كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السعودية و«القاعدة»... تغفر ولا تنسى

السعودية و«القاعدة»... تغفر ولا تنسى

تاريخ النشر: 2023-05-15 | 09:15

عشرون عاماً مرت على تفجيرات تنظيم «القاعدة» في مايو (أيار) 2003 بشرق الرياض، حين صدم الشعب السعودي بأبنائه وفلذات كبده ينشرون الخراب والدمار والقتل والدماء في أرجاء بلاده وبين مدنه وقراه وفي كل ربوعه، كانت الصدمة كبيرةً والحدث مروعاً.

حتى لا ننسى، فثمة قصص ثلاث تستحق أن تروى، إنها قصة كيف وصلنا إلى لحظة تفجر الإرهاب داخل السعودية، ثم قصة العمل البطولي والتاريخي في مواجهة الإرهاب حين استمر لسنواتٍ طويلةٍ وقاسيةٍ، ثم قصة الوصول إلى منبعه وقطع جذوره بالوعي والرؤية والمستقبل.

قصة التشدد والتطرف قديمة في التراث، وهي بدأت مبكراً في الإسلام مع فرقة الخوارج، ومن بعد افترق المسلمون فرقاً في العقيدة، ومذاهب في الفقه، ومدارس في السلوك، وفي لحظات التخلف كانت تطغى الخطابات المتشددة المنغلقة، وفي لحظات التحضر كانت تطغى خطابات الانفتاح والتسامح، وكعادة الدعوات التجديدية كان بعضها ينطوي على جيوب تطرفٍ وتشددٍ، إن لم تعالج فإنها تتفاقم وتتفشى.

كانت حركة «إخوان السبلة» حركة متشددةً لها داعمون ومنظرون دينيون جهلة ومتطرفون، وقضى عليها الملك عبد العزيز (1929)، وخرجت بعض الحركات المتشددة التي هاجمت مقر التلفزيون في الستينات، وخرجت جماعة «جهيمان» (1979)، التي احتلت الحرم المكي الشريف بالسلاح.

هذا في الشق المحلي من القصة المتعلق ببعض المتطرفين، أما في الشق الأصولي المنظم منها، فقد سعت جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي نشأت عام 1928، لبناء علاقات مع السعودية، خلال الثلاثينات، ورفض الملك عبد العزيز بوعيه الحاد طلب حسن البنا مؤسس الجماعة، افتتاح فرعٍ لها في السعودية، ويذكر فؤاد شاكر هذه القصة بقوله: «كانت مواسم الحج تحفل بعلية القوم، من كبراء المسلمين وزعمائهم، وكان الشيخ حسن البنا، من شهود أحد هاتيك المواسم، فتقرب من الملك عبد العزيز، وقال لجلالته، ما معناه، إن هذا بلد إسلامي؛ هو عاصمة الإسلام، ونحن مسلمون وإخوان، وأريد أن تسمح لي بإنشاء شعبة للإخوان المسلمين في هذا البلد الأمين... لقد أجابه (عبد العزيز) في ابتسامة مشرقة، وفي حزمٍ قويٍ، جواباً مسكتاً لا ردّ له ولا تعقيب عليه، قال له: يا أخي، لماذا ننشئ في بلادنا تحزباً وعصبيةً، والحقيقة، أننا كلنا مسلمون وكلنا إخوان؟». وبعد ضرب عبد الناصر للجماعة في مصر بعد محاولة اغتياله في حادثة المنشية (1954)، لجأت للسعودية ودول الخليج وغيرها، وقامت قياداتها بإنشاء فروع للجماعة داخل السعودية، وتغلغلت في كثير من المؤسسات الحكومية والأهلية، وفي التربية والتعليم والجمعيات الخيرية وكل المجالات، وولدت من رحم الجماعة جماعاتٌ أخرى مثل «السرورية» و«السلفية الجهادية» مشكّلة ما يعرف بـ«الصحوة الإسلامية»، وبعد الأحداث الكبرى دولياً وإقليمياً وفي النصف الأول من التسعينات، كشّرت الصحوة عن أنيابها، وأعلنت معارضة سياسية للدولة وهجوماً شرساً ضد كل المختلفين معها من المجتمع.

في منتصف التسعينات، اعتقل رموز الصحوة وأوقف التهييج السياسي الديني ضد الدولة والمجتمع، وحدث «تفجير العليا» (1995)، وبغياب رموز الصحوة خرج تيار جديد عرف حينها بـ«تيار التنوير»، وتصاعد حضور تيار «السلفية الجهادية»، ودخلت «منتديات الإنترنت»، واصطدم «التنويريون» بكل تيارات الصحوة حتى حانت لحظة الحقيقية وحدثت تفجيرات شرق الرياض (مايو 2003).

القصة الثانية قصة المواجهة مع الإرهاب حين كشر عن أنيابه؛ وهي ملحمة حكومية مجتمعية إعلامية تستحق أن تروى، أبطالها رجالٌ صادقون حملوا أرواحهم فوق أكفهم دفاعاً عن الوطن والاستقرار والأمن والدين، وتوالت عمليات القتل والتفجير والتخريب والتفخيخ والاغتيال، وقد نجحت الدولة وهزم الإرهاب في النهاية، وكان طبيعياً أن تعتور تلك المرحلة أخطاء فردية أو أخطاء في الرؤية الكبرى لطبيعة المواجهة، وكشفت الدولة عن بعض الاختراقات، مثل الأدوار التي مارسها الخائن المعروف «سعد الجبري» من موقع المسؤولية في سنواتٍ عصيبةٍ على الدولة والمجتمع.

القصة الثالثة قصة تصنيف جماعات الإسلام السياسي جماعاتٍ إرهابيةً بقوة القانون؛ وهي اللحظة التاريخية المهمة التي وصلت فيها المواجهة مع الإرهاب إلى النقطة المهمة والحاسمة، ومع رؤية «السعودية 2030» وتصريحات عرّابها وقائدها الأمير محمد بن سلمان المكتوبة والمرئية داخلياً وخارجياً، فإن البوصلة واضحة والأولويات الوطنية النهضوية الطاغية على المشهد جلية، ويبقى جهد المؤسسات القائمة وجهد الأفراد كل في مجاله، في دعم وتمكين هذه الرؤية وقائدها من تحقيق المنجزات وصناعة المستقبل.

لقد تمت عمليات منظمة للعبث بهذا التاريخ المظلم، وأصدرت جماعات الإسلام السياسي وبعض عناصرها والمتعاطفين معها كتباً وأبحاثاً ومقالاتٍ للعبث بهذا التاريخ، وإعادة رسمه وكتابته بطريقة تدين كل أحدٍ إلا تيارات الإسلام السياسي ورموزه وخطابه، ولديهم مراكز دراساتٍ إقليمية وشبكاتٍ إعلامية ومواقع إلكترونية، ويستخدمون كل وسائل التواصل القديمة والحديثة لبث ذلك العبث ومواصلة التشويه ونشر الخلط المانع من الوعي في محاولات جادةٍ وحثيثة للبقاء في المشهد لحين العودة إليه حين تتغير الظروف.

خرافة «نهاية الصحوة» خرافة بالغة الضرر على المستقبل، ولنأخذ عبرةً بالأمم الحية والمتقدمة علماً ووعياً، فالدول الغربية بعد هزيمة «النازية» بسبعين عاماً ما زالت جامعاتها وأكاديمياتها ومراكز أبحاثها تنشر الكتب والرسائل العلمية ضد «النازية»، وما زالت وسائل إعلامها تنتج الأفلام الوثائقية والمسلسلات والأفلام الدرامية في هوليوود وغيرها ضد تلك الظاهرة البشعة في تاريخ الغرب وتاريخ البشرية، ولم تكفهم سبعة عقودٍ من الجهود المكثفة والعمل المتواصل حتى يتوقفوا أو يتراجعوا أو يقتنعوا بنهاية الفكرة وانقضائها.

بالخطأ أو التواطؤ يستسهل البعض الزعم أن سنيّات معدودةٍ قادرةٌ على القضاء على خطرٍ بحجم «النازية»، وأن «الصحوة» انتهت دون جهودٍ حقيقيةٍ مثمرةٍ ودون مشاريع علمية باقية، ودون منظومة متكاملة سياسياً وتشريعياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً وإعلامياً وبحثياً، هذا أمرٌ دونه خرط القتاد، وهو لا يمكن أن يقف لأي جدلٍ علميٍ رصين.

حتى لا ننسى ولا نلدغ من الجحر نفسه مرتين فإنه يجب تحصين الأجيال الجديدة، التي ربما لا يعرف أكثرها تلك الجرائم والأخطار الكبرى ضدها وضد خطابها وآيديولوجيتها وتياراتها وجماعاتها، وضد الدول الداعمة لها إقليمياً ودولياً.

أخيراً، فإن الدول والأمم قد تغفر ولكنها لا تنسى، فمواجهة الأفكار والآيديولوجيات تحتاج استراتيجيات شاملة وممتدة تقضي على المشكلة وتحمي المنجز وتحصن الأجيال.
 عن "الشرق الأوسط"

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط