كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار حسن محمد عودة

الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار حسن محمد عودة

تاريخ النشر: 2026-05-23 | 11:29

ليس كلُّ من يرحل يُكتب عنه…
فهناك رجالٌ يمرّون في الحياة كالأسماء العابرة، لا يتركون خلفهم سوى تاريخ ميلادٍ وتاريخ وفاة، ثم يبتلعهم النسيان سريعًا.
وهناك رجالٌ آخرون… إذا غابوا شعر الناس أن جزءًا من الطيبة قد غادر هذا العالم، وأن زمنًا كاملًا من الشهامة والوفاء قد انكسر بصمت.
كان الشهيد عبد الغفار حسن محمد عودة “أبو الوليد” واحدًا من هؤلاء الرجال النادرين.
رجلٌ لم يعش لنفسه يومًا، ولم يكن باحثًا عن منصب أو شهرة أو ضوء، بل عاش بسيطًا كما يحب الناس أن يكون الرجال الحقيقيون: قريبًا من القلوب، حاضرًا في الشدائد، وصادقًا إلى الحد الذي يجعل الجميع يشعرون أن هذا الرجل يشبههم ويشبه الخير القديم.
وُلد أبو الوليد في الثامن من كانون الثاني عام 1960، وفي قلبه شيءٌ من فلسطين لا يهدأ.
كبر في زمنٍ كانت فيه البلاد تُربّي أبناءها على الكرامة، وكانت المخيمات تصنع الرجال من وجعها وحصارها وفقرها وأحلامها المؤجلة.
ومنذ شبابه المبكر، حمل همّ الوطن كما يحمل المؤمن صلاته، فالتحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلال سنوات الانتفاضة الأولى، حين كانت الحجارة أبلغ من الخطب، وكان الرجال يُعرفون بمواقفهم لا بألقابهم.
وحين اشتعلت انتفاضة الحجارة عام 1987، كان أبو الوليد واحدًا من أولئك الذين قرروا أن يدفعوا أعمارهم ثمنًا لفلسطين.
اعتقلته قوات الاحتلال وزجّت به في سجن النقب ستة أشهر إداريًا، ثم أعادت اعتقاله عام 1988 لمدة عامٍ كامل، لكنه خرج من السجن أكثر صلابةً وإيمانًا بأن الأوطان لا يحرسها إلا الرجال الذين لا يساومون على كرامتهم.
لكن ما جعل أبا الوليد مختلفًا حقًا، لم يكن فقط تاريخه النضالي…
بل أخلاقه التي سبقت كل شيء.
خمسة عشر عامًا كاملة قضاها رجلَ إصلاح بين الناس، يطوف بين البيوت كما يطوف الضوء في العتمة، يطفئ نار الخلافات، ويجمع القلوب المتباعدة، ويزرع المحبة في الأماكن التي حاولت الخصومات أن تخربها.
كان يؤمن أن الإصلاح ليس وجاهة اجتماعية، بل رسالة أخلاقية تحتاج قلبًا نقيًا وصبرًا كبيرًا.
دخل بيوت الناس دون تكلف، فصار واحدًا من أهلها.
واستمع إلى وجع الجميع دون أن يملّ، حتى صار اسمه مرادفًا للخير والستر والكلمة الطيبة.
لم يكن متكبرًا رغم احترام الجميع له،
ولا متصنعًا رغم مكانته في المجتمع،
ولا يومًا ممن يردّون محتاجًا أو يكسرون خاطر إنسان.
كان إذا صافحك منحك شعور الطمأنينة،
وإذا تحدّث إليك شعرت أن بينك وبينه عِشرة عمرٍ كامل،
وإذا ناداك بقوله البسيط الصادق:
“يسعد مساك يا ابن خالي…”
شعرت أن الدنيا لا تزال بخير.
وفي عام 2018، حين تم تعيينه مختارًا لأهالي قرية زرنوقة المحتلة قضاء الرملة من قبل وزارة الحكم المحلي، لم يكن ذلك تكريمًا إداريًا فحسب، بل اعترافًا طبيعيًا بمكانة رجلٍ عاش عمره بين الناس ولأجل الناس.
فالمختار الحقيقي ليس من يحمل ختمًا رسميًا…
بل من يحمل ثقة الناس ومحبتهم ودعاءهم الصادق.
ثم جاءت الحرب…
وجاءت الأيام التي تحوّلت فيها غزة إلى وجعٍ مفتوح على السماء، وصار الموت يطرق الأبواب بلا استئذان.
وفي معارك جباليا الثالثة، خلال ما عُرف بخطة الجنرالات، ارتقى أبو الوليد شهيدًا بتاريخ 28/10/2024 إثر قصفٍ صاروخي استهدف مشروع بيت لاهيا، واستشهد معه ابنه في مشهدٍ تختصر قسوته حكاية فلسطين كلها.
رحل الأب والابن معًا…
وكأن القدر أراد أن يكتبهما في الصفحة ذاتها من صفحات الخلود.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الغياب مجرد فكرة…
بل صار وجعًا حقيقيًا يسكن القلوب.
فبعض الرجال حين يرحلون، لا تفتقدهم عائلاتهم فقط، بل تفتقدهم الشوارع، والمجالس، والوجوه التي اعتادت حضورهم، وحتى الكلمات التي كانت تبدو أجمل بوجودهم.
يا أبا الوليد…
كيف للمراثي أن تختصر رجلاً يشبه النقاء؟
وكيف للحروف أن تحمل كل هذا الفقد؟
لقد تركتَ خلفك سيرةً أنظف من الضجيج،
وأكبر من المناصب،
وأبقى من العمر نفسه.
ستبقى حيًا في ذاكرة الناس لأنك كنت إنسانًا حقيقيًا، وفي هذا الزمن… الرجال الحقيقيون نادرون جدًا.
نم قرير العين يا ابن عمّتي…
فأمثالك لا يُدفنون في التراب،
بل يُزرعون في القلوب،
ويكبرون هناك دعاءً وحنينًا ووجعًا لا ينتهي.
رحمك الله يا أبا الوليد،
ورحم ابنك الشهيد،
وجعل مقامكما في عليين،
وترك لنا بعدكما هذا الحزن الثقيل الذي لا يُقال بالكلمات…
بل يُقرأ بين السطور.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط