كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الرد الإيراني على القواعد الأمريكية: بين القانون والسيادة"

الرد الإيراني على القواعد الأمريكية: بين القانون والسيادة"

تاريخ النشر: 2026-03-06 | 12:00

شهدت منطقة الشرق الأوسط في الأيام الأخيرة تطوراً دراماتيكياً غير مسبوق، تمثل في شن الولايات المتحدة وإسرائيل في 28-2-2026 ضربات عسكرية واسعة النطاق على الأراضي الإيرانية، أسفرت عن مقتل العشرات بل والمئات، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خامنئي.

لم تقف طهران مكتوفة الأيدي، بل ردت فوراً باستهداف قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في دول الجوار، وتحديداً في عدد من دول الخليج العربي والأردن . هذا التصعيد العنيف أعاد إلى الواجهة أسئلة قانونية دقيقة وعميقة تتعلق بشرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية، ومدى قانونية رد إيران، وعلاقة كل ذلك بمكانة السفارات والقواعد العسكرية الأجنبية في القانون الدولي. هل يمكن للقانون الدولي، بما يتضمنه من نصوص واضحة وتفسيرات متباينة، أن يقدم إجابة حاسمة حول من المعتدي ومن المدافع في هذه الأزمة المعقدة؟

الإشكالية الرئيسية

تكمن الإشكالية الجوهرية التي يثيرها هذا النزاع المسلح في زاويتين متلازمتين. الزاوية الأولى تتعلق بتقييم العدوان الأمريكي-الإسرائيلي- أولا قبل كل شيء ، هل كان عملاً مشروعاً أم عدواناً صريحاً؟ والزاوية الثانية، وهي الأكثر تعقيداً، تتعلق بطبيعة الرد الإيراني. فإيران لم تستهدف إسرائيل أو القوات الأمريكية في عرض البحر فحسب، بل قصفت قواعد عسكرية أمريكية تتواجد على أراضي دول مجاورة تتمتع بالسيادة الكاملة.
هنا يبرز التساؤل المركزي: هل يحق لإيران، بموجب القانون الدولي، أن تقصف قواعد عسكرية في دول لم تعلن الحرب عليها، بحجة أن هذه القواعد استُخدمت منطلقاً للعدوان على أراضيها؟
وأين يقع التوازن بين حق الدولة في الدفاع عن النفس وحق الدول الأخرى في حماية سيادتها وسلامة أراضيها من أن تتحول مسرحاً لصراعات لا ذنب لها فيها؟

المحور الأول: القصف الامريكي الاسرائيلي على ايران ... عدوان أم دفاع مشروع؟

قبل الحديث عن الرد الإيراني، لا بد من الوقوف عند الفعل الذي سبقه. لقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران بتاريخ 28-2-2026 بأنها تشكل "انتهاكاً للقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة" . هذا التصريح يستند بشكل مباشر إلى المادة (2) من الفقرة (4) من الميثاق، التي تفرض على جميع الدول الأعضاء "الامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة" .

بالطبع لم يكن الموقف الدولي مقتصراً على الأمين العام، فقد وصف المندوب الروسي في مجلس الأمن الهجوم على ايران بأنه "عمل عدواني مسلح متعمد ومبيت وغير مبرر" . كما عبر مندوب الصين عن "القلق العميق" إزاء "الهجمات العسكرية الوقحة"، مؤكداً على ضرورة احترام سيادة وأمن وسلامة أراضي إيران وجميع دول المنطقة .

كذلك إيران نفسها استندت في دفاعها عن حقها في الرد إلى المادة (51) من الميثاق، التي تكفل الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها قوة أجنبية . السفير الإيراني في الأمم المتحدة وصف ما حدث بأنه "اعتداء صارخ وتام على القانون الدولي" . من هنا، يبدو أن الإجماع الدولي الواسع، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما المباشرين، يميل إلى اعتبار الضربة الأولى بتاريخ 20-2-2026 عدواناً غير قانوني .

المحور الثاني: وضع القواعد العسكرية الأجنبية... هل هي "أرض محتلة" أم منشآت مستضافة من الدول اصحاب الارض.

لا شك ان الإشكال الحقيقي يبدأ عند الحديث عن الرد الإيراني الذي طال قواعد عسكرية أمريكية على أراضي دول خليجية والأردن. هنا يجب التمييز بدقة بين مفهومين: "الملكية" و"الولاية الإقليمية".

هنا نطرح مثال واقعي ان وجود القاعدة العسكرية الأمريكية في دولة قطر أو الكويت أو البحرين هي ملك للولايات المتحدة من حيث (المنشآت والمعدات)، وهي تدار بموجب اتفاقيات ثنائية خاصة تعرف باتفاقات وضع القوات (SOFA).
لكن الأرض التي تقوم عليها هذه القاعدة تبقى جزءاً لا يتجزأ من إقليم الدولة المضيفة، وتخضع لسيادتها الكاملة مثال على ذلك انك تقوم باستئجار شقة سكنية يمكن لك استخدامها والانتفاع منها كما تريد ولكنها تبقة ملك لصاحب الشقة وهكذا عندما تستأجر ارض وتقوم بزراعتها والانتفاع منها ولكن تبقى الارض لصاحبها وهكذا القواعد العسكرية تنتفع بكل شيء ولكن الارض تبقى ملك للدولة المستضيفة لهذه القواعد.

مع الإشارة، ان الوجود العسكري الأمريكي في هذه الدول ليس احتلالاً، بل هو وجود قائم على الموافقة والتراضي، ويمكن لهذه الدول سحب هذه الموافقة في أي وقت. وقد أكدت دول مجلس التعاون الخليجي في بيانها أن "أراضيها لن تُستخدم لشن أي هجمات ضد إيران" .

لكن الإشكال القانوني هنا هو: إذا تم، رغم هذه الضمانات، استخدام هذه القواعد منطلقاً لشن عدوان على دولة ثالثة، فهل تتحول إلى أهداف عسكرية مشروعة؟ تحليلات قانونية، مثل تلك المنشورة في مجلة EJIL:Talk! المرموقة، تشير إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لم تُستخدم بشكل مباشر في تنفيذ الضربة الأولى على إيران، وهو ما يمثل فرقاً جوهرياً في التقييم . لكن إيران أكدت ان هذه القواعد تستخدم ضدها وتغذي الطائرات الأمريكية بالمعلومات وتحدد لهم الأهداف للقصف وتراقب مكان انطلاق الصواريخ وتقوم بالتجسس على كل شيء في ايران، وهي مصدر التهديد المباشر لها، ولذلك قامت ضربت ايران منشآت في دول لم تهاجمها والمبرر أننا نقصف القواعد الأمريكية ولا نستهدف اخوتنا في الدول العربية .

المحور الثالث: الرد الإيراني بين حق الدفاع عن النفس وخرق سيادة الغير

هنا يدخل القانون الدولي في منطقة أكثر تعقيداً. إيران استندت في ردها إلى حق الدفاع عن النفس، معتبرة أن منطلقات العدوان على أراضي الدول المجاورة هي أهداف عسكرية مشروعة . السفير الإيراني في جنوب أفريقيا صرح قائلاً: "أفعالنا موجهة ضد قواعد عسكرية استُخدمت ضدنا، وليس ضد حكومات تلك الدول" . هذا التبرير يحاول التمييز بين الدولة المستضيفة وبين القاعدة المعتدية.

لكن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمين العام للأمم المتحدة، نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. غوتيريش أدان "الهجمات اللاحقة التي شنتها إيران والتي انتهكت سيادة وسلامة أراضي البحرين والعراق والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة" .

هذه الإدانة المزدوجة للاعتداء الأول وللرد الذي انتهك سيادة دول أخرى تعكس مبدأ قانوني أساسي وهو أن( السيادة الإقليمية )خط أحمر لا يمكن تبرير انتهاكه حتى في سياق الدفاع عن النفس، ما لم تكن الدولة المستضيفة متواطئة بشكل مباشر في العدوان.

كما يرى محللون أن الرد الإيراني، وإن كان مفهوماً سياسياً، إلا أنه قانونياً "يتجاوز نطاق الدفاع المشروع عن النفس" ليتحول إلى "هجوم مسلح" على دول الخليج، مما يمنح هذه الدول الحق في الدفاع الجماعي عن النفس بموجب المادة (51) . فرنسا من جانبها أعلنت استعدادها "للمشاركة في الدفاع عن دول الخليج والأردن" بناء على هذا المبدأ .

ختاما، نجد أنفسنا أمام مشهد قانوني بالغ التعقيد. فالضربة الأمريكية الإسرائيلية الأولى تعتبر، وفق تصريحات كبار المسؤولين الأمميين ومواقف قوى دولية كبرى، عدواناً صريحاً وانتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة. وهذا العدوان يمنح إيران الحق في الرد دفاعاً عن نفسها. لكن ممارسة هذا الحق اصطدمت بمبدأ آخر هو احترام سيادة الدول المجاورة التي لم تعلن الحرب. وبما أن القواعد العسكرية الأمريكية في هذه الدول لم تثبت مساهمتها المباشرة في تنفيذ العدوان، فإن استهدافها يعتبر انتهاكاً لسيادة تلك الدول، وهو ما حول إيران من "ضحية" إلى "معتدٍ" في نظر المجتمع الدولي تجاه دول الجوار .

وعليه يبقى القانون الدولي هنا عاجزاً عن تقديم إرضاء كامل لأي من الطرفين. فالعدوان الأول على ايران بقي دون عقاب، والرد المشروع تحول إلى فعل غير قانوني بحق دول ثالثة. هذه المعضلة تؤكد أن القانون في النزاعات الكبرى يصبح أداة تفسير أكثر منه حكماً مطلقاً، ويظل رهناً بتوازنات القوى والإرادة السياسية للمجتمع الدولي، الذي يجد نفسه مضطراً لإدانة الفعلين معاً على أمل احتواء التصعيد وحماية المدنيين في المنطقة من ويلات حرب شاملة.

المراجع والمصادر:

-ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما المواد (2/4) و (51) .
-تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في جلسة مجلس الأمن الطارئة، 28 فبراير/شباط 2026 .
-تصريحات مندوبي إيران والصين وروسيا في مجلس الأمن .
-بيان السفير الإيراني في جنوب أفريقيا لوسائل الإعلام، 4 مارس/آذار 2026 .
-تحليل قانوني من مجلة EJIL: Talk! الأكاديمية المتخصصة في القانون الدولي .
-تصريحات وزير الخارجية الفرنسي وموقف دول الخليج من الهجمات الإيرانية .
-تقرير خلاصة النقاش في مجلس الامن الدولي حول الملف الإيراني

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط