كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السودان في اتجاه معلوم..

السودان في اتجاه معلوم..

تاريخ النشر: 2019-01-11 | 22:16

أثبتت التجارب السابقة في البيئة العربية ان الوعي محكوم وفق عدة عوامل غير طبيعية أهمها: أولًا: أن قوى الاستعمار المتنوعة تشكل ناظمًا فاعلًا لحركة الجماهير وفق مصالحها وأهدافها، خاصة وأن هذه القوى تمتلك مؤسسات مجتمعية وإعلامية في البيئة العربية قوية وذات نفوذ وقدرة على توجيه مسار الوعي ومتجهاته، بما يتناسب ويتلائم وجملة الأهداف المحددة وفق درسات وأبحاث استراتيجية، وفق خطط تكتيكية واستراتيجية تبنى بناء على هذا الوعي المحدد والممنهج علميًا، وما يؤكد ذلك ما أفاضت له حرّاكات البيئة العربية في مصر وسوريا وليبيا واليمن وتونس، حيث كان الهدف الرئيس تحطيم مؤسسة الدولة تحت ستار تغيير النظام، وعبث كل الأصابع في مسيرة حياة هذه الشعوب المجتمعية، وقيادتها نحو واقع فوضوي عبثي. ثانيًا: غياب النخب العربية المثقفة الوطنية التي تستطيع امتلاك زمام الأمور، والتأثير في مناحي ومتجهات الوعي الشعبي وقيادته نحو وعي مؤثر في إحداث التغيير الحقيقي دون اختراق مؤسسة الدولة وتحطيمها، وجل هذه النخب أصبحت غير مستقلة، وغير ناجزة، وإنما هي مُسيرة بفعل سياسات وايديولوجيا مصطنعة تتبع احدى القوى أو الإستراتيجيات التي توجه الوعي في ظل حالة استسلام وخضوع كاملة، والإشتباك الهادف لقيادة حرّاك البناء وإعادة البناء وفق النماذج التاريخية التي شهدها القرن التاسع عشر العشرون. ثالثًا: سياسة التجهيل والتغريب التي قادتها الأنظمة الشمولية العربية عبر حقب وعقود طويلة اثرت بفعل مؤثر في الوعي الشعبي العربي الذي تحول من هامشي لأكثر هامشية رغم كل مظاهر الانفتاح والتطور الذي يشهده العالم الكوني، إلا أن هذا التطور والانفتاح لم يؤثر بجوهر القضايا الأساسية التي يمكن البناء عليها في بناء الإنسان المنتج، المقاوم، المنتمي، بل هي أدت إلى بناء أنسان عربي هامشي شكلي لا يبحث في أعماقه البشرية إلا عن مظاهر الإشباع اللحظية لإحتياجاته الإنسانية الذاتية. رابعًا: شهد التاريخ عدة نماذج ثورية انطلقت من الاحتياجات الجوهرية للإنسان، ومتطلباته الإنسانية التي يمكن من خلالها بناء مؤسسة الإنسان التي من خلالها يقاتل ويناضل من أجل الاحتياجات الجمعية لبناء وتطوير الدولة والمجتمع، وهي النماذج التي نجحت رغم أنها انحصرت أيديولوجيًا في قولبة معينة ولكن في واقعنا أو بيئتنا العربية غابت هذه النماذج أو غُيبت في الحرّاكات العربية وكان الفعل نتيجة لسد الاحتياجات الذاتية الآنية للإنسان والمواطن والذي بدوره حطة الدولة المؤسساتية، وترك دولة الفوضى.. ورغم أن هناك العديد من الأسباب التي لا يمكن حصرها فيما سبق، إلا أن ما سُرد سابقًا هو المؤشر الفاعل لجملة المؤثرات التي تتحول من خلالها قوة الفعل الثوري الجماهيري العربي لقوة فوضى تحطيمية، تحطم مكونات ومؤسسات الدولة وهذا لغياب وعي الانتماء لهذه المؤسسة التي تمارس ضد المواطن الفساد، والظلم، والاعتداء على احتياجاته وقدراته، وانحصار وجودها في فئة أو نخبة معينة. فجمهورية السودان العربية هي أحد الجمهوريات العربية المتآكلة داخليًا منذ زمن بعيد، حيث إنها تخضع لعدة مؤثرات منها الداخلي الممثل بطبيعة النظام القائم الذي خاض و لا زال عدة أزمات داخلية ومشاكل كبرى مثل الحروب والإقتتال الداخلي الأهلي، وحرب الجنوب التي أدت إلى الإنفصال التام والذي كان له مؤثرات اقتصادية وسياسية سلبية على السودان، وتوغل الأفكار الانفصالية والصهيونية في العديد من قوى الانفصال السودانية التي عززت مفهوم إخراج السودان عن واقع قضاياه العربية العميقة والعامة، أضف لذلك حالة الحصار المفروضة على النظام السوداني من قوى استعمارية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، والخلافات العميقة التي نشبت بين النظام السوداني ذو الخلفية الإخوانية وبعض الأنظمة العربية مما أربك السياسات السودانية الإستراتيجية في عقد تحالفاته وإرادته السياسية التحالفية. يضاف أيضًا حالة الخلافات الداخلية والإنقسامات الداخلية التي نشبت بين جماعة الأخوان المسلمين الحاكمة نفسها في السودان وأصبحت أشبه بجماعتين، جماعة حاكمة وجماعة معارضة، ناهيكم عن الأوضاع الاقتصادية التردية التي من أهم أسبابها انتشار الفساد بكل مناحي الحياة السودانية، وغياب الرقابة الحازمة والصارمة ومقاومة توغل الفساد بكل مناحي الحياة السودانية ومفاصل الدولة، رغم محاولات الانفتاح الاستثمارية الاقتصادية وجلب رؤوس الأموال المستثمرة عربيًا وعالميًا، إلا أن معظم فوائد ومكتسبات هذا الإنفتاح الاستثماري لم يلمسها المواطن السوداني، والبنى التحتية السودانية، بل كانت فوائد هذا الانفتاح تصب في صالح فئة معينة متنفذة، وما تبقى من هذه المكتسبات لا يؤثر على رفاهية المواطن السوداني الجوهرية بل الشكلية لذلك انعكست نتائج هذا الانفتاح الاستثماري بالسلب على قضايا واحتياجات المواطن الأساسية، وأصبح يطحن أمام غلاء وارتفاع الأسعار والمواد الرئيسية التي رفع عنها الدعم الحكومي، وغياب مصادر الدخل ومحدوديتها، لذلك ساهم الانفتاح الاستثماري في تضييق الخناق على متطلبات المواطن الرئيسية. الشبكة البيئة الجيوسياسية السودانية شبكة معقدة أثنيًا وسياسيًا، وتتطلب قدرة مركزية على التفاعل والتعامل معها وفق استراتيجيات جوهرية تستهدف بناء المجتمع السوداني الناجز في كتلة واحدة صلبة تستطيع التوحد والتلاحم في معركة البناء والتطور، والنهوض في واقع وحياة المواطن السوداني، وعليه فهذه الشبكة وإن كانت في ظاهرها سودانية واحدة، إلا إنها في جوهرها شبكة مشتتة متفرقة، تستهدف إثنيتها العقدية في الجزء وليس الكل، وهذا ما فشلت به مؤسسة الدولة السودانية في التخطيط الاستراتيجي، ولم تستفد من تجارب دارفور وتجربة الجنوب، وارتكزت في فهمها المؤسساتي لعاملين أولهما التعويل على التحالفات السياسية الإقليمية العربية وهو ما دفع المؤسسة السودانية الرسمية للمشاركة في حرب اليمن بالرجال والعتاد، العامل الآخر سياسة الانفتاح الاستثماري الداخلي وجلب رؤوس الأموال العربية وغير العربية إلى السودان، والناظر بعمق إلى هذين العاملين، والمتتبع لسياسة الدولة والتحولات يدرك أن هاتين السياستين فشلتا جدًا في أهدافهما، حيث قام الرئيس السوداني قبل عدة أشهر بزيارتين لموسكو ومن ثم لدمشق، وانحراف تام في السياسة التحالفية السابقة، والآخر هو تحول مكتسبات الاستثمار لنتائج عكسية على المواطن السوداني وعدم تأثير هذه الاستثمارات في البنى التحتية الرئيسية للمواطن السوداني. انطلق الشعب السوداني في مظاهر احتجاجه ضد ارتفاع أسعار الخبز، وهي الحاجة الأساسية للمواطن الغارق في همومه اليومية، واللاهث خلف احتياجاته الآنية، مما يؤكد ما اسلفنا به سابقًا أن هم المواطن أو وعي المواطن ارتبط باحتياجاته الذاتية والآنية، وبدأ الشارع السوداني في الحركة في مشهد لم يختلف عن أي مشهد آخر في ساحتنا العربية، شعب يخرج ودولة تهدد وتتهم وتعتقل، إلا أن الرئيس السوداني استطاع استدراك الأمر سريعًا في إنه بدأ يتجه بخطابة للشعب السوداني بلغة التعقل تارة، والوعود أخرى، أي الترغيب المبطن بالتهديد، وبدأ البنك المركزي السوداني يطرح ويعلن عن خطط مستقبلية اقتصادية تخفف من وطأة التضخم الاقتصادي، وانهيار الجنيه السوداني، وهي سياسة جديدة يمكن لها أن تجد تفهمًا لدى المواطن، والتي من خلالها يمكن أن لا يترتفع في متطلباته الحرّاكية، ويختصرها في اتجاه وحدود معينة، وهذا ليس بذكاء المؤسسة الرسمية وحنكتها فحسب، بل بغياب القوى المعارضة القوية والرئيسية التي يمكن أن تؤثر بالشارع كما كانت عليه في الدول العربية الأخرى، حيث ظهرت جماعة الأخوان المسلمين التي يمثلها تيار الترابي في بداية الأزمة ببيان خجول يؤكد على حق الشعب السوداني بالغضب ولكن مع الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وهذا إدراكًا من هذا التيار أن طرف السلطة الموجود حاليًا ليس طرف نقيض أو عدو بل هو طرف يشكل جزء من جماعة الأخوان وإن كان هناك خلافات سياسية عميقة، إلا إنها ليس خلافات عقائدية أو أيديولوجية، بل هي تناقضات ثانوية لا تؤدي لتحطيم الدولة ومؤسساتها كما حدث في دول عربية أخرى، مع غياب القوى الأخرى عن التأثير بقوة الدفع بالشارع السوداني وإن كانت الإتهامات وجهت في بداية الأمر للحزب الشيوعي السوداني في عطبرة، ولكن هذا الحزب يعاني أزمات عديدة داخلية لا تمكنه من قيادة الشارع السوداني، أو قيادة المعارضة السودانية في الوقت الراهن. في السياق العام فإن الأزمة السودانية الحالية لا يتوقعع لها أن تتحول لأزمة كما حدث في الدول العربية، لأنها لا تمتلك محرك قوي وناجز ومؤثر أولًا، ولا تمتلك قوى اقليمية داعمة بالمال كما حدث في دول عربية أخرى. بل هي حرّاك أو أزمة احتجاج ضد متطلبات الفرد والمواطن السوداني، يمكن علاجها مؤقتًا باتجاهين الأول الاتجاه الآني الذي تنتهجه الحكومة السودانية من محاولات امتصاص الغضب السوداني ومراجعة جملة الأسعار للسلع الرئيسية، والتقارب مع بعض القوى المعارضة كالقوى الصوفية والمقربة من النظام في الشارع السوداني ضمن دائرة الوعود ببعض التغييرات الهامشية في تركيبة الحكومة السودانية الحالية، والثاني اتباع سياسات تحد من مظاهر الفساد في الواقع السوداني من جهة، والاتجاه بالشعب السوداني لخيارات الديمقراطية(الانتخابات) من جهة أخرى، وحصر الأزمة وانحصارها في معالجات تكتيكية غير جذرية، بل معالجات لحظية تشبع جزء من رغبة ومتطلبات المواطن السوداني، مع الحرص أن شعلة النيران لن تنطفئ بل ستبقى متقدة وشذوتها مشتعلة في واقع البيئة السودانية وتركيبتها أن لم تتخذ الحكومة اصلاحات جذرية ورئيسية تشمل كل مناحي الحياة السودانية. 

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط