كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السباق التركي

السباق التركي

تاريخ النشر: 2018-06-15 | 09:33

مع بلوغ الحملة الانتخابية التركية المرحلة الأخيرة، ثمة إجماع يظهر في الأفق حول ضرورة النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها استفتاء على رجب طيب إردوغان، الرجل الذي هيمن على الحياة السياسية للبلاد طيلة عقدين تقريباً.
غالباً ما تفاخر إردوغان بأنه لم يخسر انتخابات قط، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه من غير المحتمل أن يخسر هذه المرة أيضاً. منذ عام 2002، فاز هو وحزب العدالة والتنمية في خمسة انتخابات برلمانية وثلاثة انتخابات محلية وثلاثة استفتاءات شعبية وانتخابات رئاسية واحدة.
لكن ماذا لو أن النصر الذي ينتظره الأسبوع المقبل يتحول إلى فوز تكتيكي وخسارة استراتيجية؟
كان إردوغان قد حقق أول فوز له في انتخابات وطنية في وقت كانت الحياة السياسية التركية تمر بأزمة وبحاجة إلى تغييرات راديكالية في التوجهات والأسلوب.
وقد حقق إردوغان، من جانبه، هذا التغيير، وخلال العقد الأول له كربان لسفينة الدولة التركية، نجح في العبور بالسفينة بسلام باتجاه ما يبدو أنه سلام ورخاء.
إلا أنه الآن ثمة اتفاق في الرأي بين مراقبين مهتمين بالتجربة التركية حول أن هذه الشواطئ الذهبية الموعودة لم تظهر فعلياً فحسب، وإنما يبدو كذلك أن قيادة إردوغان أدت إلى ظهور خمس أزمات جديدة.
تتسم الأولى منها بطابع سياسي، ذلك أنه من خلال تركيزه السلطة في الرئاسة، أي في يديه - الأمر الذي استغرقت تركيا في أعقاب وفاة أتاتورك قرابة عقدين كي تتمكن من تعديله - تسبب إردوغان في إحداث خلل بالتوازن المؤسسي وتعددية المشهد السياسي التي جرى بناؤها منذ آخر انقلاب عسكري في ثمانينات القرن الماضي.
منذ عقدين، كان إردوغان حامل رسالة جديدة للتعددية والتشارك في السلطة والأخذ والعطاء. اليوم أصبح هو ذاته الرسالة. من خلال تصويتك لصالح إردوغان لم تعد تصوت لبرنامج أو فلسفة أو حتى نخبة حاكمة جديدة، وإنما تصوت لصالح إردوغان نفسه.
وتكمن المفارقة في أن الناخب التركي اليوم يعرف قدراً أقل عن حقيقة إردوغان وما يرغب في تحقيقه عما كان عليه الحال منذ عقدين. وتبدو اليوم الشكوك بخصوص مستقبل تركيا أكثر حدة عما كانت عليه خلال حقبة ما بعد تورغوت أوزال التي سادها الفساد وأحزاب منعدمة الكفاءة.
وتتمثل الأزمة الثانية التي خلقها إردوغان في مسألة الهوية، والتي تجلت على نحو فاحش في إخفاق حكومات متعاقبة في أنقرة على امتداد أربعة عقود في إقرار أسلوب تعايش مع الأكراد الذين يشكلون 15 في المائة على الأقل من سكان البلاد. من جانبه، كان أتاتورك قد قرر حل المشكلة من خلال إنكار وجودها من الأساس. وقد تخلى عن النظام العثماني القائم على فكرة «وحدة التنوع» لحساب فكرة «الهوية التركية» التي ابتكرها والتي تجاهلت الاختلافات العرقية والدينية والثقافية داخل مجتمع ثري بتنوعه. وأدت سياسات أتاتورك إلى خلق أزمة أسفرت عن اشتعال حرب أهلية حصدت أرواح أكثر من 40 ألف شخص.
بادئ الأمر، أدرك إردوغان حكمة السياسة التركية في إدارة مشاعر التحامل الثقافية عبر النظر إلى التنوع كأحد الأصول القيمة. وفي البداية، نجحت حكومته في إبطال مفعول القنبلة الكردية المؤقتة عبر سلسلة من سياسات الاستيعاب والدمج. بيد أنه في وقت لاحق حاول إردوغان التغلب على المشكلة عبر تقسيم الأمة إلى هويات عرقية متنوعة يصبح في إطارها الأكراد مجرد هوية واحدة من هويات كثيرة، الأمر الذي تسبب في إخفاق السياسات الواعدة الأولى.
المؤكد أن حزب العمال الكردستاني من جانبه أسهم في هذا الإخفاق من خلال التشبث بأساليب دوغماتية وستالينية عنيفة. اليوم، أصبحت المسألة الكردية أكثر حدة عن أي وقت مضى.
وتتعلق الأزمة الثالثة بالتطلعات التركية في أعقاب نيل العضوية الكاملة بالاتحاد الأوروبي، وهو هدف تتشارك فيه جميع الأحزاب السياسية منذ ستينات القرن الماضي.
ربما كان «المقصد أوروبا» ليس سوى شعار فارغ في ظل تعالي أصوات قوية داخل الاتحاد الأوروبي تعارض نيل تركيا عضوية الاتحاد لأسباب عدة، منها ما يتعلق بالعنصرية ومخاوف إزاء الإسلام.
ومع هذا فإن شعار «المقصد أوروبا» شكل حجة قوية لصالح إقرار إصلاحات ديمقراطية وتحرير اقتصادي يتجاوز المصالح الضيقة.
ومع هذا، فإنه فيما يتعلق بهدف الانضمام إلى أوروبا اليوم، تبدو تركيا أبعد عن هذا الهدف أكثر من أي وقت مضى. وتتفق جميع الأحزاب تقريباً التي تخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة أن الطريق إلى أوروبا مسدود، على الأقل على امتداد المستقبل المنظور.
وخلق إردوغان أزمة رابعة على صعيد علاقات تركيا مع دول حلف «الناتو» وخاصة الولايات المتحدة. وأسفر ذلك عن موقف سريالي تغزو في إطاره قوات تركية سوريا بصورة أثارت في لحظة ما المخاوف من الدخول في صدام مباشر مع القوات الأميركية التي تعاون الأكراد السوريين على تعزيز سيطرتهم على مناطق بعينها.
ونتيجة تورطه في سوريا، وجد إردوغان نفسه مجبراً على محاولة التودد إلى الروس الذين شكلوا عنصراً فاعلاً مهماً هناك. وأدى ذلك بدوره إلى توسيع الفجوة بين تركيا من ناحية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى، في وقت توجد ثمة مشكلات عالقة بين واشنطن والاتحاد من ناحية وبين روسيا بقيادة فلاديمير بوتين من ناحية أخرى. ومتأخراً للغاية أدرك إردوغان أنه حال انفصال تركيا عن «الناتو» فإنها لا تشكل قيمة بالنسبة لروسيا، وبالتالي ستحرم من النفوذ الذي ربما حلمت بنيله.
وأخيراً، خلق إردوغان أزمة خامسة ذات طابع اقتصادي، من خلال خلق سحابة من الشكوك فوق الخيارات السياسية التي قد يتخذها بمجرد فوزه في الانتخابات. منذ أربع سنوات، بدا أن تركيا تحولت بوضوح باتجاه نموذج من الليبرالية الاقتصادية التي تؤكد على العمل التجاري الخاص، وتحد من القطاع العام وتقصره على بضعة مجالات جوهرية وتحترم الأعراف والممارسات الدولية، خاصة ما يتعلق بالشفافية وحكم القانون.
ومع هذا، يبدو الاقتصاد التركي اليوم عرضة لميول التدخل والممارسات الفاسدة والسرية، التي تعج بها الدول النامية ذات الحكومات الاستبدادية.
وعليه، فإنه من غير المثير للدهشة أن نجد تراجعاً في الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2010. بينما فقدت العملة التركية، الليرة، قرابة ثلث قيمتها مقارنة بسلة العملات العالمية، ويعتبر معدل النمو السنوي للاقتصاد التركي حسبما توقع البنك الدولي الأدنى منذ عام 2008 في ظل تنامي المخاوف من حدوث ركود.
المفارقة أنه في خضم الحملات الانتخابية الحالية لم تحتل أي من هذه الأزمات المكانة البارزة التي تستحقها، في الوقت الذي سقط المرشحون الرئاسيون في فخ الشخصنة الذي صاغه إردوغان.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن إردوغان ربما يكون قد فاز بالفعل.
وفي ظل فترة تعج بالمخاوف والشكوك، فإن الناخبين ربما يقررون التشبث بما عندهم بدلاً عن المخاطرة باختيار آخر يجهلونه. ومع هذا، فإن فوز إردوغان ربما يتحول لخسارة فعلية له، خاصة إذا جاء إقبال الناخبين على الانتخابات ونسبة الأصوات التي حصل عليها ضعيفة، مثلما يتوقع كثيرون.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط