كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السابع من أكتوبر بين وهم الانتصار وحقيقة النتائج قراءة استراتيجية في الحدث وتداعياته

السابع من أكتوبر بين وهم الانتصار وحقيقة النتائج  قراءة استراتيجية في الحدث وتداعياته

تاريخ النشر: 2026-09-02 | 15:36

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

لا تزال قطاعات واسعة من الكتّاب والمحللين، إلى جانب بعض الخطابات الإسلامية والفلسطينية، تقرأ نتائج السابع من أكتوبر 2023 من خلال الرواية التي سبقت الحدث، لا في ضوء الواقع الذي أفرزته الحرب وتداعياتها. وكأن مجرد إرباك إسرائيل وإفشال بعض أهدافها المعلنة يكفي لإثبات «الانتصار الاستراتيجي»، بصرف النظر عن الحصيلة التي انتهت إليها رأوضاع غزة والشعب الفلسطيني.

وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات القراءة السياسية للسابع من أكتوبر: تحويل الرغبة إلى حقيقة، والرواية إلى تقييم، والصمود إلى انتصار استراتيجي.

لا شك في أن السابع من أكتوبر كان حدثاً استثنائياً أحدث اختراقاً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق في إسرائيل، وأصاب منظومة الردع والإنذار والاستخبارات بصدمة عميقة. غير أن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تحجب سؤالاً آخر لا يقل أهمية: كيف أصبح هذا الاختراق ممكناً أصلاً؟

تشير المعطيات التي تكشفت لاحقاً إلى أن إسرائيل كانت تمتلك معلومات مهمة عن قدرات حماس وخططها. فقد كانت خطة «جدار أريحا» معروفة لدى دوائر عسكرية واستخبارية، وتضمنت تصوراً لهجوم واسع متعدد المحاور، قريباً بصورة لافتة مما وقع فعلاً. كما كشفت التحقيقات اللاحقة عن تحذيرات ومؤشرات لم تُقرأ في سياقها الصحيح، وعن قصور في جمع المعلومات ودمجها، فضلاً عن ترسخ تقدير مفاده أن حماس لا تريد حرباً شاملة أو لا تملك القدرة على خوضها.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:

الأول: القول إن إسرائيل اتخذت قراراً متعمداً بالسماح لحماس بتنفيذ الهجوم؛ وهو ادعاء كبير لا تكفي المعطيات العلنية المتاحة لإثباته.

والثاني: القول إن المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية، من خلال تقديراتها الخاطئة، وسياساتها تجاه غزة، وإهمالها للتحذيرات، وثقتها المفرطة بالردع والتكنولوجيا، هيأت الظروف التي جعلت الهجوم ممكناً، ولم تتخذ ما كان يمكن أن يمنعه أو يحد من آثاره.

وقد أصبح من الصعب إنكار هذا الاستنتاج بعد الاعترافات الإسرائيلية نفسها. فقد خلص تحقيق الجيش الإسرائيلي إلى وجود إخفاق كبير في حماية المدنيين، وأقر بأن المؤسسة الأمنية قللت من قدرات حماس ونواياها، وأن التركيز على تهديدات أخرى وعلى مفهوم الردع أدى إلى ضعف الاستعداد على حدود غزة.

لكن المفارقة الأهم تبدأ هنا.

فإذا كان السابع من أكتوبر قد مثّل فشلاً إسرائيلياً أمنياً واستخبارياً هائلاً، فهل يعني ذلك تلقائياً أنه كان انتصاراً استراتيجياً لحماس؟

الجواب: ليس بالضرورة.

فالاستراتيجية لا تُقاس فقط بقدرة طرف على إحداث اختراق أو إلحاق خسائر بالخصم، وإنما بـ الحصيلة النهائية قياساً إلى الأهداف التي سعى إلى تحقيقها، والكلفة التي ترتبت على ذلك، والنتائج التي أفضى إليها الحدث.

وهنا لا يجوز تجاهل السؤال الفلسطيني الأهم:

ماذا حدث لغزة؟

ماذا حدث للمجتمع الفلسطيني فيها؟

ماذا حدث للبنية الاقتصادية والعمرانية والمؤسساتية؟

ماذا حدث لمقومات الحياة؟

وماذا حدث للمشروع الوطني الفلسطيني، ولوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بعبارة «خسائر تكتيكية تقتضيها معركة التحرير».

فالخسارة التكتيكية تصبح مقبولة استراتيجياً عندما تكون ثمناً ضرورياً للوصول إلى هدف استراتيجي أكبر. أما إذا أدت الخسائر إلى إضعاف المجتمع الذي يُفترض أن يحمل مشروع التحرير، واستنزاف قدراته، وتدمير بنيته، وتعميق الانقسام، وتعقيد الطريق إلى الدولة والاستقلال، فإن من حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل:

متى تتوقف الخسارة عن كونها تكتيكية وتتحول إلى كلفة استراتيجية؟

وفي الاتجاه المقابل، لا يجوز أيضاً الوقوع في الوهم الإسرائيلي المقابل.

فعدم تمكن نتنياهو من تحقيق جميع أهدافه المعلنة لا يعني أن إسرائيل لم تحقق أي هدف، كما أن استمرار المقاومة لا يعني تلقائياً أن حماس حققت أهدافها الاستراتيجية.

قد يفشل طرف في تحقيق أهدافه القصوى، لكنه يحقق بعض أهدافه المرحلية والاستراتيجية. وقد ينجح طرف في إحداث اختراق عسكري هائل، لكنه يفشل في تحويله إلى مكسب سياسي مستدام.

وهذه هي النقطة التي ينبغي عندها تجاوز ثنائية «النصر والهزيمة».

فالسابع من أكتوبر يمكن أن يكون في الوقت نفسه:

نجاحاً عملياتياً وعسكرياً مفاجئاً لحماس؛

وفشلاً استخبارياً وأمنياً إسرائيلياً بالغاً؛

وفشلاً في التقدير الاستراتيجي لدى القيادة الإسرائيلية؛

ثم حدثاً استثمرته إسرائيل سياسياً وعسكرياً لتغيير معادلات غزة والإقليم؛

وفي الوقت نفسه حدثاً ترتبت عليه كلفة فلسطينية استراتيجية وإنسانية ووطنية هائلة.

ولا تناقض بين هذه المستويات.

بل إن الخطأ المنهجي يتمثل في تبني أحدها وإغفال البقية.

من هنا يبدأ السؤال الحقيقي

إذا كانت إسرائيل قد امتلكت معلومات وتحذيرات وخططاً ومؤشرات، ثم أخفقت في منع الهجوم، فإن البحث الجاد لا ينبغي أن يتوقف عند عبارة «المفاجأة الاستراتيجية».

بل ينبغي أن يسأل:

لماذا لم تُترجم المعلومات إلى قرار؟

من أخطأ في التقدير؟

من عطّل التحذير؟

لماذا جرى التقليل من قدرات حماس؟

ولماذا بقيت الحدود في مستوى من الجاهزية لا يتناسب مع حجم المعلومات المتاحة؟

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية:

هل كان ما جرى مجرد فشل استراتيجي إسرائيلي هائل، أم أن بعض دوائر القرار رأت في انفجار الوضع فرصة لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني والإقليمي بالقوة؟

هذا السؤال مشروع سياسياً، لكنه يحتاج إلى تحقيق وأدلة، لا إلى افتراضات.

وهنا تكمن مسؤولية الباحث والكاتب: أن يترك الباب مفتوحاً أمام الأسئلة التي لم تُحسم، من دون أن يحول الاحتمال إلى حقيقة.

لا نريد رواية بديلة، بل حقيقة بديلة عن الوهم

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد حرب بهذا الحجم هو أن يتحول الألم إلى حصانة ضد النقد، وأن يصبح الاعتراض على التقييم اتهاماً بالخيانة، وأن يُنظر إلى كل نقد للقرار العسكري بوصفه انتقاصاً من المقاومة، أو إلى كل نقد لإسرائيل بوصفه تبريراً لحماس.

الشعب الفلسطيني أكبر من كل ذلك.

القضية الفلسطينية ليست ملكاً لتنظيم، ولا يجوز اختزالها في لحظة عسكرية، مهما كانت أهميتها.

المقاومة وسيلة وليست غاية، والغاية هي حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله وقيام دولته وحماية وجوده الوطني والإنساني.

ومن ثم، فإن معيارنا لا ينبغي أن يكون: هل استطاعت حماس أن تفاجئ إسرائيل؟

بل:

هل استطاعت تحويل المفاجأة إلى مكسب استراتيجي فلسطيني؟

ولا ينبغي أن يكون معيارنا: هل استطاعت إسرائيل القضاء على حماس؟

بل:

هل استطاعت إسرائيل تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية التي أعلنتها؟

وبين السؤالين تقع المساحة الحقيقية التي ينبغي أن نبحث فيها.

لقد آن الأوان للخروج من عالم الانتصارات الخطابية إلى عالم التقييم الموضوعي.

فليس كل صمود انتصاراً، وليس كل خسارة هزيمة، وليس كل فشل للخصم نجاحاً لنا.

والأهم من ذلك كله:

لا يجوز أن نقيس نجاح أي استراتيجية بعدد الخسائر التي ألحقتها بالخصم فحسب، وإنما بقدرتها على تقريب الشعب الذي تقاتل باسمه من هدفه الوطني.

فإذا كان الهدف الفلسطيني هو الحرية والاستقلال والدولة، فإن المعيار النهائي للسابع من أكتوبر وما تلاه يجب أن يكون بسيطاً وقاسياً:

هل أصبح الشعب الفلسطيني أقرب إلى هذه الأهداف أم أبعد عنها؟

ومن يرفض طرح هذا السؤال، أو يستبدله بشعارات الانتصار، لا يمارس تقييماً استراتيجياً، وإنما يدافع عن رواية.

والفلسطينيون اليوم بحاجة إلى الحقيقة، لا إلى رواية أخرى.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط