كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الساعة الأخيرة..قصة قصيرة لنصر جبر

الساعة الأخيرة..قصة قصيرة لنصر جبر

تاريخ النشر: 2015-02-12 | 05:04

أنهى تحضير فنجان القهوة على ضوء كاشف صغير .. فالكهرباء مقطوعة عن الحي ...وإشعال الضوء من البطارية يحتوي على مخاطر محتملة ...جلس في الصالون يتصفح صفحات الصحف الالكترونية متتبعا الأخبار .. أدار مؤشر المذياع باحثا عن إرسال واضح لمعرفة أماكن القصف وأصوات الانفجارات التي يسمعها ويحسبها في كل مرة بجانب برجهم الذي يهتز اهتزازا عنيفا عند كل انفجار .. أشعل السيجارة رقم خمسين منذ البارحة .. رشف من فنجان القهوة الرشفة الأولى .. كان الجميع نياما .. زوجته وأبناؤه وزوجاتهم .. فقد أخلى الأبناء شققهم ولجأوا إلى شقته هربا من قصف متوقع لمسجد بجانبهم .. راودته أفكار كثيرة مزعجة .. ماذا لو تم قصف شقته وفيها جميع أبناؤه وزوجاتهم وأحفاده ... هل تفنى العائلة بأكملها في ضربة واحدة .. لماذا لم يعمل حسب قانون الاحتمالات ... لماذا وضع البيض كله في سلة واحدة .. يبدو أن غريزة البقاء لم تعمل لديه تلك الفترة .. ازداد قلقه وتوتره مع ازدياد وتيرة القصف العشوائي من المدفعية ... لم يقلق قبل تلك الليلة من القصف الجوي .. فهو متأكد أنه غير مستهدف .. وأن الضرر من القصف المجاور إن حدث ذلك لن يؤدي إلى خسائر كبيرة في شقته .. ومنطقته خالية من المطلوبين والمقاومين ..

أشعل سيجارة أخرى ولم ينتبه إلى أن السيجارة الموضوعة على منفضة السجائر لم تنته بعد ... أنباء الانفجارات في المناطق الأخرى من القطاع تصله تباعا .. واتصالات المراسلين تزف أنباء استشهاد الكثيرين .. استهجن لهجة المراسلين في تغطيتهم للأحداث لما فيها من حماسة وكأنهم يعلقون بفرح على مباراة كرة قدم .. جاءه صوت أحدهم يقول بفرح : لا زالت المئذنة قائمة ... مئذنة مسجد الأمين محمد لا زالت قائمة ... هتف بحنق :

- يا راجل اسكت .. خليها قائمة ..

نفث دخان سيجارته ثم قال بغيظ :

- معلومات مجانية للمخابرات .. الله يقطعكم من جهلة ...

رن الهاتف الأرضي رنات متتالية ... هتف بقلق : هو هذا وقته ؟ .. رفع السماعة دون أن يتكلم .. جاءه الصوت ثقيلا غليظا .. إلى سكان المغازي والبريج .. على الجميع إخلاء منازلهم والتوجه إلى النصيرات ودير البلح بامر من جيش الدفاع الاسرائيلي للحفاظ على سلامتكم ..

وضع السماعة مكانها بعنف .. يبدو أن الليلة ستكون صعبة جدا .. اتصل على بيت أخيه الأكبر في البريج .. جاءه الصوت ناعسا :

- السلام عليكم ..

- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. كيفك يا خوي ..؟

- الحمد لله ..كيفكم أنتم ..؟

- بخير .. سمعت التحذيرات على التلفون لازم تخلوا بيوتكم ...

- وين بدنا نروح ..؟ بيوتنا أولى فينا .. والمكتوب لازم نشوفه ..

- تعالوا عندنا .. بناخد بعض ..

- الوضع حتى الان مش خطير واذا جد جديد بنشوف حينتها شو نسوي ..

- في عنكم قصف ..؟

- قصفوا أكم من دار .. والقصف العشوائي بدأ شرق المخيم ..

- ديروا بالكم على حالكم .. وطمنونا ..

- ان شاء الله ..سلام عليكم

اتصل بأخيه الاّخر في المخيم .. يجب أن يخلوا بيوتهم .. القصف المدفعي العشوائي للمخيم يزداد عنفا .. جاءه صوت زوجة أخيه يسربله ذعر وقلق ..

- السلام عليكم ..

- عليكم السلام .. ابو جميل صاحي ...

- صاحي .. فاتح الراديو وبيسمع الأخبار ..

- طمنونا عنكم ..

- هاينا قاعدين تحت رحمة ربنا ...

- عندكم قصف ..

- القصف في كل مكان ... وانتم كيف حالكم ..؟

- هيهم نايمين .. القصف بعيد عنا ..

- هاي أبو جميل معك ...

- ألو .. مرحبا أبو جميل ...

- أهلين أبو معاذ .. كيف أحوالكم ..طمنونا عنكم ..

- إحنا بخير .. المهم انتم ..

- لحتى الاّن إحنا بخير ..

- وصلكم التحذير من الجيش بالاخلاء ..؟

- وصلنا لكن وين بدنا نروح ..؟

- تعالوا عندي مؤقتا لغاية ما نشوف شو بيصير ..

- ما بيصير إلا المكتوب لنا ..

- صحيح .. بس الانسان يعمل بالأسباب ..وكلها يومين تلاتة وترجعوا ..

- لسّه نكون متفرقين أحسن في هالظروف .. بلاش العيلة كلها تكون في مكان واحد ..

- عموما اذا غيرت رأيك بيتي مفتوح لكم ..

- شكرا ابو معاذ .. وخلينا نشوف شو تطورات الأوضاع ..

- سلام عليكم ..

- عليكم السلام ..

نظر في ساعته .. الرابعة والنصف صباحا .. نهض واقفا .. فرد ذراعيه .. أدّى بعض التمارين الرياضية الخفيفة حتى ينشط الدورة الدموية ...الجلوس لمدة طويلة أمام الحاسوب أصابه بتيبس بالعضلات .. مشى في الصالون ذهابا وايابا .. النوم فارقه طوال مدة الحرب .. بات يخشى النوم في الظلام .. ينتظر بزوغ الفجر وربما بعد ذلك حتى شروق الشمس حين يهدأ القصف قليلا لكي ينام ... علمته التجربة طوال تلك المدة بأن القصف يهدأ مع شروق الشمس ...دخل المطبخ باحثا عن شيء يأكله .. هو لا يشعر بالجوع لكنها فرصة لتمضية الوقت حتي الشروق .. الثلاجة خاوية من الطعام .. فتح مرطبان الزيتون وأخرج بعض الحبيبات .. وضع قليلا من الزعتر في طبق صغير .. وفي طبق اّخر سكب قليلا من زيت الزيتون .. ثم أشعل البوتاجاز وسخّن رغيفا صغيرا وبدأ يأكل بشراهة غريبة ..

تواردت أخبار غير مؤكدة عن التوصل لاتفاق تهدئة لمدة يوم واحد تبدأ من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثامنة صباحا من اليوم التالي ..

أخبار المذابح في الشجاعية وخزاعة والزنة وشرق غزة وبيت حانون تتوارد تباعا .. عائلات بأكملها أبيدت عن بكرة أبيها .. الجثث ملقاة في الشوارع دون إمكانية للوصول إليها .. بيوت عديدة دمرت فوق ساكنيها .. أصوات الصواريخ المنطلقة من المنطقة تختلط بأصوات الانفجارات ... بات يميز صوت الصاروخ المنطلق من صوت الصاروخ القادم .. فقد الاحساس بالكارثة من شدة فظاعتها .. تبلدت مشاعر الخوف داخله .. طالما تسمع صوت الصاروخ انت بخير .. نداءات الاستغاثة على المذياع لا زالت مستمرة دون جدوى .. طواقم الاسعاف والدفاع المدني لا تستطيع الوصول إلى المناطق المنكوبة بسبب شدة القصف .. الصليب الأحمر وقف عاجزا عن التدخل لإجلاء الناس من المناطق المحاذية الحدودية ...اّلاف النازحين يتوافدون تباعا إلى مراكز الإيواء في المدارس التابعة للأونوروا ..المستشفيات باتت عاجزة عن استقبال المزيد من الجرحى والقتلى .. جهود جبارة بذلها الأطباء والطاقم الصحي رغم ندرة الامكانيات .. بات القطاع وحيدا يواجه مصيرا مجهولا وسط صمت مريب من المجتمع الدولي .. اكتملت جريمة الحرب بكل أركانها ...

نظر إلى ساعته مرة أخرى .. السابعة صباحا ... لا زالت هناك ساعة أخرى للتهدئة .. أجّل النوم حتى تدخل التهدئة حيز التنفيذ .. ليجهز كأسا من الشاي حتى يقتل الوقت .. فجأة بدأ القصف المدفعي تزداد وتيرته .. قصف عشوائي في كل الاتجاهات .. شعر كأن القصف بجانبه .. ربما بلغ المعدل قذيفتين كل دقيقة .. أحس بعد الأمان في جلوسه مقابل النافذة الجنوبية .. للمرة الأولى يحس بهذا الاحساس .. أيقظ زوجته وأبنائه بسرعة .. طلب منهم الجلوس في الردهة أمام المصعد خارج الشقة .. فهي المنطقة الأكثر أمانا في اعتقاده .. خرجوا جميعا إلى الردهة يحملون الكراسي البلاستيكية فيما ظل هو يراقب القصف ويستوضح أماكن سقوط القذائف .. أصوات الانفجارات تصله من كل الاتجاهات .. توارى خلف عمود الباطون وهو ينظر إلى الخارج فيما هتفت به زوجته أن يجلس في الردهة معهم .. أصوات ارتطام الحجارة المتطايرة من الانفجارات تصله من فوق سطح المخبز المجاور المغطى بألواح الصاج .. تأكد أنهم يتعرضون لقصف مباشر .. أو أن القصف قريب جدا منهم .. ربما في شارع العشرين .. أو في الحقول المجاورة للأبراج .. جاءه صوت من الخارج أن قذيفة أصابت برج رقم 9 .. شعر بالخوف الشديد .. هل بدأوا باستهداف الأبراج ..؟ وما العمل ..؟ لقد اعتبر دوما أن الأبراج منطقة اّمنة .. ها هو القصف يصل إليها .. ولا مجال لتركها الاّن في ظل شدة القصف .. خرج من الشقة إلى الردهة ... نظر إلى عيون أهله .. الخوف والرعب باديان على الوجوه ويملئان الأعين .. أشاح بوجهه عنهم كي لا تلتقي نظراتهم .. كي لا يكتشفوا عجزه عن حمايتهم .. الأمر أكبر منه .. إحساس بالعجز والمرارة

والقهر دفعه للنزول إلى بوابة البرج وسط رجاء زوجته بالبقاء معهم .. هرب من أسئلة لم يسألوها ولا يجد إجابة لديه لها .. لا يوجد لديه سوى الانتظار .. الساعة متاّمرة عليه ..يبدوا أنها توقفت وأن الدقائق تهزأ به .. لا زالت السابعة والنصف .. أبو محمد صاحب البقالة المقابلة يفتح أبواب بقالته .. زخة من الحجارة الصغيرة مرت أمامه في الممر أمام البرج .. تجمهر عدد من السكان أمام البرج .. فيما كان بعض النازحين من الرجال ينامون في الردهة أمام المصعد في الطابق الأرضي لضيق المكان والازدحام الشديد في شقق أقاربهم حيث باتت النساء في الداخل بينما افترش الرجال الأرض في الردهة فوق بسط قديمة مهترئة ..

تناهى إلى سمعه رغاء أغنام تسير في الشارع المحاذي للبرج .. استغرب وجودها في هذا الوقت وتحت القصف .. أجابه جار له يقف بجانبه بأن الراعي من سكان جحر الديك وقد هرب بأغنامه من منطقته المشتعلة .. لا زالت الثامنة إلا خمس دقائق .. القصف يزداد وحشية .. صعد إلى طابقه يطمئن على أهله .. ملعونة تلك الساعة لا تريد أن تمشي .. وكأنها تخرج له لسانها هازئة به .. هل يتوقف مصير إنسان على دقائق معدودة ملعونة .. أي سخرية تلك .. ! أشعل السيجارة الأخيرة في علبته .. بدأ يعد الثواني الأخيرة من الدقيقة الأخيرة ويعد الأنفاس من السيجارة الأخيرة ..

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط