كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية: من الاحتلال إلى السيادة الفعلية الصامتة

لم تعد الضفة الغربية ساحة لواقع احتلالٍ قابلٍ للإدارة، بل تحوّلت إلى مختبرٍ لسياسة إسرائيلية قديمة بثوب أكثر صلافة؛ سياسة تبنى بهدوء، وتنفذ بتدرّج، لكنها تستهدف في جوهرها إنهاء الصراع من طرف واحد، لا عبر حلّه، بل عبر شطبه سياسياً. 
ما تكشفه دراسة أودي ديكل وتامي كينر المنشورة في “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” تحت عنوان: “تحوّل في التصور تجاه الضفة الغربية، يقوم على الأمن المطلق، والحسم، وفرض السيادة”، لا يكمن الخطر فيه في حجم التغييرات المتراكمة فحسب، بل في طبيعتها البنيوية؛ إذ انتقل الاحتلال من منطق (الإدارة المؤقتة) إلى (تثبيت السيادة الدائمة) بلا ضجيج قانوني، بل عبر وقائع قهرية تُفرض على الأرض.

وتشير الدراسة إلى أن فكرة “الأمن المطلق” التي تعززت بعد السابع من أكتوبر صارت تؤدي وظيفة سياسية مركزية، إذ تفترض أن كل تهديد يستدعي رداً عسكرياً ، وأن إسرائيل يجب أن تحافظ على حرية العمل العملياتي والسيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية. في المقابل، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع أي تسوية سياسية باعتبارها خطراً استراتيجياً. ورغم أن الوضع القانوني الرسمي لم يتغيّر شكلياً، إلا أن الحكومة تعمل على فرض سيادة فعلية تغيّر بنية السيطرة وطبيعتها من الداخل، من دون الحاجة لإعلان قانوني صريح يصطدم بالمجتمع الدولي.

مع صعود دور بتسلئيل سموتريتش داخل وزارة الدفاع وسيطرته المتزايدة على الإدارة المدنية، تبدأ استراتيجية الحسم من تأميم الحيز الجغرافي؛ فالأرض لم تعد مساحة للتفاوض، بل مادة يُعاد صهرها قانونياً وإدارياً لقطع الطريق أمام أي كينونة فلسطينية مستقبلاً. فتح سوق الأراضي، استئناف تسوية الملكيات، وتحويل الدولة إلى لاعب مباشر في الشراء، كلها ليست إجراءات تقنية، بل أدوات لتثبيت ملكية نهائية تغيّر جوهر الصراع الجيوسياسي.
ثم يأتي الاستيطان، لا بوصفه توسعاً تدريجياً، بل كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتفكيكها في آنٍ واحد. هو يُغرس داخل النسيج الفلسطيني نفسه، لينتج خريطة بديلة: أرضٌ مجزأة، حركةٌ مقيدة، واعتماد يومي على منظومة السيطرة الإسرائيلية. وبهذا، لا تُستهدف فكرة الدولة الفلسطينية سياسياً  فقط، بل يُجري تفريغها من مضمونها الجغرافي والعملي قبل أن تولد.

وفي المقابل، يجري تفكيك الركيزة السياسية الفلسطينية بشكل منهجي. فالسلطة الفلسطينية لا تُضعف عرضاً، بل تُستنزف مالياً وإدارياً، بما يعني أن الخطر لا يكمن فقط في غياب الدولة، بل في إفراغ الساحة من أي إطار قادر على تمثيل مشروع وطني جامع، وشطب الجهة التي تحمل هذا المشروع أصلاً.
وفي قلب هذا المشهد، يتجاوز “عنف المستوطنتين” كونه ظاهرة هامشية ليصبح نمط عمل ممنهج يحظى بحماية مؤسسات الدولة. هذا العنف، مع غياب الردع، يتحول إلى جزء بنيوي من بيئة السيطرة لإنتاج واقع ضاغط يعيد تشكيل التوزيع الديمغرافي قسراً.

كل ذلك يقدم تحت غطاء “الأمن”. لكن المفارقة أن هذه السياسات لا تُنتج أمناً مستقراً، بل تزيد من نقاط الاحتكاك وتُثقل كاهل المنظومة الأمنية، مما يكشف أن “الأمن” هنا ليس هدفاً نهائياً بقدر ما هو ذريعة لتمرير مشروع الحسم.
في هذا السياق، يبرز التحول الأخطر: تحويل الفلسطيني من "شعب" يملك حقاً سياسياً إلى مجرد "سكان" داخل منظومة إدارة. تُقيد حركته، وتُحاصر خياراته ضمن حيّز بلا أفق. ومع تآكل الإطار التعاقدي القديم وفقدان التصنيفات (A, B, C) لمعناها، يتشكل واقع دائم يُفرض بالقوة، يمتد نموذجه من الضفة وصولاً إلى غزة، حيث تُستخدم أدوات أكثر حدّة للفكرة نفسها: إعادة تشكيل الصراع حتى يفقد معناه السياسي.

إن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تغيير في السياسات، بل هو إعادة صياغة للقضية الفلسطينية من أساسها. غير أن هذا “الحسم” الذي يُبنى بصمت لا يُنهي الصراع، بل يؤجله على نحوٍ أكثر انفجاراً، فالوقائع التي تفرض بالقوة لا تنتج شرعية، والسيطرة التي تلغي السياسة تفتح الأبواب مشرعة أمام صراع وجودي أشد قسوة، وأقل قابلية للاحتواء.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط