كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السخرية المغلّفة في قصة راوية بربارة "محاولة إقناع"

السخرية المغلّفة في قصة راوية بربارة "محاولة إقناع"

تاريخ النشر: 2020-05-18 | 13:36

 

قصّة د. راوية بربارة "محاولة إقناع" فاجأتني بفكرتها أوّلا، وبقدرة السخرية أن تكون مستترة داخل السرد القصصيّ، بدون تكلّف، وبدون مبالغة، عبر سرد يبدو تقليديًّا للوهلة الأولى، وأظنّ أنّ الكثيرين من القراء لم ينتبهوا للسخرية التي تفجرّها الأديبة د. راوية بربارة، متجاوزة الصياغة القصصيّة التقليديّة، رغم أنّ القارئ العادي لن ينتبه لقوة السخرية المستترة بفكرة القصة. وبالمناسبة لا بدّ أن أضيف أنّ اكتشافي لمضمون السخرية في هذا النص القصصيّ قد يفاجئ معظم من قراء القصة.

 قد يتفاجأ من قرأ هذا النصّ القصصي بأنّني أتحدّث عن مفارقة ساخرة. فهي تبدو للقارئ نصًّا قصصيًّا تقليديًّا يتحدّث عن مجموعة طلاب بطريقهم للمشاركة بحوار، أمر لا شيء غريب فيه، تكتب: "السيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول"

فأين السخرية اذن؟ طبعا هذا تمهيد للآتي. وتضيف: " ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا."

حتى هنا النصّ يمكن أن نسميه نصًّا متوقّعًا لا شيء يثير التفكير فيما هو غير متوقع.

وهنا تبدأ اللعبة اللغويّة، لعبة المفارقة لطرح واقع ربما اعتدناه، حضر الطلاب  لإجراء حوار يهوديّ عربي، يقترح الأستاذ أن يجري اختيار المتحدثين حسب ترتيب الحروف الأبجدية.

وتفجّر راوية بهدوء قنبلة أولى قد لا تثير التفات أحد "الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود".

ماذا يتوقّع القارئ من لقاء كهذا؟

أن يطرح كلّ طرف ما يخصّه سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا.

وهنا المفارقة الساخرة لكن لمن يقرأ النص بعقل وليس بعين مغمضة وعين مفتوحة.

تتحدّث اليهودية ياعل، يشغلها امر أساسي "تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ"

اليهودية يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد"

انتبهوا للسخرية هنا. أسلوب الطرح لا يقول شيئا، لكن الطرح لمواضيع تافهة هنا، يجب أن تجهّز القارئ لما هو آت.

طبعا تضيف راوية تفاصيل لا علاقة لها بالحوار الذي يتوقّعه القارئ للقصة من لقاء يهوديّ عربيّ. أي تجهّز القارئ ليعيش المفارقة الساخرة التي تنتظره.

وتؤكّد راوية الأمر الجوهريّ بالنسبة للعرب:" أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة"

ماذا سيكون حديث العرب؟

انتبهوا هنا للفجوة بين مجتمعين ونهجين وتفكيرين وواقعين.

هنا تبدأ اللوحة الساخرة بالظهور بكامل المفارقة بين اتجاهين.

العربي سمير يحاول، كما تكتب راوية على لسان المشاركين العرب: "إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب"! طبعا لا حذاء ياعل ولا عباءة يفيت.

اذن كل الكلمات التي سهر على إعدادها سمير كممثّل للمشاركين العرب كما تكتب راوية: "ارتبكتِ بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار". بالمقابل قدمي ياعل وجسد يفيت هما مقابل حقوق شعب يطالب بالسلام.

هل من سخرية أبشع من هذا الواقع بين اليهود والعرب؟؟

هل من سخرية أرقى من هذا النص القصصيّ عن واقع نعيشه؟ شعب قلق لقدميه وجسده وشعب قلق على مستقبل السلام والحرية.

يجيء دور سعاد لإنقاذ الكرامة من الغرق. وبصوتها الخجل امام لقاء من هذا النوع الذي يشغل أبناء عمومتنا اليهود بأحذيتهم وحماماتهم تطرح سعاد بصوت خجل "مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ للسلام المنتظَر"

هل هو سلام بين حذاء ياعل وحمام يفيت؟ دون أن يكون للمحتلة أرضهم والمميز ضدهم رأي بما يتعلّق بمستقبلهم؟

 وهنا تطرح الكاتبة التساؤل الجوهري:" كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لا حاجة فيها للإقناع؟!"

وتصل الكاتبة للموقف المليء بالمفارقة الساخرة من هذا اللقاء بين عالمين ونهجين:" تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!"

هذا الواقع أضحك الطلاب "حين حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل".

وتنهي قصّتها بأنّ أستاذ فنّ الخطابة "ضجّ من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل

أفكارنا العربيّة". وأضافت الكاتبة بسخرية قوية:" ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين."

راوية قدّمت هنا بأسلوب يحمل جانبين من الفن، القصّ الجاد وبإطاره لمن يستطيع اختراق مضمون المفارقة الساخرة بين مجتمعين، عالمين متناقضين في وحدة مصير.

[email protected]

*******

نص قصة: "محاولة إقناع" / بقلم: د. راوية بربارة

 

العبق الشتويّ يحترف إثارة المشاعر في الطريق من الجليل إلى قمّة الكرمل، ونحن في سيّارة الأجرة تتململ الأوراق بين أيدينا، نقرأ ونراجع كلماتٍ سهرنا الليل في تنميقها باللغة العبريّة، لا نأبه للأشجار تستحمّ نافضةً تراب الصّيف، ولا يخطف أبصارنا إلا وميض ضبابٍ متلألئ منبعثٍ من نوافذ بناية الجامعة الشامخة على قمّة جبل الكرمل يستفزّنا أن نشمخ..

     ألسيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول.

   ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا.

   أفسح الطلاب مكانا للأستاذ فجلس بيننا ليستمع لمحاولات الإقناع، اقترحَ أن نبدأ بالدور حسب أبجديّة حروف الأسماء، لكنّ الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود.

  قامت يعِل وأخذت تستعرض موضوعها.. توزّع نظراتها على الجميع، تبتسم وتعبس وتستفهم بالكلمات وبالجمَلِ، تاركةً جسدها يتحرّك على طبيعته، وتاركةً إيّانا مستغربين من الموضوع المطروح، فهي تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ، تذكر مساوئ الأحذية الشّتويّة فتسدّ أنفها بإصبعها، تنتعل حذاء مفتوحا وتحرّكُ أصابع قدميها بحريّة، فتدبّ الحرارة فيهما ويدبّ البرد في أقدامنا المغلّفة وينفعل الحماس في أطراف عقولنا...

القادم. أنهتْ يعِل محاولتها النّاجحة، صفّقْنا لها ووعدَها الأستاذ أن ينتعلَ حذاء مفاجئا في الدرس

   ثمّ قامت يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد، ينتعش ويترطّب بدفء الماء في الشّتاء وببرودته أيّام الحرّ، بدل أن نجفّفَه بمنشفةٍ قطنيّةٍ فنجهده أكثر بعد يومٍ شاقّ...واسترسَلَتْ وتمايلت وعرَضَتْ أنواعا وألوانا من العباءات التي تلبسُ الروح قبل الجسد.

   صفّقْنا لها واقترح الأستاذ مازحا أنْ تفتتح يفيت شركةَ عباءاتٍ لأنّها ستنجح في تسويق قناعتها... أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة... قام سمير متأنّقا بلباسه، بمظهره وبأوراقه محاولا إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب...

   ارتبكتِ الكلمات بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار، لم يستطع رفع نظراته عن الحبر الأسود المطبوع على الصفحات البيض، فشعرْنا بالضيق وبدأت الأرض تزلزل تحت أقدامنا، لماذا تهرب منك الكلمات يا سمير وقد سمرنا الليالي نزخرف النظريّات، نناشد السّلام وننشده في الشّوارع، نمهّد له، نصبو إليه، ونقرأ عنه بكلّ لغات الأرض، لغته العالميّة دون ترجمةٍ.. والآن نفشل في ترجمة آرائنا!!

   جلس سمير يتصبّب فشلا، يجفّف عرق ارتباكٍ ويطوي الأوراق اللعينة التي جلس ساعات يحثّ فكره ليقنعنا بمحتواها.

   كان على سعاد أن تنتشل كرامتنا من الغرق الأكيد، أسرعت تجرجر نظرة حائرة تجول بها بين المقاعد، وصوتا خجلا يطرح مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ قبلي للسلام المنتظَر. عدّدتِ الأسباب والسّلبيّات والإيجابيّات من وجهة نظر أحاديّة وثنائيّة وثلاثيّة. لم تطلق العنان لجسدِها فحنّطته مع الفراعنة في هرم الخوف.. ولم تطلق لسانها السّليط الذي طالما هوى بسياطه ينتقد الأحزاب الطّلابيّة والسياسيّة والنظريّات المعارضة يفنّدها ويعرقلها ويوقعها أرضا بنقاط حروفه التي لا تتوقّف عن الثرثرة الهادرة.. ما بال لسانها قد انعقد وأين اختفت قدرتها الإقناعيّة ؟؟؟

      كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لاحاجة فيها للإقناع؟!

   أخذْنا مهلة نستردّ فيها أنفاسنا، بينما تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!!

      واستشاط الصف ضحكا عندما حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل، مقتبِسَةًً الآيات القرآنية والتوراتية والإنجيليّة...وضجّتِ القاعة عندما اقترح أحدهم أن نُلبس عري النخيل غطاء للرأس، وضجّ أستاذ فن الخطابة من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل أفكارنا العربيّة، وللغة أجسادنا التي تُلبسنا طقما جاهزا، وللغة عيوننا المصابة ببُعد النظر والتي تعجز عن رؤية ما يقع تحت أنوفنا...ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط