كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الرسالة في محاولة اغتيال حمدوك

الرسالة في محاولة اغتيال حمدوك

تاريخ النشر: 2020-03-12 | 11:00

عثمان ميرغني
عثمان ميرغني

محاولة اغتيال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك تدق ناقوس الخطر، وتحمل رسالة للحكومة ولغالبية الشعب من أنصار الثورة. الأوضاع لم تعد تحتمل التباطؤ والتأجيل في اتخاذ القرارات الحاسمة، سواء المتعلقة بالوضع الأمني، أو الاقتصادي، أو بمحاكمة رموز النظام السابق، وملاحقة كتائبه المسلحة. فكل تأجيل يزيد في تعقيد الأمور، ونشر الإحباط، وتشجيع خصوم النظام على التمادي في مخططاتهم لتقويض الحكم الانتقالي.

المرامي من محاولة الاغتيال واضحة وضوح الشمس، وهي إحداث فوضى وانهيار في البلد، لإعادة الأمور إلى مربع يستفيد منه الذين يريدون وأد الثورة، ويعملون لذلك منذ انطلاقتها، وما زالوا يحاولون. النظام الساقط لم يكن مجموعة أشخاص ما إن تغلق عليهم في سجن كوبر ينتهي الأمر؛ بل كان منظومة متكاملة بمالها المنهوب من الدولة، وبسلاحها، وبفكرها الذي قد لا نتفق معه؛ لكننا لا نستطيع أن ننكر وجوده وحركيته وقدراته في التخطيط والعمل السري. أضف إلى ذلك المنتفعين الذين ارتبطت مصالحهم وثرواتهم وفسادهم بالنظام السابق، ويريدون عودته. فالثورة أطاحت رأس النظام ورموزه؛ لكنها لم تسقط النظام كله، وقد بات ملحاً الآن استكمال هذا العمل.

حاولت أن أنأى عن المشاركة في التكهنات والتحليلات حول الجهة الفاعلة حتى تظهر نتائج التحقيقات؛ لكن الحملة الواسعة والمنسقة التي قام بها أنصار النظام الساقط مباشرة بعد الجريمة الإرهابية، ليلقوا بالمسؤولية على أطراف خارجية أولاً، ثم بترويج بيان ساذج مليء بالأخطاء باسم تنظيم مجهول يتبنى العملية، وأخيراً بمحاولة الترويج لمزاعم مضحكة بأن الحكومة ذاتها وراء العملية لأن حمدوك فقد شعبيته، ولأن وزارته فشلت في حل المشكلات المتراكمة، هذه الحملة جعلتني أميل إلى الرأي القائل بأن فلول ذلك النظام هم المسؤولون عن الجريمة.

هناك من يرى أن محاولة الاغتيال كانت مجرد رسالة للتخويف، ولم تهدف لتصفية رئيس الوزراء؛ لأن الجهات المنفذة لو كانت تريد ذلك لما عجزت عنه. السؤال هو: تخويف من؟ حمدوك أم الشعب؟ في الحالتين لا أحسب أن ذلك سيتحقق؛ بل العكس هو الأقرب إلى الصحة، إذ إن المحاولة ربما زادت الرجل تصميماً على إكمال مهمته، مثلما أنها زادت الالتفاف حوله، ورفعت من وتيرة المطالبات بملاحقة فلول النظام السابق.

وبغض النظر عما إذا كانت المحاولة جادة لكنها فشلت، أو أنها كانت فقط للتخويف، فإن هدفها الواضح إثارة الفوضى، والمستفيدون هم فلول النظام السابق الذين يريدون إعادة إنتاجه بوجوه جديدة، وكذلك أي جهات تفكر في تهيئة الأمور لانقلاب عسكري مستقبلاً. وأهل الاختصاص يقولون: إذا أردت أن تعرف الجاني فابحث عن الدوافع والمستفيد. أما لماذا استُهدف حمدوك وليس غيره من قادة الحكم الانتقالي؟ فلأنه رمز للثورة ووجهها المدني، وعليه إجماع في الداخل من كل أنصار الثورة تقريباً، ولديه احترام في الخارج، وقد يصعب إيجاد بديل بهذه المواصفات في الظروف الراهنة المعقدة؛ لا سيما بعد عودة المماحكات والمناورات بقوة إلى الساحة.

واختياره هدفاً يعود أيضاً إلى أنه يمثل الوجه السلمي للثورة، وهو ما يزعج خصومها الذين يريدون جرها إلى دائرة العنف والمواجهات التي يتمتع فيها هؤلاء بالغلبة وبالخبرة الإجرامية، مثلما يشهد سجلهم خلال الثلاثين عاماً الماضية، انتهاء بجرائم فض الاعتصام. حمدوك أيضاً هدف سهل لا يتحرك بحماية رتل من السيارات العسكرية المدججة بالسلاح، وليست لديه قوة عسكرية تحت إمرته مباشرة. فالذين فكروا في عملية الاغتيال كانوا يعرفون أنهم لو استهدفوا البرهان أو حميدتي مثلاً فإنهم سيواجهون قوة عسكرية كبيرة، قادرة على ملاحقتهم وتصفيتهم؛ بل وتملك معلومات عن هياكلهم وعناصرهم وكتائبهم، بحكم وجودها في النظام السابق.

كيف وصلنا إلى هنا؟

كثيرون يلقون باللوم على الحكومة، باعتبار أنها لم تستخدم الحسم الثوري في تفكيك دولة التمكين، ومحاكمة رموز النظام الساقط والمفسدين، وفي معالجة الخلل الإعلامي، وسيطرة واجهات النظام القديم على عديد من وسائل الإعلام، وفي معالجة الضائقة المعيشية، وفي التباطؤ بشكل عام في معالجة الأمور. قد يكون كل ذلك صحيحاً؛ لكنه لا يعفي الناس، والمقصود بذلك أنصار الثورة، من تحمل قسطهم في المسؤولية.

كثيرون انشغلوا بالتحليلات التي لا تنقطع، والشكوى من تردي الأوضاع، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للمشاكسات وتداول كثير من الشائعات والأخبار المفبركة، من دون التروي للتأكد منها. وهكذا تنتشر أجواء الإحباط التي لا تخدم في النهاية إلا المتربصين بالثورة، الساعين لتقويض الحكم الانتقالي.

الناس يحتاجون للخروج من دائرة السلبية إلى العمل الإيجابي. مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تتحول إلى غرف للتداول في المقترحات العملية لمساعدة الحكومة. وهناك أشياء أخرى بسيطة؛ لكنها ذات مردود عالٍ في خلق أجواء إيجابية. خذ على سبيل المثال تجربة رواندا التي خصصت يوماً في الشهر (السبت الأخير من كل شهر) يخرج فيه كل الناس، بمن فيهم المسؤولون والموظفون، للمشاركة في حملات النظافة العامة، حتى باتت عاصمتهم واحدة من أنظف المدن في العالم.

«تجمع المهنيين» الذي غاب وانخرط في العمل السياسي ضمن «قوى الحرية والتغيير»، يمكن أن يعود إلى الواجهة لقيادة العمل الشعبي، ليس بالدعوة إلى المواكب في كل صغيرة وكبيرة حتى كاد الناس ينفرون منها؛ بل بتنظيم لجان المقاومة في الأحياء للمشاركة في الرقابة التموينية، وتنظيم الأعمال الطوعية في المجالات المختلفة على سبيل المثال، وبذلك تبقى جذوة الثورة حية، والناس في استنفار مستمر.

أما بالنسبة للحكومة، فإن الناس يتوقعون منها بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، أن تعجل بمحاكمة رموز النظام السابق، والمتهمين بالفساد وبالاشتراك في جرائم القتل والتعذيب، وباتخاذ إجراءات لتفكيك كتائب الظل، وكل الأذرع العسكرية التابعة للحركة الإخوانية. هناك حاجة ملحة أيضاً لضبط الساحة الإعلامية، والتقصي في تمويل أجهزة الإعلام التي كان عدد منها يمول من قبل جهاز أمن النظام الساقط، أو من رئاسة الجمهورية، أو من حزب «المؤتمر الوطني» أو واجهات أخرى للنظام والحركة الإسلاموية.

المرحلة المقبلة تحتاج أيضاً إلى إصدار التشريعات اللازمة لمواجهة الإرهاب والتحريض على العنف والكراهية، فالثورة مستهدفة، والسودان ذاته مستهدف في وقت ينشط فيه الإرهاب في كثير من دول المنطقة.

أما الأوضاع الاقتصادية الضاغطة بشدة على الناس، فهي تحتاج إلى معالجات خلاقة في تطوير الموارد الذاتية، وهي كثيرة، بدلاً من وضع كل الآمال على الدعم الخارجي ومؤتمرات المانحين، وهذا موضوع يطول الحديث فيه ويحتاج عودة أخرى.

السودانيون يحتاجون للتعلم من دروس وأخطاء ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985. فالثورات لا تنتهي بإسقاط النظام؛ بل ربما تكون تلك بداية المشوار الصعب للإصلاح والبناء، وصولاً إلى غاياتها وأهدافها في الاستقرار والسلام والتنمية والعدالة، والتداول السلمي الديمقراطي على الحكم.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط