالنسبة لي ولجماهير شعبنا، وبه من القول الكثير، وهو توصيف للحالة الوطنية الحالية، والّتي ختمها الرئيس بالطلب من الاتحادات والنقابات الصبر والتحمل خلال الأشهر القادمة، أيّ بما معناه استدراك وإدراك الرئيس للثمن، وللوسائل والأدوات الّتي سيتعرض لها في واشنطن، وهو الثمن المالي الذي يعتبر رأس الحربة لممارسة الضغط، وكذلك الأداة الوحيدة الكفيلة بانهيار السلطة الوطنية الّتي لا موارد لها سوى أموال وهبات الدول الأوربية المانحة، في ظلّ ارتهان الدعم والموقف العربي النفطي بمواقف الغرب في معظم الحالات، ومصالحها، والّتي أصبحت تُقدم أموالها ومساندتها للقضية الفلسطينية وفق الدور المنوط بها، ووفق مصالحها وأجندتها بعدما تلاشت واندثرت فكرة وشعار " تعزيز الصمود الفلسطيني"، وتحول الشعار لاستثمار القضية الفلسطينية. أما الشق الثّاني من الخطاب فهو وإن ارتأى البعض أنه حزبي ومعزول عن الشق الأوّل، فإنه لَم يستطع قراءة الحالة والخطاب بجوهره المكتمل، بل قرأ قشوره، فالكل هنا متكامل ومكمل لبعضه البعض، ومتتابع، وكل فقرة أو جزء أو كلمة من الخطاب تتبع ما سبقها، وتبنى على ما سبقها، كسلسلة متشابكة ببعضها البعض، لا يمكن فرط حلقاتها كل حلقة لوحدها.

ما يهمني هنا الجزء الأوّل أو الجزء العام من الخطاب وهو اعلان الرئيس صراحة وعلانية، إنه لن يتخلى عن الثوابت الوطنية، وهذه العبارة لا يختلف عليها اثنان من أبناء شعبنا الفلسطيني سواء اتفق أم اختلف مع الرئيس محمود عباس، لأنّها هي جوهر وصميم ومحور مواقفنا العامة من سياسة ايّ حزب أو فصيل أو قائد، فكيف إن كان موقف الرئيس؟ فإنّها تعبر عن استدراك فعلي للمزاج الجماهيري الفلسطيني الذي لَم يَعد لديه أيّ استعدادية بعد 20 عام من المفاوضات والاستجداء التخلي عن ثوابته الوطنية، المحددة سلفًا، ودون داعي لذكرها، وهي الثوابت الّتي لا زال الدم الفلسطيني يروي الأرض من أجلها.

أَدرك الرئيس الفلسطيني عمق الأزمة، ومحيطها العام، وبيئتها الخاصة، الّتي تتشابه مع المحيط والبيئة الخاصة الّتي ذهبت خلالها م. ت. ف والرئيس الراحل ياسر عرفات صوب أوسلو، فكانت النتائج من أسوأ مراحل قضيتنا الوطنية، لذلك فإن الخطاب كان واضح وجلي واصطف خلفه معظم أبناء شعبنا الفلسطيني خاصة الجانب المتعلق بالثوابت، وهو خطاب استوحى مواقفه من عدة أمور، أهمها:

أولًا: ما يتعرض له الرئيس محمود عباس من ضغوطات أمريكية – صهيونية.

ثانيًا: ما يتعرض له الرئيس من ضغوطات داخلية أيّ انقسام وطني بين شطري الوطن.

ثالثًا: ما يتعرض له الرئيس من ضغوطات حزبية والحالة الفتحاوية المنقسمة.

رابعًا: ما يتعرض له الرئيس من ضغوطات عربية وخاصة مصر والإمارات.

خامسًا: الحالة الجماهيرية والشعبية الفلسطينية والمزاج السياسي المأزوم.

سادسًا: الأوضاع العربية عامة، وأوضاع المنطقة غير المستقرة.

سابعًا: التهديدات الّتي زادت حدتها ضد الرئيس من الكيان الصهيوني في الفترة الأخيرة، والتلويح له بأن مصيره مثل مصير الراحل عرفات.

الرئيس إلى أين؟

 جاء خطاب الرئيس كوثيقة لا يمكن تحريفها أو نفيها أو التلاعب في تفسيرها، بما إنّها كانت ضمن خطاب تاريخي مباشر وأمام هيئة تشريعية حزبية، ومنقول صوت صورة، وهناك دلالة معينة حملها الرئيس قبل إلقاء خطابه عبّرت عن رسائل عديدة؛ أهمها:

• لشعبنا الفلسطيني، حيث أكد من خلالها بشكل تطمينات مباشرة وحاسمة، إنه لن يختم حياته بالتنازل عن الحق والثوابت الوطنية، ولن يسمح للتاريخ أن يكتب هذه السوءة في صفحته، خاصة وأن خلفه لَم يفعلها.

• للولايات المتحدة الأمريكية وللكيان الصهيوني، بأن أيّ محاولات لابتزازه وطنيًا قد حسمت واصبحت في عداد الخيال، وأنه لن يذهب للتنازل، بل سيذهب للتفاوض ضمن حدود وثوابت معينة.

• استبق الرئيس رسائل التهديد بالمس بحياته الشخصية، بأنه قدم شهادة ميلاده الوطنية قبل كتابة شهادة وفاته التنازلية، وأن المس بحياته لَم يَعُد محل تفكير أو سلاح ضده.

• لحركة حماس، بأنّها جزء من الضغوطات الّتي تمارس ضده، وضد الحالة الوطنية، وعليه حملها مسؤولية كبيرة وخطيرة أمام جماهير شعبنا، ووضعها في خانة الحركة الّتي لا تعنى بالمصالحة الوطنية أو الحالة الوطنية، واستكفائها بغزة كمشروع تصبو له، وجزء من المشروع العام المخطط للقضية الفلسطينية.

• لتيارات داخل حركة فتح، حيث حسم الحالة الجدلية، وحالة الشد والجذب معها، من خلال فتح أبواب المعركة على مصراعيها، وإغلاق منافذ الهجوم للطرف الآخر، وصبغ معركته معها بمعركة وطنية عامة.

• للدول العربية الّتي تحاول الضغط عليه، بأن هذا آخر ما في جعبته، وعليه فلا يمكن الرضوخ للضغوطات المُمارسة عليه بكل الأشكال السياسية والمالية.

ما هو المطلوب؟

 المطلوب أمام هذا الخطاب، وهذا الموقف من الرئيس محمود عباس، أولًا: جماهيريًا، لا بد وأن تدعم جماهير شعبنا الفلسطيني موقف الرئيس، وتعزز صموده وثباته، وتمسكه بالثوابت بكل وسائل التعزيز والدعم، وبكل الأدوات، وبكل تياراتها وألوانها. ثانيًا: الفصائل، هذا هو الاختبار الحقيقي للفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية الّتي تطالب دومًا بالتمسك بالثوابت والثبات عليها، أن تعزز خطوات الرئيس وموقفه، بالفعل والعمل وليس بالقول فقط. ثالثًا: عربيًا، بما أن الشعوب العربية لَم تَعُد قضية فلسطين أولوية على رأس اهتماماتها حاليًا في ظلّ حالة الفوضى الّتي تعيشها الشعوب العربية، يتوجب على الجاليات الفلسطينية في الدول العربية والغربية استنهاض عزيمة هذه الشعوب وإعادة روح المثابرة لها مع القضية الفلسطينية. رابعًا: إعلاميًا، لابد وأن يعزز الإعلام الفلسطيني حالة الثبات، وخطوة الرئيس في مواجهة الضغوطات الأمريكية – الصهيونية، واضطلاع الإعلام الفلسطيني بمهامه الوطنية، في معركة هي معركة المصير الفلسطيني. خامسًا: المثقفين الفلسطينيّين، هنا يقف المثقف الفلسطيني أمام دوره التاريخي والوطني من خلال تنوير وتثوير الروح الوطنية لدى جماهير شعبنا العربي عامة، والشعب الفلسطيني خاصة حوّل أهمية وحتمية وضرورة تعزيز الموقف الثابت للرئيس محمود عباس من منطلق خطورة أيّ تجليات أخرى.

 

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط