كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الزعامة والسلطة والمال والدين

الأزمة التى يمر بها حزب الوفد تقطع القلوب وتمزق الضمائر، فالوفد واحد من علامات مصر الحديثة، وهو الحزب الذى تجسدت فيها هوية مصر الوطنية أكثر من أى حزب آخر. فقد الحزب مكانته كحزب كبير منذ عدة عقود، لكن بقاءه كأكبر الأحزاب الصغيرة كان يمثل سبباً للأمل. ما يحدث اليوم فى الوفد يهدد بالقضاء على الحزب نهائياً، أما المسئولون عن ذلك فإنهم لا يدركون أنهم وهم يهدمون الوفد وكأنهم يهدمون الأهرام أو المتحف المصرى، فكلها علامات الهوية الوطنية والرابطة التاريخية.

أزمة الوفد هى أزمة حزب مقبل من الماضى الوطنى القريب، أما أزمة حزب الدستور فهى أزمة حزب ولد بالأمس واعداً بمستقبل رائع، وأزمته هى إحدى علامات استمرار أزمتنا السياسية. لماذا لا تعيش لنا أحزاب؟ ولماذا يبدو النشطاء الحزبيون عندنا متحلين بالشجاعة والجرأة وهم يقدمون على هدم أحزابهم؟ إنها أزمة الأحزاب المصرية المزمنة، والتى لن تقوم لنا ديمقراطية ما دامت هذه الأزمة قائمة، فالديمقراطية معدومة الأحزاب لم تولد بعد.

عرفت مصر طوال القرن ونصف القرن الماضيين أحزاباً عديدة، ولكن بعضاً قليلاً من هذه الأحزاب فقط هو الذى ترك على تاريخ هذا البلد بصمة لا تمحى. أحزابنا المؤثرة قامت على واحد من أربعة عناصر: الزعامة والسلطة والمال والدين، أما من حاول من الأحزاب القيام بغير واحد من هذه العناصر الأربعة، فإن واقع مصر الاجتماعى والثقافى لم يسمح له بأن يطير بعيداً.

حزب الوفد هو أكثر أحزابنا عراقة، وهو حزب زعامة بامتياز. زعامة سعد زغلول ومن بعده مصطفى النحاس هى رابطة عقد حزب الوفد طوال تاريخه السابق على عام 1952. لم يكن «سعد» أو «النحاس» مجرد رئيس لحزب وإنما كان زعيماً لأمة كانت تبحث عن الاستقلال والتحرر من الاستعمار. هتف الناس بحياة سعد ومن بعده النحاس، بالضبط مثلما هتفوا للوفد ولمصر وضد الاستعمار، حتى كاد الوفد وزعيمه يصبحان شيئاً واحداً. تشكل الوفد الجديد بقيادة فؤاد سراج الدين محاطاً بعبق الماضى وهالة الزعامة الوفدية القديمة، فتأسس الحزب، وعاش عدة عقود، وكان رقماً يحسب له حساب فى السياسة المصرية. مات الباشا، وتوالى على الوفد رؤساء فى ظروف لا تسمح بظهور زعامات جديدة، فانتهت رئاسة كل منهم للوفد بأزمة وصراع حاد. فشل الوفد فى التحول من حزب الزعامة إلى حزب الرئاسة، فكانت أزماته المتتالية. الحزب الوطنى الديمقراطى هو أهم نموذج لحزب السلطة عرفناه فى تاريخنا الحديث. أسس الرئيس السادات الحزب الوطنى وهو فى السلطة، وبقى الحزب مرتبطاً بالسلطة طوال سنوات حكم «مبارك» الثلاثين. فاز الحزب الوطنى بمقاعد فى البرلمان لم يكن ليفوز بها لولا التزوير، لكن الحزب الوطنى كان يستطيع الاحتفاظ بأغلبية مريحة -وإن لم تكن كاسحة- حتى لو لم يلجأ للتزوير. «الوطنى» هو حزب السلطة، والسلطة هى الهدف الذى يسعى إليه كل من يقرر الدخول إلى ميدان السياسة. فى «الوطنى» وجد الكثيرون ضالتهم، فكان فيهم اللصوص الذى يريدون الاحتماء بالسلطة لتغطية سرقاتهم، وفيهم المتقربون للحكومة من أجل مدرسة أو مستشفى أو توصيلة مياه لقريتهم، وفيهم المصلحون الذين يريدون التأثير فى السلطة من أجل مستقبل أفضل، وفيهم الساعون للسلطة لذاتها وليس لأى هدف آخر أبعد منها. انحل الحزب الوطنى بعد خروجه من السلطة، وذهب هؤلاء كل فى طريق يبحث لنفسه عن وسيلة أخرى لتحقيق أهدافه. حزب المصريين الأحرار هو أغنى الأحزاب المصرية، وهو الحزب المرشح لتحقيق النتيجة الأفضل فى الانتخابات البرلمانية المقبلة. للمصريين الأحرار أيديولوجية، ولكنها ليست من النوع الذى يجتذب الأنصار ويبنى القواعد الشعبية. للحزب تنظيم لا أظنه يختلف كثيراً عن الأحزاب القائمة. أهم ما يميز المصريين الأحرار هو الموارد المالية الكبيرة التى تسمح له بتكوين قائمة مرشحين قوية تبدو قادرة على المنافسة بقوة على مقاعد مجلس الشعب. الحملات الانتخابية مكلفة، والمرشحون يتمنون لو أن وراءهم حزباً يشاركهم تحمل تكلفتها. سيفوز المرشحون بما لهم من شعبية وعصبية وبمساندة أموال الحزب، فيكرسون تفوقهم على منافسيهم المحليين فى مقابل رفع راية الحزب فى البرلمان. الفوز الانتخابى الموعود يشجع أعضاء الحزب على التمسك به، فيجنبه انقسامات وانشقاقات تفتت وحدة أحزاب أخرى لا يملك أعضاؤها إلا الكلام وينشقون على أهون سبب، فالحزب فى النهاية لا يقدم لهم سوى مكلمة، فإذا رأوا حقهم فى الكلام مهدداً، فلماذا البقاء فى الحزب؟ ولنا فى حزب الدستور عبرة وعظة.

أحزاب الدين من الإخوان المسلمين لحزب النور هى النوع الرابع من أحزابنا التى يعتد بها. أحزاب الدين تلعب بالورقة الرابحة على الجاهز دون عناء؛ فالدين فى ثقافتنا وبيوتنا ومدارسنا وإعلامنا، وما عليك سوى أن تتمسح به للدخول إلى قلوب الناس. أهل التقوى فى بلدنا كثيرون، وتأييد الحزب الدينى لدى كثير منهم إجراء إضافى للفوز برضا الله. هكذا نجح الإخوان فى الفوز بأكثرية مقاعد البرلمان الأخيرة، وهكذا حل حزب النور ثانياً، حتى قام شعب الثلاثين من يونيو بكشف المستور، فسقط الإخوان، فيما بقى حزب النور لينافس بقوة فى انتخابات البرلمان المقبل.

الزعامة والسلطة والمال والدين، هذه هى الأعمدة التى تقوم عليها أحزابنا، وكلها ليست من النوع الذى يقيم ديمقراطية ولا يضمن استقرار نظام سياسى. أزمتنا السياسية مستمرة حتى يظهر لدينا أحزاب من نوع جديد قادرة على البقاء بعد الخروج من السلطة، وبعد موت الزعيم، وبدون جاذبية المال، ودون تلاعب بمشاعر المؤمنين.

عن الوطن المصرية

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط