كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشرق الأوسط بين صراع القوى… وسؤال فلسطين الغائب ...

الشرق الأوسط بين صراع القوى… وسؤال فلسطين الغائب ...

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 11:28

في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتعدد القراءات لما يجري في المنطقة، وتتباين التفسيرات بين من يرى المشهد من زاوية الصراع الدولي الواسع، وبين من يركز على سياسات القوى الإقليمية ودورها المباشر في تفجير الأزمات. وبين هاتين المقاربتين يتشكل جدل فكري وسياسي يعكس في جوهره محاولة لفهم ما إذا كانت المنطقة تقف أمام مشروع إعادة تشكيل شامل، أم أمام نتيجة طبيعية لتراكم سياسات إقليمية متصارعة. غير أن هذا الجدل، على أهميته، يظل ناقصًا ما لم يُطرح السؤال الأعمق: أين تقف القضية الفلسطينية في خضم هذه التحولات الكبرى؟
تذهب قراءة أولى إلى أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الصراعات التقليدية، وأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة إعادة ترتيب استراتيجي تقودها القوى الكبرى. فالحروب المتصاعدة، والتوترات العسكرية، والتحالفات التي تتبدل بسرعة، كلها مؤشرات على أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة رسم لموازين النفوذ. ووفق هذا المنظور، فإن ما يجري ليس مجرد صراعات منفصلة، بل حلقات ضمن سياق أوسع يسعى إلى صياغة نظام إقليمي جديد، قد يختلف كثيرًا عن النظام الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.
هذه القراءة ترى أن التنافس بين القوى الدولية الكبرى، والبحث عن السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وضمان أمن الطاقة، وإعادة ضبط التوازنات العسكرية، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة تشكيل المشهد الإقليمي. وفي ظل هذا السياق، تصبح بعض الحروب أو الأزمات جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال الجيوسياسي في المنطقة.
في المقابل، تركز قراءة أخرى على أن تفسير كل ما يجري باعتباره مؤامرة دولية كبرى قد يحجب جانبًا مهمًا من الحقيقة، وهو دور السياسات الإقليمية نفسها في إنتاج الأزمات. فالتدخلات المتبادلة بين القوى الإقليمية، والصراعات بالوكالة، وتوظيف الانقسامات الداخلية في عدد من الدول العربية، كلها عوامل أسهمت بشكل مباشر في تعقيد المشهد الإقليمي. كما أن الصراع على النفوذ والزعامة الإقليمية أدى إلى تحويل عدد من الدول إلى ساحات مفتوحة للتنافس والصراع.
ومن هذا المنطلق، فإن كثيرًا من التوترات التي تشهدها المنطقة لا يمكن فهمها فقط من خلال صراع القوى الكبرى، بل ينبغي النظر أيضًا إلى طبيعة السياسات الإقليمية التي سعت خلال العقود الماضية إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري خارج حدودها، ما أدى إلى تراكم الأزمات وإشعال بؤر توتر متعددة.
غير أن هاتين القراءتين، على اختلافهما، لا تستبعد إحداهما الأخرى بالضرورة. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يظهر بوضوح أن التفاعلات المحلية والإقليمية كثيرًا ما تداخلت مع حسابات القوى الدولية. فالقوى الكبرى لطالما سعت إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، سواء المرتبطة بالطاقة أو بالممرات البحرية أو بالاعتبارات الأمنية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، حاولت القوى الإقليمية توظيف هذه التوازنات الدولية لتعزيز مواقعها وتوسيع نفوذها.
لكن وسط هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين تقف القضية الفلسطينية في خضم هذه التحولات؟
لقد كانت فلسطين تاريخيًا محورًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، ليس فقط بوصفها قضية وطنية لشعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، بل أيضًا بوصفها عنصرًا مؤثرًا في استقرار المنطقة أو اضطرابها. ومع ذلك، تبدو القضية الفلسطينية اليوم وكأنها تتعرض لمحاولة تهميش تدريجي تحت ضغط الأزمات الإقليمية والحروب المتلاحقة، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي فرض وقائع جديدة على الأرض عبر الاستيطان والضم والتوسع والسيطرة على الأراضي.
لقد كشفت السنوات الأخيرة، وخاصة ما شهده قطاع غزة من حروب مدمرة وحصار وتجويع وتهجير، أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية لا يؤدي فقط إلى استمرار المأساة الإنسانية للشعب الفلسطيني، بل يبقي المنطقة بأسرها رهينة توترات دائمة قابلة للاشتعال في أي لحظة. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي ضمن ملفات الشرق الأوسط، بل هي في جوهرها أحد مفاتيح الاستقرار أو الانفجار في المنطقة.
إن أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أو بناء نظام إقليمي جديد لن يكون قابلًا للحياة ما لم يتضمن معالجة حقيقية للقضية الفلسطينية. فالتجارب السابقة أثبتت أن تجاوز هذه القضية أو محاولة القفز فوقها لا يؤدي إلى إنهائها، بل إلى تعقيدها وتأجيل انفجارها إلى مرحلة لاحقة.
ومن هنا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتائج الحروب الجارية أو بالتوازنات العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، بل سيتحدد أيضًا بمدى القدرة على إنهاء أقدم صراع في المنطقة عبر حل عادل وشامل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس.
فمن دون ذلك، سيبقى أي نظام إقليمي جديد هشًا ومعرضًا للاهتزاز مع كل جولة توتر جديدة. وسيظل الشرق الأوسط يدور في حلقة مفرغة من الصراعات التي تتغير أشكالها، لكنها تعود في كل مرة إلى الجذر نفسه.
إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف ستنتهي الحروب الدائرة في المنطقة؟ بل أيضًا: أي شرق أوسط يمكن أن يولد من رماد هذه الصراعات، إذا بقيت فلسطين خارج معادلة الحل؟
وفي النهاية، قد تتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، وتُعاد رسم خرائط النفوذ، لكن حقيقة واحدة ستبقى راسخة في وجدان المنطقة وتاريخها: لا استقرار حقيقي في الشرق الأوسط من دون عدالة لفلسطين.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط