كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الرجل الأصفر" لهدى الشوا: التربية العميقة على التضامن

"الرجل الأصفر" لهدى الشوا: التربية العميقة على التضامن

تاريخ النشر: 2020-05-30 | 04:23

كل بما يرى، وكل بما وهب من رؤيا ورؤية.

أصفر أو فسفوري، موجود، وغير موجود، مفارقة إنسانية وبصرية، نراه ولا نراه، لكن قد نراه، في المدن والبلدات، يوميا. إنها ليست "فزورة" او أحجية!

لعلي لا أطيل الحديث في التنظير حول ادب الطفل والتربية، بل أجد نفسي أكثر ميلا لاختيارات أدبية كي نقدمها كأمثلة إبداعية فعلا.

معظم شعوبنا العربية تحت سن ال 18عاما، فماذا أعددنا من تربية وفن وأدب عميق لهم/ن؟

في العمل الأدبي، الذي بين يدينا، ثمة أسلوب عميق، يتعامل مع الناشئة من دواخلهم، من أعماقهم الإنسانية، بعيدا عن الوعظ والإرشاد، لذلك تصبح الكتابة للأطفال والرسومات، استثمارا عظيما، في إعداد الأجيال الجديدة، لضمان السلوك الإنساني في المحبة والتضامن، والالتزام النابع من النفس.

سحر المعنى وعمقه الإنساني لأبعد مدى لا يتجزأ عن تلك الرسومات المصاحبة، والتي يمكن أن تقود عيني القارئ صغيرا وكبيرا، كسيناريو بصري، هو ما نراه متجليا في هذا العمل الإبداعي.

كل ذلك يسكن طويلا في وعي الطفل وفي اللاوعي، حيث يمكث محدثا قراءات متعددة، في رؤية "الرجل الأصفر"، والوجود أيضا.

يستمتع الطفل بالقراءة لنص سلس واضح، للكاتبة هدى الشوا، وبرسومات غير نمطية للفنان التشكيلي البريطاني لويس شابمان تحاكي ذائقته غير التقليدية، متشوقا للأحداث، فإذا به يدخل المشهد من داخله، حيث يجد نفسه متضامنا معه. وقد ساهم ذكاء النص في إدخال القارئ لطقس حار، بجلب المزيد من المعايشة وبالتالي الشعور الإنساني العميق، كسرته بإيراد برودة المثلجات، تخفيفا على الطفل. من جهة أخرى تضافرت الرسومات بألوانها، في خلق البيئة النهارية لمدينة الكويت صيفا، حيث تتفاعل حواس الطفل من البصر والملمس والذوق (والسمع والشم بمدى أقل) في نقل القارئ مشهديا من الكلمات الى الشارع، حيث يعمل عامل النظافة في صمت وتحمّل وأمل.

كل ذلك وأكثر، يتم ببساطة العمق، وعمق البساطة بدون تكلف لغوي، أو وعظي مباشر، بما ينسجم فعلا مع عالم الأدب، خصوصا أدب الطفل.

"الرجل الأصفر"، العنوان يشد الطفل لهذا الإنسان الموصوف لونا، ليتساءل هذا الطفل عن وجود بشر بلون معين، فيقبل على الرؤية، والقراءة متشوقا لمعرفة من هو هذا الرجل الأصفر.

يصف العامل نفسه، من خلال مونولوج، شاكيا من كبر ردائه، وصغر حذائه، مخففا على نفسه بوجود صديقيه: المقشة والعربة، حيث ينطلق معهما في سفر الى مكان بعيد، حيث يجوب الشوارع لتنظيفها مما علق فيها من نفايات. ثم ليستريح ظهرا، واللقاء مع "زملائه الصفر تحت ظل شجرة سنط"، فاستئناف العمل في ظل حرارة لاهبة، حيث "يترنح ضعفا"، فالجوع والعطش عصرا.

في تفاصيل المشاهد، يكتشف الطفل تفاصل النفايات: "علبة صفح صدئة، علبة تونا، حذاء بلاستيكيا.."، فإذا بالطفل يتنشأ على عدم رمي النفايات إلا في أماكنها، ربما تضامنا مع رجل النظافة وتخفيفا عنه. أما في لوحة الاستراحة، فيجد العامل وقتا لتأمل جمال الطبيعة ممثلة ب "النوارس تحلّق في السماء"، وجمال الطفولة "أرى طائرة من ورق تعلو السماء". وفي لوحة اللقاء مع "الزملاء الصفر"، يتعرّف الطفل على مجتمع هؤلاء المنسيين، ليجد أن لهم هم أيضا عالما عاديا مثل الآخرين "نتجاذب أطراف الحديث، نتبادل حبات تمر، صورا، ورسائل بريد، نتكلم عن الطعام والثريد". في اللوحة الجديدة، يكتشف نفايات جديدة، وصولا لسعادة النهاية، بإطفاء العطش بعلبة شراب مثلجة.

وخلال كل تلك المعاناة، يبوح العامل بالمفارقة الكبرى: "بالرغم من لون بذلتي المشعة الصفراء، أبدو وكأنني غائب عن الأبصار".

تتعانق الأمكنة التي يتنقل فيها "الرجل الأصفر"، مع الأزمنة من الصباح حتى العصر، ذاهبا في زمن مطلق وجودي آخر، لمحناه من خلال وصفه: "حذاء بلاستيكيا كان يوما ما أزرق اللون".

ثمة نزوع إنساني تجاه هذه الفئة غير المرئية، بإظهار تلك التفاصيل من منظور عامل النظافة نفسه، ومن خلال شعوره بعدم وجوده في الفضاء الإنساني، وفقط فإنه يظهر "للصفر الآخرين" الذي يعايشونه.

ورغم ذلك، فكأنه راض بما يصنع، لا لتمضية النهار فقط للاستراحة، بل ثمة أمل ما براحة قادمة، وأمل بأن يتم إنصافه، فالإنسان-العامل الأكثر تميزا بصريا ليلا ونهارا والذي لا يرى، سيصير مرئيا يوما ما.

مرة أخرى نحن إزاء قصة أطفال عربية، بمستوى عالمي!

تعانق فني ادبي وفني:

إنه فعلا تعانق إبداعي بين النص والرسومات، كأجمل ما يكون من التمازج العضوي والموضوعي، حيث تنوع شكل الرجل الأصفر، ما بين الوقوف بثقة وجر العربة صباحا، وما بين جلوسه على الأرض للاستراحة، فوقوفه ثانية وثالثة، فجلوسه مع العمال، فوقوفه ثم جلوسه، ثم حركته وهو يشير وينادي على بائع المثلجات، دون أن نغفل عن رسمة نصفه الأعلى كبورتريه بغطاء الوجه المحمر، الذي يحاكي حرارة الجو وحرارة تعبه الجسدي والنفسي الشعوري. إنها دراما حركية ولونية.

وقد تم رسمه من الخلف، والجانب، مموه الشكل باللون الأصفر لكل ملابسه، ما عدا غطاء الرأس الذي يلف به وجهه، فلا يرى منه شيء، الذي اختار له اللون البرتقالي عدا آخر رسمة، حيث اختفى اللون الحار، لربما انسجاما مع تخفيف حره من خلال علبة شراب مثلجة تطفئ عطشه. وهي اللوحة التي أنهت الكاتبة قصتها بها.

وقد تعددت ألوان خلفيات الرسومات بدءا من الأخضر الى الرمادي، فالأخضر الفاتح المصفر، فالرمادي ثانية، ثم الأخضر ثالثة، فالبني البرتقالي ثم الأخضر رابعة، فالرمادي ثالثة، فالأزرق المخفف أخيرا. وقد ظننت أن مردّ اللون يعود لفترات العمل، أي لنور وبصر المكان نهارا، لكن هذا التتابع غير المنطقي بين الرمادي والأخضر بشكل خاص، أعادني للقراءة مرة أخرى؛ حيث رأينا أن لون خلفية اللوحات-الرسومات مردها الحالة الشعورية، للرجل الأصفر عامل النظافة، الذي يمر بتنوع حالاته النفسية، ما بين الشعور بالوحدة والتعب، وما بين الاستراحة ولقاء العمال الآخرين، بالإضافة لبداية النهار حيث يكون قويا، وآخره باقتراب نهاية العمل التي جاءت بأزرق خفيف.

وأخيرا إن تعميم ونشر، وإعادة نشر هكذا أعمال أدبية وفنية، سيساهم بالتأكيد في تحصين النفس الإنسانية من جهة، كذلك يساهم في التربية الوجدانية المعتمدة على التعلّم الذاتي، باتجاه خلق أطفال وفتيان أكثر تأملا وتفكيرا، وهو ما سينعكس عميقا في عملية التعليم، بأهداف نبيلة. ولا نخفي طموحنا أبدا ان نرى لهذا الأسلوب الإبداعي تجليا في عالم التربية والتعليم، نصوصا للطلبة، وأساليب تعليم، لعل الأدب يكون رافعة للتعليم أيضا.

هدى الشوا: قاصة للأطفال والفتيان، صدر لها 9 قصص، نالت عنها عدة جوائز، متنوعة مصادر المعرفة، والإبداع. الرسومات للفنان التشكيلي البريطاني لويس شابمان، الذي أقام في الكويت، التقط بريشته مشاهد من الحياة المعاصرة والبيئة المحلية. صدرت القصة عن دار نوفابلس 2013.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط