كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الشوا والسمودي.. حكاية لَم تَمتْ

الشوا والسمودي.. حكاية لَم تَمتْ

تاريخ النشر: 2023-08-16 | 06:09

في السادس عشر من أغسطس عام 1988 كنت هناك.. كنت معتقلاً إداريا في قسم "كيلي شيفع" في سجن النقب الصحراوي، دون تهمة أو محاكمة، وإذا بنا نسمع صراخاً هديراً وهتافات صاخبة وتكبيرات تعلو من الأقسام السفلى للسجن. وفي وقت لاحق علمنا أن المعتقلين الفلسطينيين العُزل في قسم (ب) وعددهم قرابة (1500) أسير، احتجوا بطريقة سلمية على ظروف احتجازهم وطريقة معاملة السجانين لهم، بإطلاق الهتافات والأناشيد الوطنية والتكبير للتعبير عن غضبهم وللذود عن كرامتهم، وفيما بعد تناولوا كل ما يقع تحت أيديهم من حجارة وأواني بلاستيكية وأحذية، وقذفوا بها على إدارة السجن والجنود المدججين بالسلاح. لترد عليهم إدارة السجن بقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي واستخدام الهراوات والقوة المفرطة، ثم الرصاص الحي.

لم تقتصر الجريمة على ما ورد آنفاً، فوفقاً لشهود عيان فإن المدعو "ديـﭬيد تسيمح" قائد السجن آنذاك هو من بدأ بإطلاق النار، حينما انتزع بندقية جندي كان مرافقا له ويقف بجواره، وأطلق منها النار مباشرة، ومن مسافة قريبة جداً، باتجاه الأسير(أسعد الشوا) الذي تصدى له بصدره العاري وتحداه بعنفوان وشموخ الفلسطيني، ليسقط مضرجاً بدمائه. ومن ثم أصيب الأسير (بسام السمودي) برصاصة قاتلة في القلب، استشهد على أثرها.

يعتبر الشهيدان أسعد جبرا الشوا (19عاماً) من حي الشجاعية بغزة، وبسام إبراهيم السمودي (30 عاماً) من قرية اليامون في جنين بالضفة الغربية، أول من سقطا برصاص قوات الاحتلال في السجون. وتلا ذلك أحداث كثيرة أدت لاستشهاد خمسة أسرى آخرين ليرتفع عدد الأسرى الذين استشهدوا في سجون الاحتلال جراء اصابتهم بالرصاص الحي بعد أن أطلقت النار عمداً باتجاههم، إلى سبعة شهداء.هذا بالإضافة إلى اصابة المئات من المعتقلين بإصابات مختلفة جراء تلك الاعتداءات التي تُستخدم فيها كافة وسائل وأدوات القمع والقتل.

واليوم وبرغم مرور خمسة وثلاثين عاماً على استشهاد الأسيرين (الشوا والسمودي)، ما زالت الذاكرة الشخصية والجمعية تحفظان ذاك التاريخ وتفاصيل ما حدث في ذاك اليوم، فيما الأخطر أن ما حدث من جريمة آنذاك، قد تكرر لاحقا ومرارا في السجون وسقط المزيد من الشهداء والجرحى، وأن تلك الأحداث، لم تعد مجرد اقتحام عادي وتفتيش روتيني، أو ممارسة فردية واعتداء عابر من قبل هذا الضابط أو ذاك الشرطي كما كان يحدث في الماضي البعيد. كما لم تعد جرائم القمع والاعتداء واستخدام القوة المفرطة حدثاً استثنائياً وموسمياً، أو ظاهرة أسبوعية وشهرية. وإنما أضحت الاقتحامات والاعتداءات واستخدام القوة المفرطة سلوكا ثابتاً وسمة أساسية لدى كل من يعمل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وغدت جزءا أساسيا من معاملة ادارة السجون للمعتقلين الفلسطينيين، وتنفذها بحقهم، فرادى وجماعة، وفي كل الأوقات ليلاً ونهاراً، لدرجة أنها تتكرر أحيانا داخل السجن الواحد أكثر من مرة في اليوم الواحد، وتحدث مرات عديدة خلال أسبوع واحد، وفي مرات كثيرة تحدث في أكثر من سجن في ذات التوقيت. وفي السنوات الأخيرة اتسعت الظاهرة وازدادت عدداً واشتدت عنفا وارتفع أعداد المصابين. ونوثق سنويا مئات الاعتداءات، بشكل فردي أو جماعي، تحت ذرائع مختلفة ومبررات واهية. كما ولم تتوقف الاقتحامات أو يُخفض عددها ومستواها في زمن انتشار فايروس "كورونا". وليس من المبالغة في شيء أن نقول: بأن إدارة سجون الاحتلال تتمتع بسمعة سيئة، في هذا الصدد، بسبب كل هذا التاريخ الحافل بالانتهاكات والجرائم.

ان تلك الأحداث التي تعكس الافراط في اللجوء إلى استعمال القوة بحق المعتقلين العُزّل، ما زالت مستمرة الحدوث بشكل نكاد أن نقول: بأنه يومي، وهي جزء من سياسة ثابتة تحظى بمباركة وتشجيع الجهات العليا في دولة الاحتلال والتي شكّلت لهذا الغرض وحدات قمع خاصة حملت أسماء عديدة وعرفت باسم قوات: نخشون ودرور وميتسادا واليماز وغيرها، دون أن نجد اختلافا أو فروقات جوهرية فيما بينها من حيث التدريب والتسليح والأهداف وطبيعة المهام، فجميعها مدربة جيداً ومزودة بأسلحة مختلفة منها السلاح الأبيض والهراوات والغاز المسيل للدموع والرصاص الحارق وأجهزة كهربائية تُحدث آلاماً في الجسم، وفي أحيان كثيرة تستخدم الكلاب، ومزودة أيضا بالأسلحة النارية ذات الذخيرة الحية القاتلة والمحرمة دولياً. كما تضم خبراء سبق لهم أن خدموا في وحدات حربية مختلفة، في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

إن المهام الموكلة لهذه الوحدات –حسب هو مُعلن- تتمثل في الحراسة وتوفير الأمن أثناء نقل المعتقلين من سجن لآخر، أو من السجن إلى المحاكمة، ومنع هروب السجناء، وافشال أي محاولات لاعتراض قافلتهم ومحاولة تحريرهم، بالإضافة إلى مواجهة كافة حالات الطوارئ في السجن والقضاء على أي احتجاجات قد ينفذها الأسرى، بما فيها عمليات احتجاز رهائن أو الاعتداء على السجانين. ولكن الوقائع والشهادات تؤكد بأن أهداف تلك الوحدات–الغير معلنة-تتعدى موضوع الحراسة والأمن، لتستهدف الحركة الأسيرة ووجودها واستقرارها، ومحاولة المساس بالمكونات الشخصية للأسرى والانتقام منهم، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي بهم، والمس بكرامتهم والسعي لإذلالهم واهانتهم واستفزازهمعبر التفتيش العاري وغيره من الاجراءات المهينة، وصولا الى السيطرة عليهم والتحكم في سلوكهم وتصرفاتهم وإجبارهم على القبول بسياسة الأمر الواقع وتنفيذ أوامر وتوجيهات ادارة السجون. كما امتدت جرائم تلك الوحدات، في كثير من الأحيان، إلى المس بالمشاعر والمقدسات الدينية، كقذف المصاحف الشريفة على الأرض، والدوس عليها، وتمزيقها. وأحيانا تُنفذ ادارة السجون تلك الاقتحامات للتغطية على أحداث حصلت في ذات السجن أو لحرف الأنظار عن أحداث وقعت في سجون أخرى، وكأنها تسعى إلى نقلنا ونقل الأسرى واهتماماتهم من مكان لآخر.

ان حكاية (الشوا والسمودي) لم تمت ولن تموت، وأن ما يحدث اليوم في السجون من أحداث مشابهة واقتحامات واعتداءات متكررة واستخدام القوة المفرطة يتطلب توثيقاً علمياً وشاملاً بمشاركة الأسرى والمعتقلين، ويستدعي تحركاً على كافة الصعد من قبل المؤسسات المعنية بالأسرى وتلك التي تختص بالقانون وحقوق الإنسان والاعلام، والاستفادة من الفيديوهات التي توثقها وتبثها سلطات الاحتلال بهذا الخصوص، لتسليط الضوء على تلك الجرائم وفضحها وملاحقة مقترفيها ووضع حد لها.

عن المؤلف..

عبد الناصر عوني فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط