كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشرق الأوسط... بين "العبثية" والسياسات "الرمادية"

الشرق الأوسط... بين "العبثية" والسياسات "الرمادية"

تاريخ النشر: 2021-09-05 | 07:40

أن يزور وفد حكومي لبناني العاصمة السورية دمشق، أمر قد لا يعتبر في الظروف الطبيعية خارج المألوف. لكن ما قد يندرج في خانة «اللامألوف» أن تأتي هذه الزيارة بناءً على «تصوّر» أميركي... ترجمه على الأرض وزراء في «حكومة تصريف أعمال مستقيلة» شُكلت في ظل هيمنة «حزب الله»، وفي عهد الرئيس ميشال عون رئيس الجمهورية الحليف لـ«حزب الله»، ويرافقهم موظف أمني كبير بلغ من نفوذه الهائل التوسط بين الرؤساء وبين لبنان والخارج، بل، تسمية وزراء في الحكومة المقبلة.

في خانة «اللامألوف» أيضاً، إلى جانب زيارة الوفد الوزاري اللبناني - لأول مرة منذ تفجر انتفاضة سوريا - وبتشجيع أميركي، أن واشنطن ما زالت رسمياً تبتزّ نظام بشار الأسد، المدعوم إيرانياً، بعقوبات «قانون قيصر» الذي يطال المتعاونين اللبنانيين – أفراداً ومؤسسات – مع هذا النظام.

ثم قبل أن ننسى، تأتي هذه الزيارة تحت تبرير أميركي إغاثي وإنساني «استثنائي» هو «التخفيف من معاناة اللبنانيين» من أزمة شح الوقود القاتلة. غير أن واشنطن نسيت أو تناست أن واقع هيمنة السلاح المرتهن للخارج، هو المسؤول الأول عن هذه الأزمة وأزمات أخرى؛ كشحّ الأغذية والأدوية وفرص العمل وانهيار قطاعات التعليم والاستشفاء والقضاء والسياحة والخدمات المالية وغيرها.

كل هذا يحصل في بلد مُفلس وتحاصره جائحة «كوفيد - 19»، ويتعذّر فيه حتى اللحظة تشكيل حكومة لدى «استهلاك» ثلاثة مرشحين كُلّفوا التشكيل، بفعل تعطيل مستمر ومتعمّد تحرص القوى الدولية – على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا – على تجهيل مَن يقف وراءه.

لا شك إطلاقاً في وجود بُعد داخلي للمحنة الحالية التي كان من إفرازاتها «الصارخة» زيارة الوزراء المستقيلين ومرافقهم الأمني النافذ إلى دمشق. والدليل على ذلك أن البطريرك الماروني، الكاردينال بشارة الراعي، ما زال يرفض سحب غطائه الديني عن رئيس الجمهورية الماروني، حتى عندما يدعو إلى «الحياد» ويطالب بنزع السلاح غير الشرعي، ويُبدي تعاطفاً مع الطروحات الفيدرالية. والحال، أنه طالما ظل عون في سدة الرئاسة، وواصل توفير الغطاء الدستوري لهيمنة «حزب الله» وسلاحه وارتباطاته الإقليمية الإيرانية، ستستمر حالة «العيش التكاتفي» بين الميليشيا الطائفية والمافيا (بل المافيات) الطائفية.

أكثر من هذا، فإن بقاء «الحالة العونية» في رئاسة الجمهورية احتمال قائم حتى إشعار آخر. ذلك أن جزءاً لا بأس به من حسابات التعطيل الداخلية يمثّله إصرار «العونيين» على «توريث» المنصب لرئيسهم جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية... وأحد أبرز المرشحين المعلنين لـ«حزب الله». أما «السيناريوهات» المعاكسة لرغبات هذه «الحالة» فتتمثل داخل لبنان في الانقسام المسيحي إزاء شخص باسيل، وتبلغ جدية هذا الانقسام حد جمعه «الأضداد» على مناوأته في مقدمهم الدكتور سمير جعجع زعيم حزب «القوات اللبنانية» والوزير السابق سليمان فرنجية زعيم «تيار المردة». ويضاف إلى ذلك تدنّي أسهم باسيل عند حركة «أمل»، ثاني «الثنائي الشيعي»، التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه برّي.

في هذا الجو، بوجود عون في الرئاسة متمتعاً بغطاء ماروني بطريركي، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقبلة، هناك جهات لبنانية تربط الخلاف (الظاهر) على الحصص الوزارية بالرغبة في التأثير على العملية الانتخابية، ولاحقاً انتخابات رئاسة الجمهورية. إلا أن الشق الداخلي اللبناني لا يعبر إلا عن جانب واحد من المشكلة الأكبر، التي اكتسبت زوايا وتداعيات أكبر وأخطر نتيجة الطريقة الدراماتيكية التي شهدنا فيها الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

بعد مشاهد مطار كابُل، والتخمينات المتطايرة هنا وهناك حول مستقبل السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط الكبير، لا يُلام المشككون إذا أدلوا بدلائهم ... شماتةً أو مناكفةً أو تذاكياً أو تشكيكاً.

نعم، سمعنا منذ فترة غير قصيرة عن اقتناع بعض تيارات مؤسسة السلطة في واشنطن بفكرة «الفوضى المنظمة» وتعميمها في كيانات الشرق الأوسط. ثم إنه من واقع التجارب العربية العديدة، يوجد إدمان عربي مزمن على «نظرية المؤامرة» عند بحث أي تحرك أميركي. والحقيقة أن هذا الإدمان لم يتراجع، ولكن ليس بسبب الضعف والإحباط العربيين المزمنين فقط، بل أيضاً لأن واشنطن قلّما اكترثت باعتماد مقاربات جذرية صريحة أو مبدئية للقضايا الإقليمية الشائكة. وفي نهاية المطاف، منذ «الثورة الخمينية» وانقلاب واشنطن على الشاه عام 1979 تراجعت نسبة الوثوق بالالتزامات الأميركية إزاء الأزمات الإقليمية، ابتداءً من القضية الفلسطينية، وانتهاءً بالتهديد التوسعي الإيراني، ومروراً بالتعامل أو التعايش مع «الإسلام السياسي».

هنا، تتزامن زيارة وفد وزراء «حكومة تصريف الأعمال» اللبنانية إلى نظام دمشق – بدعم من «حزب الله» ومباركة واشنطن – مع أحدث تجليّات المسلسل التهجيري في درعا، قلب منطقة الجنوب السوري. وبالمناسبة، هذه المنطقة هي التي تشكل عقدة تقاطع مهمة لما يلي:

- الخط الاقتصادي الحيوي بين دمشق وعمّان، ومن عمّان إلى قلب المشرق العربي.

- العمق الاستراتيجي والسياسي العربي لدمشق المهدّدة اليوم بموجة الهندسة الديموغرافية، بعد انتشار الميليشيات الإيرانية وتمركزها وتوطن بعضها في الجنوب السوري.

- الحزام الجغرافي والإثنوغرافي والمذهبي المتاخم لكل من الأردن شرقاً وإسرائيل غرباً. وعليه، قد يكون لهذه المنطقة نصيب من تحديد شكل «سوريا المستقبل» بعد إنجاز فرز مناطق النفوذ في مناطق الساحل (جبال العلويين ووادي النصارى)، وشمال حلب، وشرق الفرات، و«ممر طهران – بغداد – دمشق – بيروت».

إن واشنطن، التي تركت أفغانستان بعد حرب واحتلال استمرا 20 سنة، تُعِدّ اليوم للانسحاب من العراق الذي أشرفت على تغيير هويته السياسية وتركيبته الإثنوغرافية والمذهبية منذ 2003، ثم تغاضت عن التهجير الممنهج الذي مورس في سوريا على يدي تحالف تكتيكي إيراني – روسي. وبعد أربع سنوات من حكم الجمهوريين فرض فيها دونالد ترمب حقائق جديدة على الأرض في ما تبقى من فرص سلام فلسطيني – إسرائيلي قابل للحياة، ها قد عاد الديمقراطيون - منذ استعادتهم الحكم - إلى تسريع إيقاع عملية التطبيع مع طهران، وإعادة تأهيل نظام دمشق.

وبالتالي، نحن الآن في حقبة «رمادية» لا تخلو من «العبثية»... يُضحّىَ فيها بالرؤية الاستراتيجية والمواقف المبدئية من أجل المصلحة الاستنسابية العابرة واللاملتزمة.

هذا بالضبط، ما أفضى إلى النتيجة التي رأينا في أفغانستان، وما أخشى أن نكون موعودين بها في المنطقة العربية.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط