كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السودان... الخلطة السحرية للحرب الأهلية!

السودان... الخلطة السحرية للحرب الأهلية!

تاريخ النشر: 2023-04-29 | 08:00

حتى لو توقف إطلاق النار، فإن الصراع الذي انفجر في عاصمة السودان، ستبقى آثاره جرحاً غائراً لدى السودانيين، سقط السودان في معضلة وجود سلاحين في دولة واحدة، وشهوة العسكر إلى الحكم.

لأسابيع في نهاية عام 2018 وبداية عام 2019 انشغل العالم بمتابعة أحداث السودان، وقتها كان مأمولاً أنه في طريقه للتخلص من حكم شمولي وقمعي اتخذ آيديولوجية دينية للحكم، وبفشل تنموي ضخم وعداء للعالم والجوار، ظنَّ كثيرون أن ذلك آخر معاناة السودان، وأنهم سوف يفيقون من العثرات! إلا أن الحراك السوداني استمر إلى يومنا هذا بين مد وجزر، مع توقيع عدد وافر من الاتفاقات التي تمزق قبل أن يصبح عليها النهار؛ لأن في السودان «هوية مأزومة» وستبقى؛ إذ النظام السابق خلق ثنائية عسكرية ظن أنها تحميه، فأصبح الشعب السوداني هو الضحية.

انفجر الصراع الساخن بين مكونين عسكريين في مجملهما هما نتاج النظام القديم، نظام عمر البشير ورهطه. فكرة تسليم الحكم في السودان إلى المدنيين هي فكرة غير واقعية، وكلما اقتربت القوى المختلفة على الاعتراف بتلك الحقيقة، كان ذلك أفضل؛ لأن المكون المدني فشل أكثر من مرة، كل فريق مدني يريد الاستحواذ دون الاعتراف بالآخر، وهي صلب المعضلة السودانية، مدنيين وعسكريين.

الشبكة الاجتماعية السودانية مهيأة كثيراً لاستقبال ذلك النوع من الفكر «المُرجئ» وسلوك التفكيك، والذي لم يترك للتنمية والتقدم والاستقرار مكاناً، وهو اليوم يسقط في نفس الشبكة من الحبائل بين المتقاتلين، فحتى رمضان لم يمنعهم من قتل بعضهم بعضاً، وبعد أن كان الاقتتال على الأطراف أصبح في العاصمة وبين المدنيين!

المرض الذي يعاني منه السودان (سوداني بامتياز) هو فشل في إقامة الدولة الحديثة، بسبب رفض الاعتراف بالتعدد (العرقي والمناطقي والاقتصادي) رغم ما يتوفر للسودان من إمكانات اقتصادية هائلة، وهو فشل في إدارة الموارد مسؤول عنه مباشرة النخب السودانية لا غير، العسكرية والمدنية معاً.

تذكرنا الإحصاءات العالمية بأن نسبة الفقر في السودان وصلت في السنوات الأخيرة إلى خمسين في المائة من السكان، وتضخماً هائلاً يصل إلى ثمانين في المائة، أما نسبة البطالة فهي تشمل ربع السكان تقريباً البالغ مجموعهم نحو أربعين مليون نسمة؛ أي إن هناك عشرة ملايين سوداني لا يجد عملاً!

موارد السودان الاقتصادية هائلة، هناك مثلاً خمسون مليون بقرة في السودان، وفي نفس الوقت شح في منتجات الألبان. في هولندا للمقارنة، خمسة ملايين بقرة، وتصدر منتجاتها إلى العالم! بلد غني بالموارد وفقير بالنخب الوطنية، رغم كل الطنين والشعارات، ترى بعض الدراسات أنه لو زُرعت أرض السودان القابلة للزراعة فقط بـ«البرسيم»، لكان دخل السودان أكبر من دخل دول الخليج من النفط.

بلاد خصبة، وأراضٍ زراعية واسعة، ومياه وفيرة، وثروة حيوانية وسمكية، وأكبر احتياطي من النحاس في العالم، وبعض مناجم الذهب... كل ذلك يقابله حكم عسكري ممزوج بآيديولوجيا فاقعة لا يصدقها إلا مريدوها.

هل هي غفلة مرضية عن آليات التحديث التي أصبحت معروفة اليوم، والتي بموجبها تتغير المجتمعات، حرمت السودان من الوصول إلى بر الأمان وسقط في بحر من التيه، الذي أوقع النخبة السودانية في مأزق طويل، وولجت البلاد نفقاً استُنزفت معه طاقات الشعب السوداني وموارده؟

انقسام السودان، وبالتالي أزماته، في جزء ليس يسيراً منها بسبب ذلك المشروع الماضوي. وقد صاحب ذلك كم من الأساطير والخرافات وُظفت في ذلك الصراع، وهي أساطير لا يقبلها عقل. لقد دخل السودان ذلك الصراع الطويل بعقل منهك، يحمل كل مظاهر الإعاقة السياسية، فخسر نصفه، وأشعل حروباً في نصفه المتبقي، وما زال بعيداً عن إبصار الحقائق.
في السودان نحو خمس وثلاثين جامعة (بعضها جامعات بالاسم فقط)، ولكن من ست الجامعات الكبرى، ثلاث فقط بها كليات لتعليم الزراعة! وهي الثروة الرئيسية في البلاد! والأكثر غرابة أن بعضها به «كليات بترول»، والبترول أصبح مع الجنوبيين! من المفارقات أنه البلد العربي السابق في التعليم الجامعي الذي بدأ مع بداية القرن العشرين تقريباً، وتعمل قيادات علمية وإدارية سودانية بنجاح في مؤسسات دولية عديدة!

العجب أن السيرة مستمرة، فقد لجأت النخبة السودانية لأساطير أخرى من جديد لتفسير ما يحدث اليوم من احتراب، على أنه «مؤامرة خارجية» تريد بالسودان شراً! وأن المطلوب من الجماهير السودانية الصبر والتصدي لتلك المؤامرة! ربما ذاك تجسيد حي لكون البعض يبصر الأشياء ولا يراها! أو الحاجة لعدم الرؤية! في السودان اليوم صواريخ ورصاص أكثر مما به من الأدوية، وشره في الحصول على المغانم حتى لو دُمرت العاصمة.

ليست هناك خلطة سرية لإدارة المجتمعات بنجاح، فتلك الخطط معروفة ومسطرة في أكثر من جزء من عالمنا. تغيير المجتمعات إلى الأفضل ممكن، وأول الشروط الاستناد إلى مُثل عليا حياتية (وليست أسطورية)، ومن خلفها إرادة حقيقية لتحقيق الخير العام، وما يتبعها من قضاء تام على الفساد، واستقلال القضاء، وإدارة علمية حصيفة، واستثمار في رأس مال بشري منتج، وقوانين حديثة وعادلة، وتبادل سلمي للسلطة، والاعتراف بالتعدد، من بين أمور أخرى يعرفها أي مشتغل في الشأن السياسي العام! كل ذلك يعرفه أهل القرار في السودان ويتجاهلونه عمداً!

اللجوء إلى العنف، كما يحدث أمامنا، ولبس ملابس «الأسود والثعالب» في الوقت نفسه، ولعب أدوار أكبر من قدرة البلد وطاقته على الاحتمال، لا تقدم حلولاً، هي فقط تخلق مشاكل، وتسارع بالانفجار الكبير وتفتيت السودان أو ما بقي منه، ولا توصله إلى مرافئ آمنة.

والتحليق في ضباب الأسطورة، أو الارتكان إلى ترويج نظرية المؤامرة أو اغتصاب السلطة بقوة المدافع... كل ذلك ليس من أحجار بناء الدولة الحديثة. قد ينجو السودان اليوم من الموجة الحالية بخروج غالب ومغلوب، ولكنه خروج مؤقت لا غير، وقد تستعاض أشكال الحكم بأخرى، وسوف تكون مؤقتة أيضاً، إلا أن الحلول «الأمنية» و«الشعاراتية» والصاروخية، لن تأخذ السودان إلى بر الأمان؛ بل سيظل السودان في هذه الريبة حتى يأتي من يفرق بوضوح بين إدارة الدولة الحديثة، وما تتطلبه من أدوات، بالتأكيد يكون فيها توفر الأدوية أكثر من توفر الرصاص.

آخر الكلام: من حِكم السودانيين: «شوكة حوت لا تخرج ولا بتفوت»!

عن الشرق الأوسط السعودية

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط