كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السلطة بين الانكماش وخطر التفكك ..ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟

السلطة بين الانكماش وخطر التفكك ..ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟

تاريخ النشر: 2026-02-17 | 23:16

لم تعد الأزمة الفلسطينية تُختزل في اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، ولا في انحياز إدارة أميركية هنا أو تراجع موقف أوروبي هناك. نحن أمام طور تاريخي يتجاوز الدبلوماسية والسياسات اليومية، إلى سؤال معنى ووظيفة: ماذا تبقّى من المشروع الوطني حين تنكمش السلطة التي وُلدت بوصفها إطارًا انتقاليًا نحو الدولة، لتجد نفسها اليوم أقرب إلى جهاز إدارة سكان تحت الاحتلال، إن لم يكن في سياق خطته ذاتها؟

ففي ظل تسارع الضم الزاحف في الضفة الغربية وتهويد القدس، واستمرار الحصار وعرقلة إعادة إعمار غزة، وتلاشي أي أفق سياسي في عهد إدارة ترامب، واكتفاء المجتمع الدولي بخطاب “حل الدولتين” دون أدوات إلزام، لم يعد التحدي فلسطينيًا خارجيًا فقط. الخطر الأعمق هو التحول التدريجي من سلطة يفترض أنها مؤقتة إلى واقع إداري دائم، منزوع السيادة والأفق. التآكل هنا لا يأتي في صورة انهيار مدوٍّ، بل في شكل اعتياد بطيء على الانكماش.

السيناريو الأقرب في المدى المنظور هو بقاء شكلي للسلطة، ومزيد من التضييق المالي والسياسي، وتسارع التوسع في الوقائع الاستيطانية، وتراجع متراكم في الثقة الشعبية. لكنه ليس مسارًا قدريًا بالكامل. حتى في سياق التآكل، يظل السؤال: هل تُعاد تعريف وظيفة السلطة أم تُدار الأزمة بالحد الأدنى؟

إعادة التعريف تعني تحويل السلطة من جهاز خدمات إلى أداة صمود مجتمعي؛ من إدارة الرواتب إلى حماية الأرض؛ من انتظار التحول الخارجي إلى الاستثمار في الداخل. تعني إعادة توجيه الموارد نحو دعم القطاعات الإنتاجية، وتحصين القدس والمناطق المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي المقاوم، وفتح الفضاء العام أمام مشاركة سياسية حقيقية تستعيد الثقة. الإصلاح بمضمونه الوطني هنا ليس مطلبًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء سياسي. فسلطة بلا شرعية مجتمعية تصبح أكثر هشاشة أمام أي ضغط خارجي.

غير أن التآكل قد ينزلق إلى تفكك وظيفي أو انهيار غير منظم، تحت ضغط مالي–أمني متراكم. هنا لا تعود المسألة إدارة انكماش، بل مواجهة فراغ. والفراغ في السياق الفلسطيني ليس مساحة حيادية، بل إنه دعوة مفتوحة لترتيبات خارجية، أو لفوضى داخلية، أو لإعادة تشكيل وهندسة قسرية للنظام السياسي. لذلك فإن التفكير في إطار وطني احتياطي "شبكة توافق عريضة من قوى سياسية ومجتمعية قادرة على إدارة انتقال منظم" ليس عملًا انقلابياً، بل إجراءً وقائيًا يحمي  المجتمع من أن يتحول الانهيار إلى تصفية.

في المقابل، يظل احتمال إعادة التأسيس قائمًا، وإن بدا الأقل تلقائيًا. هذا المسار لا يتحقق سوى بإعادة بناء التمثيل الوطني على أسس ديمقراطية شاملة، وإعادة تحديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وصياغة عقد سياسي يعرّف وظيفة السلطة بوصفها أداة خاضعة للمشروع الوطني لا بديلًا عنه. جوهر التحول هو نقل مركز الثقل من الرهان على الخارج إلى استعادة الشرعية من الداخل، بحيث يصبح المجتمع نفسه رافعة ضغط لإعادة تعريف الاتجاه.

في هذا السياق، تبرز الدعوة لانتخابات المجلس الوطني أو إشغال الناس بمسودة دستور. من حيث المبدأ، تجديد الشرعية التمثيلية وصياغة عقد دستوري جديد يمثلان استحقاقين وطنيين لا يمكن إنكارهما. لكن قيمة أي عملية انتخابية أو دستورية لا تُقاس بإعلانها، بل بشروطها السياسية. انتخابات تجري في ظل انقسام جغرافي وسياسي عميق، ودون اتفاق مسبق على برنامج وطني جامع، قد تتحول إلى إعادة إنتاج لموازين قوى قائمة، أو إلى آلية لإدارة الأزمة لا حلّها. ونقاش دستوري في غياب سيادة فعلية، وتآكل مستمر للحيز الجغرافي، لا يتجاوز كونه تعويضًا وهميًا عن عجز ميداني، أو إعادة ترتيب داخل النظام دون مساس بجوهر المأزق.

ليست المشكلة في الانتخابات أو الدستور، بل في خطر انزياح البوصلة من أولوية سؤال التحرر إلى سؤال الإدارة. حين يتحول الصراع من حماية الأرض إلى تنظيم النصوص، يصبح المشروع الوطني معرضًا للاختزال في هندسة حكم محدود، بينما الوقائع على الأرض تُعيد تعريف الحدود والسيادة دون انتظار.

من هنا يبرز السؤال المركزي: من يملك القدرة على كسر هذا المسار؟
الجواب لا يكمن في مؤسسة واحدة، ولا في فصيل بعينه، بل في ما يمكن تسميته “الكتلة التاريخية” أي تحالف واسع من قوى اجتماعية وثقافية ونقابية واقتصادية وسياسية، تتقاطع مصالحها عند حماية المشروع الوطني من الانكماش النهائي.
مسؤولية هذه الكتلة لا تقتصر على النقد أو إصدار البيانات. مسؤوليتها تاريخية في ثلاثة مستويات مترابطة:

أولاً، فرض أولوية الوحدة السياسية بوصفها شرطًا لأي عملية انتخابية أو دستورية. فلا معنى لتجديد الشرعية الإجرائية دون استعادة الحد الأدنى من الوحدة والبرنامج المشترك.

ثانيًا، استعادة الفضاء العام كمجال للنقاش والمساءلة والمشاركة. فالشرعية لا تُستعاد بقرار فوقي، بل بإعادة إشراك المجتمع في تعريف المسار.

ثالثًا، تحويل الصمود من خطاب إلى سياسة عامة من خلال دعم الإنتاج المحلي، وحماية الأرض، وتحصين السلم الأهلي، وبناء شبكات تضامن مجتمعي قادرة على امتصاص الصدمات.

الكتلة التاريخية ليست حزبًا جديدًا، بل وعيًا جمعيًا منظمًا، يضغط لإعادة تعريف وظيفة السلطة قبل أن يُعاد تعريفها من الخارج. إنها القوة القادرة على منع التآكل من التحول إلى قدر والانهيار إلى تصفية، والانتخابات أو الدستور إلى أوهام تجميلية لملئ الفراغ.

إن لحظة الانكماش الراهنة تحمل مفارقة عميقة: كلما ضاق الحيز السياسي، ازداد ثقل المسؤولية الداخلية. فإما أن يُعاد إنتاج المشروع الوطني من داخله، أو يُعاد تشكيله من خارجه. لا يكفي أن ننتظر تغير الإدارات أو تبدل المواقف الدولية. التاريخ لا يمنح الشعوب ترف الانتظار الطويل حين تكون الأرض نفسها في طور إعادة التعريف.

ما العمل إذن؟

ليس انقلابًا ولا مغامرة، بل انتقالًا من إدارة الأزمة إلى إعادة توجيه المسار. وإذا كانت اللحظة هي لحظة انكماش، فإن الرد عليها لا يكون بالانكفاء، بل بإعادة ترتيب موازين القوة داخل المجتمع نفسه. هنا تتحول المسؤولية من سؤال أخلاقي إلى واجب تاريخي على الكتلة الوطنية العريضة.

أولاً: تثبيت قاعدة الحد الأدنى الوطني؛
الخطوة الأولى ليست انتخابًا ولا دستورًا، بل اتفاق سياسي على أولويات لا خلاف عليها:
وقف الضم الزاحف، فك الحصار عن غزة، حماية القدس، ومنع تكريس الانفصال الجغرافي والسياسي.

هذا الحد الأدنى ليس برنامجًا فصائليًا، بل مظلة جامعة تُعلّق تحتها الخلافات الثانوية. بدون هذا الأساس، تصبح أي عملية سياسية "انتخابية أو دستورية" مجرد إعادة إنتاج للانقسام لا تجاوزه.

ثانيًا: استعادة الفضاء العام كمجال سيادي داخلي؛ لا يمكن استعادة الشرعية دون إعادة فتح المجال العام.
الحرية السياسية ليست ترفًا، بل شرط تعبئة. المطلوب تحرير العمل النقابي والطلابي والمدني من القيود، وإعادة الاعتبار للنقاش العام بوصفه أداة تصويب لا تهديدًا للاستقرار.
فالسلطة التي تخشى مجتمعها تفقد قدرتها على تمثيله.والمجتمع الذي يُقصى عن القرار يفقد استعداده للدفاع عنه.

ثالثًا: إعادة تعريف وظيفة السلطة عمليًا؛
بدل أن تبقى السلطة جهازًا لإدارة الرواتب والخدمات، يجب تحويلها إلى أداة صمود:
•إعادة توجيه الموازنات نحو القطاعات الإنتاجية والزراعة والصناعات الصغيرة.
•دعم صمود المناطق المهددة بالضم عبر خطط تمكين حقيقية لا رمزية.
•تحويل البلديات إلى مؤسسات حماية مجتمعية، لا منصات تنافس إداري.
هنا يصبح البعد الاقتصادي جزءًا من مقاومة الوقائع المفروضة، لا مجرد إدارة للأزمة المالية.

رابعًا: إعادة بناء التمثيل الوطني؛ 
معالجة تآكل الشرعيات المتحكمة بالمصير الوطني يجب أن تنطلق من الإقرار بفشلها، وبما يفضي لبناء تمثيل وطني ديمقراطي يستجيب للأولويات الراهنة في تعزيز قدرة الناس على الصمود وصون الهوية الجامعة،  وحق الدفاع عن النفس، والتصدي لمخططات تصفية حق العودة وتقرير المصير. أما النقاش الدستوري، فيجب أن يرتبط بإعادة تعريف المشروع الوطني ووظيفة السلطة، وليس تكريس الحالة القائمة التي أوصلت القضية الوطنية لهذا الانسداد، وغير ذلك يصبح مجرد ملهاة تتعارض مع الأولويات الشعبية، سيما في ظل غياب سيادة حقيقية، ومخاطر وجودية داهمة .

خامسًا: بناء شبكة أمان انتقالية؛
في ظل احتمال الانهيار أو التحول القسري، يجب إنشاء إطار وطني احتياطي "غير تصادمي "قادر على إدارة أي انتقال مفاجئ.
هذا الإطار يضم شخصيات وقوى مجتمعية وفصائلية تتفق مسبقًا على حماية السلم الأهلي ومنع الفراغ من التحول إلى فوضى أو وصاية. فالاستعداد للسيناريو الأسوأ هو شرط منع وقوعه.

سادسًا: نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل؛
هذا لا يعني ذلك إغلاق الباب أمام الدبلوماسية، بل إعادة ترتيب الأولويات. الرهان الخارجي بلا قاعدة داخلية يتحول إلى انتظار طويل. أما حين يستند الخارج إلى شرعية داخلية متماسكة، يصبح داعمًا لا بديلًا. فالقوة التفاوضية لا تُستمد من البيانات، بل من وحدة المجتمع وصلابته.

سابعًا: بلورة الكتلة التاريخية كحامل للتغيير؛
الكتلة التاريخية ليست شعارًا بل عملية تراكمية بتحالف بين النخب الثقافية، النقابات، قطاع الأعمال، القوى الشبابية، والقيادات السياسية المستعدة لتقديم تنازلات متبادلة من أجل المشروع الأكبر. وظيفتها ليست إسقاط النظام، بل إعادة توجيهه. وليست منازعة الشرعية، بل استعادتها.

خارطة الطريق هذه لا تعد بحلول سريعة، لكنها تمنع التآكل من أن يصبح قدرًا، والانهيار من أن يصبح تصفية، والانتخابات أو الدستور من أن يتحولا إلى أدوات تجميلية أو ملهاة لشراء الوقت. إنها تنقل سؤال “ما العمل؟” من مستوى الخطابة إلى مستوى الفعل المنظم.

السؤال لم يعد: هل تتغير الظروف؟
بل: هل تتكوّن إرادة جماعية قادرة على تحويل لحظة الانكماش إلى لحظة إعادة تأسيس، قبل أن يُعاد تعريف فلسطين من خارجها لا من الفلسطينيين أنفسهم ؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط