كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الصناعات الثقافية الثقيلة

غني عن البيان أن بلادنا تمر اليوم بظروف لم يسبق لها أن عايشتها‏.‏ الصراع السياسي وتصادم الآراء بلغ ذروته‏,‏ وتلاشت تلك العبارة التقليدية القديمة الخلاف لا يفسد للود قضية.
لقد أصبحت الأفكار تتصارع بالرصاص والمتفجرات. ولم تعد المواجهات تدور بين ممارسي الإرهاب والدولة فقط بل امتدت مخالبها ـ بفضل الغطاء الفكري للإرهاب ـ إلي العائلات في البيوت, والعاملين في المؤسسات والمصالح الحكومية, وتلاميذ المدارس, وطلاب الجامعات, بل دور العبادة أيضا.
وفي خضم ما يجري تتصاعد النداءات بأنه ينبغي عدم الاقتصار علي المواجهة الأمنية للإرهاب رغم أهميتها; وأنه لا بد من مواجهة ثقافية أيضا. والمواجهة الثقافية لا تعني بحال أن نواجه ما اعتبرناه إقصاء ثقافيا بإقصاء مقابل فحسب فذلك قد يغير اللاعبين الأساسيين و لكنه لا يغير قواعد اللعبة التي أسهمت في خلق المشهد الذي نعاني منه. وكذلك فإن المواجهة الثقافية لا تعني فحسب إنتاجا ثقافيا يدين الإرهاب, ولا مجرد تنقية للمناهج الدراسية مما يحمل شبهة الدعوة للإرهاب, ولا إدانة من لا يقوم بتحية العلم والوقوف احتراما للسلام الجمهوري, قد يكون كل ذلك أو بعض منه مقبولا في اللحظة الراهنة. ولكن المطلوب فيما نري صناعة ثقافة جديدة.
وتتنوع صناعة الثقافة شأنها شأن غيرها من الصناعات, فمنها الاستهلاكية, والخفيفة, وكذلك الثقيلة التي يطلق عليها أحيانا الصناعات الإستراتيجية; التي تعني في هذا السياق تلك الصناعات التي تعتمد عليها بقية الصناعات. إن جميع أنواع الصناعات الثقافية ضرورية ومطلوبة كل في سياقه; غير أن جاذبية الصناعات الثقافية الاستهلاكية والخفيفة, وسخونة وجماهيرية منتجاتها, فضلا عن سهولة إنتاجها نسبيا; قد تغطي علي أهمية الصناعة الثقافية الإستراتيجية التي نعنيها. إننا نعني بتلك الصناعة الثقافية الإستراتيجية, صناعة وتأسيس الوعي الوطني لدي الأطفال الذين ستصبح مقاليد الأمور في أيديهم مستقبلا.
إن المدرسة ثم الجيش هما الأداتان الرئيسيتان من أدوات التنشئة الاجتماعية اللتان تلعبان الدور الأساسي في صياغة البعد المشترك في الهوية القومية, أو ما يعرف بالصهر الاجتماعي. ولقد أدرك بن جوريون هذه الحقيقة وهو بصدد تجميع شتات اليهود من جميع بقاع العالم علي أرض فلسطين فكان أول قراراته التي نفذها بقسوة بلغت حد إسالة دم يهودي هو توحيد التعليم وتوحيد الجيش.
نحن ننشأ في أسر تتباين توجهاتها السياسية والفكرية ولكنا جميعا نلتقي في المدرسة ثم يتم استدعاؤنا في سن التجنيد للخدمة العسكرية. وإذا كان التمييز قد ضرب بذراعه إلي حد كبير في نظامنا التعليمي, فقد ظلت المناهج القومية هي الملزمة و ظلت الخدمة العسكرية وعاء أساسيا لعملية الصهر بعد إلغاء البدلية أي دفع مقابل نقدي للإعفاء من تلك الخدمة, غير أن الشاب الذي يخطو خطواته الأولي في معسكر التأهيل للخدمة العسكرية يكون قد مضي خطوات عديدة قبل ذلك في طريق صياغة هويته الثقافية عبر مراحل التعليم المتتالية.
تري ما صورة الثقافة التي نريد أن يكون عليها أطفالنا الذين يحتلون اليوم مقاعد فصولهم في أول صفوف المرحلة الابتدائية, حين يبلغون الثامنة عشر ويصبح لهم حق المشاركة في الحياة السياسية وفي ممارسة حق اختيار حكامهم وعزلهم أيضا. الوقت ليس طويلا فأمامنا اثنتا عشر ة عاما فقط ليبلغ طفل السادسة الثامنة عشرة والسؤال هو: ما ملامح الهوية الثقافية الوطنية التي يجب ترسيخها لديهم؟
إن ترسيخ تلك الهوية الثقافية لا يتم داخل الفصول فحسب ولا من خلال الكتاب المدرسي وحده بل أساسا وأولا من خلال تفاعل التلاميذ مع بعضهم و مع مدرسيهم ومع إدارة المدرسة عبر أحداث تبدو صغيرة.
ولنقتصر مؤقتا علي محور واحد من محاور الهوية الثقافية الوطنية يعد فيما نري المدخل الأساسي للولوج إلي المستقبل: إنه التنوع والتعايش مع الاختلاف. تري هل نستطيع أن نقفز علي اللحظة الراهنة الملتهبة التي يسقط فيها الضحايا لنرسخ تلك القيم؟. وما التصرف المناسب حيال أطفال فقدوا ذويهم؟ قد يبدو الأمر للوهلة الأولي بسيطا, فالكتب المتخصصة في تربية الأطفال تفيض بالنصائح الموجهة للأهل لكيفية التعامل مع الأطفال في موقف فقدان الأحبة من الأقارب أو الأهل أو الأصدقاء وكيفية توصيل حقيقة االموتب للطفل بطريقة إنسانية,; ولكن أحدا من هؤلاء المتخصصين ذفيما أعلم- لم يتطرق لمشكلة من النوع الذي نواجهه.
دعونا نتصور الموقف العملي التالي:
معلم أو معلمة يدخل اليوم ـ العاشر من أكتوبر2013 ـ فصلا للسنة الأولي من المرحلة الابتدائية ليجد طفلتين أو طفلين يبكيان: أحدهما يبكي أباه الجندي أو الضابط الذي قتله الإرهابيون, والآخر يبكي أباه الذي فقده في رابعة العدوية, وربما تلمح المعلمة دموعا في عيون طفل ثالث فقد أباه خلال مواجهات لم تنقطع عبر الأعوام الثلاثة الماضية. تري كيف ينبغي أن يكون التصرف الصحيح؟ و كم منا فكر في إجابة لهذا السؤال الشائك؟
ألا يستحق الأمر جهدا مشتركا وعاجلا منا جميعا للبحث عن رسالة نوجهها لأولئك الأطفال بلغة يفهمونها تجمع بين إدانة الإرهاب والدعوة للتعايش والتخفيف من آلام من فقدوا ذويهم دون تمييز بينهم قد يضع البعض منهم علي بداية طريق ممارسة الإرهاب من جديد.
عن الاهرام

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط