كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السِّرُّ الخَفِيُّ وَرَاءَ سَحْبِ تَرْشِيحِ سَفِيرٍ فِلَسْطِينِيٍّ لِمَنْصِبٍ هَامٍّ فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ

السِّرُّ الخَفِيُّ وَرَاءَ سَحْبِ تَرْشِيحِ سَفِيرٍ فِلَسْطِينِيٍّ لِمَنْصِبٍ هَامٍّ فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ

تاريخ النشر: 2026-05-24 | 11:56

لم يكن قرار السلطة الفلسطينية سحب ترشيح سفيرها لدى الأمم المتحدة رياض منصور لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثا بروتوكوليا عابرا كما حاول البعض تصويره اعلاميا ورسميا بل موقف كشف مرة أخرى مستوى الاشتباك السياسي والدبلوماسي القائم خلف الكواليس بين واشنطن والقيادة الفلسطينية وحجم الأدوات التي تستخدمها الإدارة الأميركية لإبقاء السقف الفلسطيني منخفضا داخل المؤسسات الدولية وخصوصا في الأمم المتحدة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم ساحات الصراع السياسي والقانوني حول القضية الفلسطينية والتي تتحكم امريكا في مسيرتها لمصلحة اسرائيل

 

القرار جاء في توقيت شديد الحساسية يتزامن مع تصاعد العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل بسبب الحرب على غزة وتزايد الضغوط القانونية والسياسية المرتبطة بملفات الاستيطان وجرائم الحرب والتحركات داخل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وهو ما جعل أي تقدم فلسطيني داخل المنظومة الأممية ينظر إليه أميركيا وإسرائيليا باعتباره تهديدا مباشرا للرواية الإسرائيلية المكذوبة ولجميع محاولات احتواء الحضور الفلسطيني المتنامي في المحافل الدولية

 

على الرغم أن منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة يعد من الناحية الشكلية منصبا إداريا ورمزيا بحتا الا إن واشنطن تعاملت معه باعتباره خطرا سياسيا حقيقيا يهدد اسرائيل لأن من يشغل هذا الموقع يستطيع إدارة جلسات الجمعية العامة في غياب الرئيس والمشاركة في تنظيم النقاشات الدولية الكبرى المتعلقة بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية وهذا ما يفسر حالة القلق الأميركي والإسرائيلي من احتمال ظهور دبلوماسي فلسطيني يدير جلسات رفيعة المستوى داخل أهم منصة سياسية دولية في العالم

 

اللافت في الواقعة أن فلسطين كانت قد حصلت عمليا على توافق داخل المجموعة الآسيوية لشغل المنصب إلى جانب دول أخرى مثل العراق وأفغانستان وأنغولا ما يعني أن العقبة لم تكن أممية ولا إجرائية بل كانت خطوة سياسية بامتياز جاءت من خارج الأمم المتحدة نفسها وتحديدا من واشنطن التي استخدمت مجددا بشكل متكرر سلاح التأشيرات والضغوط المالية والتهديد بالعقوبات الدبلوماسية لإجبار السلطة الفلسطينية على التراجع

 

التسريبات الدبلوماسية الأميركية تشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تكتف بالضغط السياسي بل لوحت بإلغاء تأشيرات أعضاء البعثة الفلسطينية المعتمدين لدى الأمم المتحدة في نيويورك وهو تهديد بالغ الخطورة لأنه يستهدف عمليا قدرة الوفد الفلسطيني على العمل داخل المنظمة الدولية ويكشف كيف توظف الولايات المتحدة موقعها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع روح الاتفاقيات الدولية التي تلزمها بتسهيل عمل البعثات الدبلوماسية المعتمدة دوليا

 

الموقف الأهم هنا لا يتعلق فقط بحجم الضغوط الأميركية بل بسبب استجابة السلطة الفلسطينية لها بهذه السرعة رغم أن المنصب لا يحمل ثقلا تنفيذيا كبيرا وهو ما يظهر حقيقة الأزمة البنيوية التي تعيشها السلطة الفلسطينية والتي باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على التفاهمات المالية والسياسية مع واشنطن وتل أبيب من أجل ضمان بقائها الاقتصادي والإداري في ظل الأزمة الخانقة الناتجة عن احتجاز اسرائيل لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي وتصاعد العجز المالي

 

لا شكل بان أموال المقاصة أصبحت بالنسبة للسلطة الفلسطينية نقطة ضعف استراتيجية تستغلها إسرائيل والولايات المتحدة بشكل متكرر لفرض تنازلات سياسية ودبلوماسية والواقع حين تكون السلطة عاجزة عن دفع الرواتب وتواجه أزمة ديون متفاقمة تصبح قدرتها على خوض معارك سياسية مفتوحة داخل الأمم المتحدة محدودة للغاية وهو ما يفسر الحديث المتزايد عن وجود تفاهمات غير معلنة تربط بين تخفيف الأزمة المالية وبين تقليص التحركات الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية

 

في عمق هذا السياق يبدو أن واشنطن أرادت توجيه رسالة واضحة لقيادة السلطة مفادها أن أي محاولة فلسطينية لتوسيع حضورها السياسي أو القانوني داخل الأمم المتحدة ستقابل بعقوبات مباشرة سواء عبر التأشيرات أو من خلال ملف الأموال المحتجزة أو حتى بتعطيل أي تفاهمات اقتصادية تتعلق بالسلطة الفلسطينية وهو ما يعكس طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين الطرفين حيث تحولت المساعدات والتسهيلات المالية إلى أدوات ابتزاز سياسي دائم

 

التراجع الفلسطيني العاجل كشف أيضا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الاستراتيجية السياسية للسلطة نفسها خاصة بعد سنوات طويلة من الرهان على المسار الدبلوماسي والتفاوضي تجد القيادة الفلسطينية نفسها عاجزة حتى عن حماية حقها في الترشح لموقع بروتوكولي داخل الأمم المتحدة الأمر الذي يطرح تساؤلات واسعة في الشارع الفلسطيني حول جدوى هذا النهج السياسي وقدرته على تحقيق أي اختراق حقيقي في ظل استمرار الهيمنة الأميركية المطلقة على مسار القضية الفلسطينية برمتها

 

لقد بات من الواضح أن واشنطن لا تخشى المنصب بحد ذاته بقدر ما تخشى رمزيته السياسية ووجود مسؤول فلسطيني على منصة إدارة الجمعية العامة حتى لو بصورة جزئية يمثل اعترافا متزايدا بالحضور السياسي الفلسطيني داخل النظام الدولي ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية مساحة أوسع للتأثير في النقاشات المتعلقة بالحرب على غزة والاستيطان والاعتراف بالدولة ومستقبل القضية الفلسطينية وهو ما تعتبره إسرائيل جديا خطرا متراكما على صورتها الدولية التي تعرضت لاهتزاز غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة

 

بالتدقيق فيما جرى  نجد أن سحب ترشيح رياض منصور للمرة الثانية بعد انسحابه سابقا من سباق رئاسة الجمعية العامة يؤكد أن الضغوط الأميركية لم تعد تقتصر على منع القرارات الكبرى بل باتت تمتد حتى إلى التفاصيل الإجرائية والرمزية داخل الأمم المتحدة وهذا يكشف بوضوح حجم الحساسية الأميركية تجاه أي حضور فلسطيني متقدم داخل المنظمة الدولية مهما بدا محدودا من الناحية الشكلية

 

التدخل الامريكي ايضا يعكس أيضا مدى حدود القوة الفلسطينية داخل الأمم المتحدة رغم حصول فلسطين خلال السنوات الأخيرة على توسعة مهمة في حقوق المشاركة داخل الجمعية العامة بما يشمل حق تقديم المقترحات والمشاركة الأوسع في النقاشات الا إن هذه المكاسب تبقى مقيدة بالسقف الأميركي وبقدرة واشنطن على استخدام نفوذها السياسي والمالي والدبلوماسي لمنع تحول هذا الحضور الرمزي إلى تأثير فعلي داخل المؤسسات الدولية

 

السؤال الذي بات يطرح نفسه فلسطينيا وعربيا بالحاح إذا كانت السلطة الفلسطينية قد اختارت الانحناء أمام العاصفة الأميركية تفاديا لخسائر أكبر فإن الثمن السياسي والمعنوي لهذا التراجع يبدو كبيرا لأن الرسالة التي وصلت إلى العالم هي أن واشنطن ما تزال قادرة على تعطيل أي صعود فلسطيني داخل الأمم المتحدة حتى لو تعلق الأمر بمنصب إداري بسيط ومحدود وهو ما يضعف صورة السلطة ويعزز الانطباع بأنها تتحرك ضمن هامش ضيق تحدده الحسابات الأميركية والإسرائيلية أكثر مما تحدده الإرادة الوطنية الفلسطينية المستقلة ان وجدت طبعا

 

ختاما : يمكننا القول صراحة إن قضية سحب ترشيح رياض منصور لا تتعلق فقط بمقعد داخل الجمعية العامة بل تكشف طبيعة المعركة الحقيقية الدائرة حول مستقبل الحضور الفلسطيني في النظام الدولي وتؤكد أن الصراع لم يعد يقتصر على الأرض والحدود بل امتد إلى اللغة القانونية والمنابر السياسية والرمزية الدبلوماسية داخل المؤسسات الأممية وكل مساحة حضور فلسطيني مهما بدت صغيرة أصبحت بالنسبة لواشنطن وتل أبيب معركة حساسة يجب منعها لأنهما تدركان أن تراكم هذه المكاسب الرمزية والسياسية قد يتحول مع الوقت إلى واقع دولي جديد يصعب احتواؤه أو إلغاؤه

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط