كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

السياسة والمال في فلسطين سياسة المال ومال السياسة

احدى المقاييس الاساسية لتقييم نجاح نظام سياسي معين هو تعامل السلطتان التنفيذية والتشريعية بالمال العام وقدرتهما على تثبيت اقتصاد وطني يحفظ للشعب الكرامة والرفاه الاجتماعي النسبي مع مراعاة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في الدولة ومحاولات تضييق هذه الفجوات وتحجيمها حفاظا على السلم الاجتماعي، الرافعة الاساسية لنجاح كل مجتمع.

في الحالة الفلسطينية كان للمال ومنذ بداية النضال الفلسطيني المنظم وحتى يومنا هذا دور أساسي ومهم، لكنه، ان أردت ان اكون متواضع بتقيمي،  غالبا ما كان دوره سلبي ومضر للمصلحة الوطنية.

في الفترة ما قبل أوسلو كانت السياسة المالية لمنظمة التحرير الفلسطينية مبهمة وغامضة وشبه سرية لأسباب مفهومة تتعلق بكون م-ت-ف حركة تحرر ثورية وإعدائها كانوا يتربصون لها خلف كل زاوية لإيقاع بها وتدميرها. لكن هذا لم يمنع القيادة المتنفذة في المنظمة باستخدام المال العام سوط ضد الآخرين من أشخاص وحركات وطنية اما لشراء الذمم لتنفيذ مشروع ما او إسقاط مشروع آخر لم يلقى استحسان راس الهرم  في م-ت-ف.

وتفننت القيادة المتنفذة في استخدام المال كسلاح ضد معارضي خطها السياسي خصوصا بعد البدء في مسار مدريد الذي انتهى الى كارثة أوسلو في سبتمبر ١٩٩٣ وتقديم الانتفاضة قرباناً على المحراب الامريصهيوني وتحويل الشعب الفلسطيني مع تأسيس السلطة الفلسطينية من شعب بكرامة الي شعب متسول تداس كرامته كل صباح ومساء. وأصبح الهم الأساسي الفلسطيني الرسمي ورياضته المحببة الركض والتسول  لتلقي فتات الدول والجهات المانحة. ومؤسسات المجتمع المدني(NGOs) في فلسطين المحتلة والتي أصبح تعدادها بالآلاف أصبحت سيد من أتقن التسول للحصول على الدعم من الدول المانحة و وصل الوضع الى حد يمكننا أن نسميه بحق وبجدية "صناعة ال "NGOs "  في فلسطين. 

وعودة بنا الى لب الموضوع ،نستطيع ان نختصر تقييم السياسة المالية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية ومنذ تأسيسها في جملة واحدة - حدث ولا حرج.

الإخفاقات والتجاوزات والهدر والاختلاس للمال العام ميزات للسلطة وقسم من قياداتها، وحتى انه لم يعد يهمهم إخفاء الفضائح المالية وسوء التصرف بالمال العام وحقيقةالاختلاس وفن استغلال الموقع السلطوي للوصول الى غناء فاحش. واصبح التنافس الوحيد في صفوف عدد لا باس به من مسؤولي السلطة في المراكز العليا إظهار ثراءهم  الذي تكدس في سنوات تربعهم على عرش وزارة او دائرة في السلطة. ومن يدعي العكس اما انه يحاول ان يخفي ضوء الشمس بالغربال او انه أعمى او متعامي!  وإلا كيف لنا ان نعلل ان اكثر من ٣٥٪ من الدخل القومي الفلسطيني اصبح في أيدي مسؤولين كبار في السلطة وفي أيدي عائلاتهم ؟ وكيف بنا ان نعلل مظاهر الغناء الفاحش  لبعض العائلات والتنافس بينهم في إظهار غنائهم والذي أتي برمشة عين؟  لا اريد الان تعداد ما اختلس وكيف وصل العديد من المسؤولين في سنوات عديدة الى ثروة هائلة لان زملاء عدة كتبوا بما فيه الكفاية عن هذا الفصل الأسود في تاريخ الشعب الفلسطيني.

ما يهمني أيضاً في هذا المقال هو ان يدرك القارئ بان مساعدات الدول المانحة والجهات العربية والدولية المختلفة لفلسطين، رسميا للسلطة بدعم مادي او مشاريع او مساعدات مالية وعينية، وغير رسمي الى منظمات المجتمع المدني ومشاريع تنموية،  منذ بداية عملية أوسلو وحتى الان  تصل الى حوالي مئة وعشرين مليار دولار. مبلغ خيالي ورغم انه توزع على مدار العشرون سنة الماضية الا انه بكامله يتجاوز المبلغ الذي رصد بعد الحرب العالمية لإعادة بناء المانيا والمعروف باسم مشروع مارشال.   

ومن حق الجميع ان يسأل أين المال العام؟  وان نسأل اصحاب الغناء الفاحش من أين لك هذا؟

والأمثلة عديدة التي تشير الى سوء الاداره المالية وهدر المال العام لأهداف سياسية فئوية ضيقة وفشل السياسة الاقتصادية للسلطة على جميع الأصعدة. وهنا اريد فقط الإشارة الى بعض المجالات لاطلاعكم على بعض الأرقام لتدركوا كبر المأزق الوطني الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وفظاعة

الهدر للمال العام وتوظيفها لأهداف شخصية و فئوية .

* مقارنة سريعة بين ميزانية عام ٢٠٠٧ وميزانية ٢٠١٤ نرى ان الاخيرة ارتفعت بنسبة  ٥٤٪. هذا مع ان في هذه السنوات السبعة والتي خيم الانقسام الحمسفتحاوي على فلسطين توقفت المشاريع التطويرية الرسمية في قطاع غزة.  في ٢٠٠٧ بلغت الموازنة الفلسطينية ٢.٣ مليار دولار لترتفع الى ٤.٢١٦ مليار دولار للعام ٢٠١٤

* مباشرة بعد الانقلاب العسكري الحمساوي على سلطة فتح في غزة أوعزت سلطة رام الله لموظيفها  في القطاع بالتوقف عن العمل في جميع المؤسسات الحكومية آلتي استولت عليها حماس، وضمنت لهم تسديد مرتباتبهم شهريا. وهذا ما حصل. عدد الموظفين الذين استجابوا لقرار السلطة في رام الله يتراوح بين عشرة آلاف وعشرون الف موظف. وحتى أبقى موضوعي بتقيمي للأمر انطلق من عدد يتراوح ١٢ الف موظف وهو برأيي واقعي ويمثل الحال بغزة. وان انطلقت من معدل الف دولار راتب شهري لكل موظف لتراوح الصرف على هؤلاء في السنوات السبع الماضية المليار دولار.  مليار دولار هدرت لأهداف فئوية ضيقة دفعها الشعب الفلسطيني كله.

* السلطة الفلسطينية تمول سياستها الفاشلة بقروض من البنوك والقطاع الخاص وصلت الان حوالي ١.٧ مليار دولار اضافة الى قروض خارجية بمليار دولار. وهي لم توفر  حتى إئتمانات العمال عندها وأصبحت مديونة لصندوق التقاعد بحوالي نصف مليار دولار. بالإجمال أصبحت ديون السلطة الفلسطينية مجتمعة تفوق الموازنة السنوية- الان تتراوح ديون السلطة ٤.٨ مليار دولار-  وهنا يجب ان ندق ناقوس خطر الإفلاس. وفي ضوء الوضع الاقتصادي الحالي والمستقبلي لفلسطين فان هذه الديون سوف تتضاعف وتبقى عبء على الأجيال القادمة.

*  منذ بداية السلطة والتوظيف في مؤسسات السلطة لم يتبع في اغلب الأحيان المبدأ الحضاري الصحيح: الشخص المناسب في المكان المناسب. واستبدلت هذه القاعدة بالمبدأ الانتهازي الرجعي: ابن الحزب الحاكم اولا وأخيرا!  وأصبحت التفرقة بين الحزب الحاكم والسلطة شبه مستحيلة ولم يعد من السهل التفرقة بالعمل ان كان هذا عمل حزبي للحزب الحاكم ام انه عمل سلطوي وتداخلت الأمور لدرجة ان السلطة ووجودها ومالها اصبح الضمانة الوحيدة لتماسك حركة فتح! وأصبح الحزب الحاكم وأفراده يتعاملون مع السلطة والمال العام بشكل تلقائي وكأنهما ملكهم الخاص- وهنا تعلمت للأسف حماس من فتح وطبقت الآلية نفسها. وبما ان التوظيف باغلبه ليس على أساس مهني بل لإرضاء أبناء الحزب والموالين وشراء الذمم والولاء وخصوصا بعد الانقسامات في فتح جراء الانقلاب الحمساوي في غزة نرى ان قطاع الموظفين في اجهزة السلطة ضخم وخيالي نسبة للمهام الملقاة على عاتق الأجهزة المختلفة. في العام ٢٠١٤ وصلت مصاريف السلطة الفلسطينية من الرواتب والأجور مبلغ وقدرة ٢.١٨ مليار دولار اي ما يعادل ٤٧٪ من موازنة عام ٢٠١٤. وبمقارنة سريعة لمخصصات الرواتب والأجور بين عام ٢٠٠٧ و ٢٠١٤ نلاحظ ارتفاع كبير بمقدار ٣٣٪.  في سنة ٢٠٠٧ كان ما صرف على الرواتب والأجور مبلغ وقدره١.٣٧٠ مليار دولار. وعلينا ان لا ننسى ان في هذه الفترة كانت غزة خارج نطاق سلطة رام الله ولم يتم تعيين اي موظف جديد هناك.

* منذ بداية السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٤ تبين للجميع ان الجهاز الأمني الفلسطيني بتضخم عددي ومؤسساتي لا يتناسب مع المطلوب منه على الارض. في بداية الامر تم ذر الرماد بالعيون بحجة اننا نقاوم الاحتلال ونصد هجماته العسكرية والمخابراتية والخ من هذا العسل الثوري الذي ابتلعته معظم فصائل المقاوم في بداية الامر. لكن سرعان ما بدأ التذمر من عدد الأجهزة الأمنية والذي وصل في بعض الفترات الى ١٦ جهاز  وتصرفات أفرادها وأصبحت بعض هذه الأجهزة في بعض المناطق الفلسطينية هي الحاكم الأساسي وليس السلطة السياسية. ورغم هذا الخطر ورغم  ادراك الجميع ان هذه الأجهزة بغالبيتها عبء على الشعب والقضية الا ان مصاريفها كانت تزداد كل عام. ومميزاتها الوحيدة الساطعة كانت التنسيق الأمني مع الاحتلال. في العام ٢٠١٤ صرفت السلطة الفلسطينية مبلغ وقدره ١.٧٨ مليار دولار على الأجهزة الأمنية. اي ما يعادل ٢٨٪ من الموازنة السنوية.

شعار السلطة الفلسطينية في السنوات الخمسة الماضية كان بناء اجهزة الدولة والتحضير البنيوي والمؤسساتي لمواجهة الاحتلال ببسط السيادة على الارض. نظرة سريعة على موازنة السلطة للعام ٢٠١٤ يظهر العكس تماماً وان عاينا المبلغ الذي رصد للنفقات التطويرية وقدره ٣٥٠ مليون دولار اي ما يعادل ٨،٣٪ من الموازنة العامة وقارنها مع المصروفات للأجور والأجهزة الأمنية لتبين سريعا لنا ان بناء الدولة ومؤسساتها في واد اخر غير هذا الذي يتغنى به مسؤولي  رام الله .

 

السكوت عن هذا الوضع المنحدر وتقبل الهدر الجنوني لقدرات الشعب بالصمت عنه هو بحد ذاته مشاركة في هذا الفشل. وهنا لا يسعني الا ان أتذكر مقولة أرسطو عندما سئل: 

من أين تأتي قوة الطاغي؟

فأجاب:

من ضعف المظلومين !  

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط