كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل

الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل

تاريخ النشر: 2026-04-19 | 12:23

ماذا لو تخلّت طهران عن مشروعها التوسعي؟

في منطقة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ وتتشابك فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، يبدو أنّ معضلة الشرق الأوسط لا تكمن في دولة بعينها بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام الإقليمي نفسه، الذي يعيد إنتاج التوتر بين محاولات فرض الهيمنة وصعوبة تحقيق الاستقرار.
بعد جولتين من الحرب المزدوجة أميركيًا وإسرائيليًا على إيران، كثيرًا ما تحذّر التحليلات السياسية من مخاطر سقوط إيران وتداعياته على توازنات الشرق الأوسط. غير أنّ هذا النقاش يتجاهل سؤالًا معكوسًا لا يقل أهمية: ماذا لو لم تسقط إيران؟

فالمشكلة في الشرق الأوسط قد لا تكون في بقاء إيران أو زوالها، بقدر ما تكمن في طبيعة النظام الإقليمي نفسه؛ حيث تتنافس مشاريع نفوذ متعارضة ضمن نمط من التنافس الصفري على منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيتها السياسية. ولتفسير هذه المعضلة يمكن الاستعانة بأداتين أساسيتين في علم السياسة: الهيمنة الإقليمية والتحليل الافتراضي القائم على سؤال "ماذا لو؟".

تشير فكرة الهيمنة الإقليمية إلى مَيل كل منطقة في العالم إلى أنْ تقع، بدرجة أو بأخرى، تحت نفوذ دولة قوية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وهذه الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال الدول الأخرى، لكنها تعمل على منع ظهور منافس إقليمي، وتسعى إلى إدارة توازنات المنطقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أمّا التحليل الافتراضي فيقوم على طرح سؤال: ماذا لو؟ أي افتراض حدثٍ لم يقع، ثم دراسة الكيفية التي قد تتغير بها النتائج إذا تبدل متغير واحد في المعادلة.

إذا طُبّقت هذه المقاربة على فرضية سقوط إيران، فإنّ بعض التحليلات تربطها بما يمكن تسميته السوسيولوجيا السياسية الإسرائيلية. فإسرائيل قامت تاريخيًا على رؤية أمنية توسعية وجودية، سعت من خلالها إلى تحييد الدول المحيطة بها، وتأجيج الانقسام العربي–العربي، واستثمار التوترات الطائفية، إلى جانب استخدام القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة، والعمل على استغلال نقاط الضعف في سياسات دول الإقليم.

وفق هذا المنظور، قد يعني سقوط إيران اختفاء أحد أهم عناصر الردع المتبادل في الإقليم، ما قد يفتح المجال أمام فرض نظام إقليمي من طرف واحد. وفي مثل هذا السيناريو قد تدخل تركيا مرحلة ضغط واستنزاف لمنعها من التحول إلى قوة موازنة، بينما قد يعجز العالم العربي عن ملء الفراغ الناتج. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل توازنات الإقليم عبر آليات إعادة التموضع القسري للفاعلين، سواء عبر تعميق هشاشة بعض الدول أو صعود قوى إقليمية جديدة تبحث عن موقع داخل النظام الإقليمي الجيوسياسي.

في المقابل، يرى فريق آخر أنّ صمود إيران قد يحدّ من التفوق الإسرائيلي في المعادلة الإقليمية، وربما يعيد تشكيل توازنات الردع ليس في المنطقة وحدها، بل داخل واشنطن نفسها. ووفق هذا التصور قد تعمل إيران على إنتاج نظام سياسي أكثر براغماتية يستعيد ثقة الدول المجاورة سيما الخليجية ويتجه إلى التعايش والتكامل الاقتصادي بدل الصراع المفتوح.

غير أنّ هذا التصور يصطدم بسؤال جوهري يتعلق بطبيعة السوسيولوجيا السياسية الإيرانية وبما يمكن تسميته النزعة الأصولية الفارسية ذات البعد القومي-الديني. فالتاريخ الإيراني، من العهد الصفوي مرورًا بالملكية وصولًا إلى الجمهورية الإسلامية، يحمل عناصر نزعة توسعية وجودية تتداخل فيها الأيديولوجيا مع اعتبارات الدولة. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن لمثل هذه البنية الفكرية والسياسية أنْ تتخلى طوعًا عن مشروعها الإقليمي؟

فالممارسة السياسية الإيرانية خلال العقود الماضية قامت على توسيع النفوذ عبر أدوات متعددة، من بينها بناء شبكات الردع المتبادل عبر الوكلاء والحلفاء الإقليميين، والعمل على امتلاك عناصر قوة استراتيجية مثل البرنامج النووي والصاروخي.

لكن ثمة سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ماذا لو لم تتبنَّ إيران أصلًا سياسة التمدد في الدول العربية؟
ماذا لو لم يُرفع الشعار الشهير بأنّ "الطريق إلى القدس يمر عبر العواصم العربية"، وما ترتب عليه من توترات سياسية ومذهبية غذّت الشكوك العربية ومهّدت لصراعات كبرى في المنطقة؟
وماذا لو اختارت إيران منذ البداية مسار التعايش مع جيرانها بدل بناء نفوذها عبر الوكلاء؟

في الواقع يقوم السلوك السياسي الإيراني على تناقض بنيوي واضح.
فعلى المستوى العملي تُوسِّع نفوذها عبر قوى حليفة في المنطقة مثل حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين. وعلى مستوى الخطاب تتحدث عن وحدة المسلمين وتحرير القدس.
أمّا على مستوى المصالح الدولية فتتعاون مع روسيا والصين، وفي الوقت نفسه تفاوض الولايات المتحدة أو تتخادم معها تكتيكيًا في بعض الملفات.

هذا التناقض ليس استثناءً في السياسة الإيرانية، بل يمثل نمطًا معروفًا في سلوك الأنظمة التي تبني جزءًا من شرعيتها على النفوذ الخارجي بقدر اعتمادها على السيطرة الداخلية. فالتوسع يمنح النفوذ، والخطاب الأيديولوجي يمنح الشرعية، والمناورة الدولية تمنع الانهيار.

ولو تخلّت إيران عن هذه المعادلة، فقد تترتب نتائج مختلفة.
سياسيًا، قد يعاد تشكيل توازنات الداخل بما يفضي إلى إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام السياسي، وربما إعادة تعريف وظيفة الدولة الإقليمية.

اقتصاديًا، قد يفتح ذلك المجال لتكامل أوسع مع دول المنطقة بما يسمح بإعادة ترتيب أولوياتها: من منطق الردع والصراع، إلى توجيه الموارد نحو مسارات التنمية بدل استنزافها في سباقات التسلح، ويفتح ممرات اقتصادية جديدة تعيد تموضع المنطقة داخل الاقتصاد العالمي.

إقليميًا، قد يصبح دعم القضية الفلسطينية أكثر فاعلية إذا جرى دون التورط في مشاريع نفوذ مباشرة داخل الدول العربية، وهو ما قد يعيد تشكيل أدوات الصراع ويقلل من الذرائع الأمنية المتبادلة بين الأطراف سيما إسرائيل التي تستخدم "ورقة إيران" لتبرير سياساتها الأمنية وتصوير نفسها بوصفها دولة مُهدَدة باستمرار.

أمّا استراتيجيًا، فقد تتشكل كتلة إقليمية أكثر توازنًا في مواجهة سياسات الهيمنة في المنطقة، بما يسمح ببناء نظام إقليمي أقل صدامية وأكثر قابلية للاستقرار.

لكن هذا السيناريو يبقى ممكنًا نظريًا أكثر منه واقعيًا. فالنظام الإيراني الحالي قد يواجه أزمة في إعادة التموضع إذا توقف عن التوسع، ليس لأنه عاجز عن التعايش، بل لأنّ جزءًا من شرعيته السياسية والأيديولوجية بُني على فكرة الثورة المستمرة وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بوظيفته الإقليمية.
بل إنّ البُنية القومية-الأيديولوجية، التي تظهر بدرجات متفاوتة حتى لدى بعض التيارات المعارضة المختلفة، قد تُبقي التوتر مع الإقليم قائمًا حتى في حال تغير النظام السياسي.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل تسقط إيران أم تصمد؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يمكن للشرق الأوسط أنْ يخرج من منطق التنافس الصفري لمشاريع الهيمنة؟

فالنظام الإقليمي لا يُعاد تشكيله عبر احتكار طرف واحد لموازين القوة، ولا عبر الفوضى المنفلتة، بل عبر اختلالات كبرى تعيد صوغ قواعده. وبين احتمال تراجع الدور الإيراني أو دفعه قسرًا إلى إعادة التموضع داخل معادلات الردع، تنكشف الإشكالية البنيوية التي يقوم عليها الشرق الأوسط؛ إذ يعمل ضمن بنية تنافس صفري تتشابك فيها شبكات ردع متبادل هشّة، لا تنكسر إلا تحت وقع صدمات استراتيجية تعيد رسم قواعد الاشتباك، إمّا بفعل قوة غالبة، أو تحت ضغط تحولات داخلية عميقة.

وفي المحصلة، لا يبدو أنّ الشرق الأوسط مقبل على مرحلة استقرار تقليدي بقدر ما يتجه نحو إعادة تشكل عميقة في موازين القوة وبنية النظام الإقليمي. وفي سياق الصدمات الاستراتيجية التي تعصف بالإقليم، يغدو استيلاد مسار عربي بنيوي تكاملي ضرورة استراتيجية تتجاوز نماذج العمل المؤسسي التي أخفقت في إنتاج فاعلية استراتيجية حقيقية، على أنْ تقوده مراكز الثقل العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي ومصر والأردن، مع قابلية للامتداد نحو الفضاء المغاربي. فمثل هذا المسار كفيل بإعادة بناء أدوات القوة العربية على أسس اقتصادية وأمنية وطاقوية مشتركة، بما يتيح إعادة تموضعها داخل توازنات ردع متبادل أكثر استقرارًا. وعلى هذا النحو، لا يعود التكامل العربي خيارًا إراديًا أو ترتيبات تفاوضية ظرفية، بل استجابة بنيوية تفرضها طبيعة التحولات الجارية وإعادة توزيع القوة في النظام الإقليمي ذاته.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط