كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشعر ومحطة الإعتراف : متى يؤخذ مأخذ الجد ويحتل مكانه اللائق..؟

الشعر ومحطة الإعتراف : متى يؤخذ مأخذ الجد ويحتل مكانه اللائق..؟

تاريخ النشر: 2026-04-18 | 11:25

الكتابة الشعرية ليست انعكاساً للواقع،بل واقعا آخر يُخلق من رحم التناقض: شقاء يلد بهجة، وانكسار يصنع انتصارا.إنها لعبة الأضداد التي تتحد في الكلمة،حيث تموت الذات قليلا لكي تولد النصوص أكثر حياة.وفي زمن الثورات العربية،لم تكن القصيدة مجرد مرآة للألم،بل كانت فجرا يتشكل من ظلام السجون،وإرادة حياة تتفجر من تحت رماد اليأس.فهل يمكن للشعر،بهذا الجرح السرمدي،أن يكون خلاصا من وهن الواقع؟

 هذا ما سنقارب فيه،متتبعين حضور القصيدة في لحظات التحول الكبرى،حيث تثبت أن الكلمة حين تكون صادقة،تصير أقوى من كل سلطان.

 

الكتابة الشعرية،في وجه من الوجوه،هي ضرب من الشقاء والمعاناة،تتراوح فيها الذات بين حالتين متنافرتين: قتامة وانكسار،قوة وانتصار. إنها رحلة وجودية لا تهدأ،تنساب بين أضداد تتوحد في رحم الكلمة لتمنحنا نصا إبداعيا نابضا بالحياة رغم جراحه،متألقا بالألم رغم فرحه.

ولو حاولنا استقراء الحالتين لتبين لنا أن للأولى دلالات تحيل على الذات المشروخة والمشظاة، حيث تبدو الصور الشعرية متسربلة بالألم،راشحة بالمرارة،جانحة في أبعادها إلى الاغتراب،موغلة في سوداوية ورثناها عن ذاكرة مدانة تحط بنا كرها في مواقع مترهلة تكشف عن تشاؤم دفين. إنها لحظات ينكسر فيها المرآة فتتوزع الذات شظايا لا تجمعها وحدة،ويعمى فيها البصر فلا يرى إلا ظلال الأشياء.

أما الحالة الثانية،فهي تلك التي تتجاوز فيها اللغة تحقيق المصالحة بين الإنسان والفرح،ليكون التألق في رحاب شعرية مشرقة ومضيئة تنحو صوب الجمال وتعانق الآفاق المستقبلية بكل أمل وثبات. هنا تنتعش الروح،وتتفتح الذات على العالم كزهرة تعرف أن الصباح آتٍ حتما.

إننا إزاء حالتين متناظرتين تتنافر فيهما الصور وتتعارض.أفلا يمكن إيجاد مصالحة بينهما تقوم على التناغم بين ثنائية التوتر بين الذات والموضوع،وبين الكائن والممكن،على نحو يقترب فيه النص الإبداعي من الشمولية،دون أن يشذ عن الحدود التي رسمناها أو تلك التي أملاها الواقع؟

وبسؤال مغاير أقول: ألا يمكن أن تكون الكتابة الشعرية جامعة توحد بين قطبين نائيين: تداعيات الراهن، وتجليات المدى المنظور،فنكون بذلك قد أسسنا لوعي جديد يبدأ من الذات ويؤسس للكون في تواصل جمالي خلاق..؟

ألسنا إزاء تغييرات في البنى الاجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما تطرحه العولمة من تحديات،في ظل احتدام الثقافات وتنافسها إلى حد يحيلنا على وضع تبدو فيه البكائيات والمراثي المألوفة، واستهجان الواقع المترهل،من ضروب التقوقع والانغلاق على الذات؟!

ألا تفرض علينا الثقافة الكونية نصوصا شعرية ذات شمولية فنية مفعمة بدفء الكلمة ونبل السؤال وجمال الحيرة،تؤسس الذات وتساعد على استجلاء المضمون الأدبي والفني بتفاؤل خلاق، لناواجه عبرها عالما ما فتئ يخيب الآمال ويثير الفوضى في وجه الوجود؟

ألم تكن أشعارنا المحدثة،في معظمها،تنحو إلى الغرابة والغموض؟ وما الغرابة إلا دلالة على الغربة عن العالم وانعطاف يستحيل نوستالجيا لا تخطو على درب الآتي الجليل،بل تترجرج إلى الماضي في حنين سئمناه؟

إن هذه الأسئلة التي طرحناها لا نروم من خلالها التأسيس لواقع مغاير لمنطق الأشياء والكون،بقدر ما نهدف إلى صياغة هذا الواقع في نصوص إبداعية ترنو إلى أفق مغاير يتفتح باستمرار، ويؤسس دفقا موصولا ضمن تواصل موضوعي يحقق عبره المبدع شرط وجوده.

الشعر كان وسيظل دائما زهرة الحضارات والثورات الإنسانية،وكان زهرة الثورات العربية وبدا أكثر توهجا.ويرى الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي أن تدهور الشعر ظهر جليا قبل الثورة، وبمجرد ما انطلقت الثورة ازدهر الشعر وظهرت مواهب وأسماء،وأحس المصريون بأنهم كلهم شعراء لأنهم كلهم أحرار.

لقد صاحب الشعر الثورات العربية في تونس ومصر ومنها إلى كل الوطن العربي أكثر من أي جنس فني أدبي آخر.فإذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية،فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد،ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء.

إن مصاحبة القصيدة للمظاهرات والثورات العربية في الزمن الراهن تعني أن الشعر لا ينشأ من فراغ، ولكنه ينشأ من واقع الناس،ومن تجربة إنسانية كبرى،ومن الموروث الإنساني الذي يعكس عمق فهمنا للأشياء واستكناه المستقبل،حتى أننا لا يمكن أن نتخيل حياة بدون شعر. أو على حد تعبير الشاعر أمجد ناصر: "لا يمكن تخيل العالم من دون رواية،ولكن من الصعب تخيله من دون شعر".

في تونس،مهد الثورة العربية،علت حناجر شباب الثورة بقصيدة الشابي:

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر"

ومنها إلى كل البلدان العربية الساعية بحقها إلى الحرية وصوت الكرامة الإنسانية.

لقد أنشد الشابي هذه القصيدة الرائعة التي تحمل خوالج نفسيته الشبابية المترعة بالمعاني الإنسانية الفياضة وهو في عمر الزهور،عمر شباب الثورة الذين لمست رائعته أوتار قلوبهم.وقد آمن هؤلاء الشباب إيمان الشابي العميق بقدرة الشعر في تحقيق إرادته،فكانت قصيدته "إرادة الحياة" التي عبر بها عن الجراح الإنسانية للأمة العربية أقوى من السلاح ومن الموت أيام الانتفاضة.

لقد لبى الشباب نداء القصيدة ليُثبتوا للعالم بأنهم شعب يرفض العيش بين الحفر ولا يخاف صعود الجبال،لأن الشعر لا يخاف سطوة الطغاة.وحملت الأمة هذه الجراح لتنزف بها قلوب صانعيها. 

هذه القصيدة الرائعة بعثت في الأمة العربية عشقا أبديا لرسالة الشعر،بل وأرغمتنا على البكاء والفرح الطفولي المنبثق من رسالة الشعر نفسه الذي غرس فينا معنى القيم،وهي قيم إذا خلت منها القصيدة تصبح مجرد ألفاظ منظومة بلا معنى ولا حياة.

وما حدث في العالم العربي سيعمل على خلق تصورات ورؤى جديدة للعملية الشعرية،بل وسينمو شعر جديد من بذور هذه الثورة التي استشعرنا بها كنه الحياة ومعناها وحقيقة القصيدة في بعدها الإنساني الذي يرغمنا على الاعتراف بأن القصيدة حقيقة،والحقيقة لا تموت.

ختاما أقول: إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل.ألا تزداد سموا بروحها الكونية التي تداعب حواسنا برحيق كلماتها التي تجاوزت كل القوميات والنزعات لتنشغل بالهم الإنساني الواحد؟ وهو ما يشكل رؤيتنا للحياة والوجود والعالم والأشياء،وهي رؤية منبثقة من ذات الشاعر قد يعجز النقد عن الوصول إليها رغم القدرة التأثيرية للقصيدة،لتبقى سراً من أسرار القصيدة، وأسرار القصيدة لا تنتهي.

وتبقى القصيدة،منذ أن شدا بها الإنسان الأول حتى احتضنتها ثورات العرب،ذلك النبع المتدفق الذي يغذي فينا نزعة الإنسانية المتأصلة،حيث يلتقي الخير بالشر،وتتصارع قوى الروح والجسد، لتخرج من هذا المعترك الإبداعي أكثر تألقا وقدرة على التعبير عن الهم الإنساني المشترك.

 لقد أثبتت الثورات العربية،بقصيدة الشابي الخالدة،أن الكلمة حين تنبض بصدق المعاناة والأمل تصبح أقوى من سلطان الطغاة،وأخلد من زمن الاستبداد.

فما القصيدة إلا سر من أسرار الوجود،وحقيقة من حقائق الحياة تتجدد مع كل ثورة،ومع كل إنسان يؤمن بأن الغد أجمل،وبأن الشعر، خلافا لكل الظنون،لا يموت.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط