كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الصهيونية بين الفكر والعقيدة

الصهيونية بين الفكر والعقيدة

تاريخ النشر: 2026-06-18 | 11:42

تطرح الصهيونية، بوصفها مشروعاً مركباً بين الفكر السياسي والعقيدة التاريخية، سؤالاً عميقاً لا يتعلق فقط بإقامة الدولة، بل يتعلق بإمكانات الوجود المشترك على أرض واحدة. فالمسألة الفلسطينية–الصهيونية ليست مجرد صراع حدود أو سيادة، بل هي صراع على المعنى الأنطولوجي للمكان، وعلى شرعية الوجود في الجغرافيا والتاريخ والذاكرة.
ومن هنا فإن أي مقاربة فلسفية جادة لهذا الصراع لا بد أن تتجاوز ثنائية الحرب والنفي، لتصل إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يمكن لوجودين مختلفين في السردية والهوية أن يتقاسما مكاناً واحداً دون إلغاء أحدهما للآخر؟
أولاً: الصهيونية بين الفكر السياسي والعقيدة المقدسة
تتأسس الصهيونية في مستواها الفكري على مشروع قومي حديث نشأ في أوروبا، هدفه إعادة تشكيل الهوية اليهودية في إطار دولة قومية. وهو في هذا المستوى مشروع سياسي قابل للتفاوض والتعديل والتطور.
لكن هذا المشروع لم يبقَ في حدوده السياسية، بل تداخل مع البعد العقائدي الذي منح الأرض معنى مقدساً، والتاريخ بعداً نبوياً، والدولة وظيفة تتجاوز السياسة إلى تحقيق "وعد تاريخي".
وبهذا الانتقال من الفكر إلى العقيدة، تحولت الصهيونية من مشروع سياسي إلى رؤية شاملة للوجود، تجمع بين العقل والتأويل المقدس، وبين الدولة والمعنى.
ثانياً: الصراع على المكان: من الجغرافيا إلى الوجود
إن جوهر الصراع في فلسطين لا يكمن في الأرض بوصفها مادة جغرافية، بل في الأرض بوصفها معنى أنطولوجياً.
فالفلسطيني لا يرى المكان كحيز فارغ، بل كامتداد لوجوده التاريخي وذاكرته الجمعية. بينما سعت الصهيونية إلى إعادة تعريف المكان بوصفه فضاءً لإعادة بناء الهوية القومية اليهودية.
وهنا يتحول الصراع من صراع على الأرض إلى صراع على تعريف الأرض ذاتها:
هل الأرض ذاكرة تاريخية متعددة الطبقات؟
أم هي فضاء يعاد تأسيسه وفق رواية واحدة؟
ثالثاً: بين حق القوة وقوة الحق
يتجلى هذا الصراع في التوتر الدائم بين منطقين:
منطق القوة الذي يسعى إلى فرض الواقع السياسي. ومنطق الحق الذي يستند إلى التاريخ والذاكرة والشرعية الوجودية.
لكن هذا التناقض ليس نهائياً في طبيعته الفلسفية، بل هو مجال مفتوح لإعادة التفكير في إمكانات التعايش، إذا ما انتقلنا من منطق الإلغاء إلى منطق الاعتراف المتبادل بالوجود.
رابعاً: أنطولوجيا التعايش: هل يمكن لوجودين أن يتقاسما مكاناً واحداً؟
إن سؤال التعايش لا يُفهم فقط سياسياً، بل أنطولوجياً أيضاً.
فالتعايش لا يعني فقط وقف الصراع، بل يعني الاعتراف بوجود الآخر بوصفه جزءاً من بنية المكان، لا مجرد طارئ عليه.
إن إمكانية العيش المشترك على أرض واحدة تستند إلى ثلاثة شروط فلسفية:
الاعتراف المتبادل بالوجود
أي الاعتراف بأن كل طرف يمتلك سرديته التاريخية وحقه في الوجود داخل المكان.
تحييد فكرة الإلغاء المطلق
أي التخلي عن التصورات التي ترى في وجود الآخر نفيًا لذاته.
تحويل المكان من ملكية حصرية إلى فضاء مشترك
بحيث يصبح المكان مجالاً للتعدد لا للإقصاء.
وبهذا المعنى، فإن التعايش لا يقوم على التشابه، بل على إدارة الاختلاف داخل فضاء واحد.
خامساً: من الدولة الواحدة للهوية الواحدة إلى فضاء التعدد
إن أحد أخطر الإشكالات في الفكر السياسي للصراع هو محاولة تحويل التعدد إلى وحدة قسرية، أو تحويل الوحدة إلى إلغاء للتعدد.
لكن التجربة التاريخية تثبت أن المجتمعات المركبة لا تستقر إلا حين تعترف بتعدد الهويات داخل إطار مشترك.
وفي الحالة الفلسطينية–الصهيونية، لا يمكن لأي طرف أن يلغي الآخر دون أن يدخل في دائرة إعادة إنتاج الصراع.
لذلك فإن البديل الفلسفي الممكن ليس وحدة الهوية، بل وحدة الفضاء مع تعدد الهويات.
سادساً: السلام بوصفه إعادة تعريف للوجود
إن السلام في هذا السياق لا يعني نهاية الصراع فقط، بل يعني إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.
فالسلام الحقيقي ليس وقفاً للعنف فحسب، بل هو انتقال من منطق الامتلاك إلى منطق المشاركة.
ومن منطق "هذه الأرض لي وحدي" إلى منطق "هذه الأرض لنا معاً، رغم اختلاف الروايات".
وهنا يصبح السلام فعلاً أنطولوجياً يعيد صياغة معنى الوجود المشترك، لا مجرد اتفاق سياسي مؤقت.
خاتمة
إن الصهيونية، بوصفها فكراً وعقيدة، تمثل مشروعاً معقداً لإعادة بناء الوجود في المكان والتاريخ. غير أن هذا المشروع يصطدم بحقيقة أن المكان ليس قابلاً للاختزال في رواية واحدة، وأن التاريخ لا يُمحى برؤية واحدة، وأن الوجود الإنساني لا يستقيم على الإلغاء.
ومن هنا فإن السؤال الجوهري الذي يظل مفتوحاً هو:
هل يمكن تحويل الصراع من صراع على الوجود إلى إدارة مشتركة للوجود؟
وهل يمكن أن يتحول المكان من ساحة إلغاء إلى فضاء اعتراف؟
إن إمكانية العيش المشترك على أرض واحدة ليست وهماً فلسفياً، لكنها أيضاً ليست أمراً بديهياً؛ إنها مشروع تاريخي–أنطولوجي يتطلب إعادة صياغة الوعي، وإعادة تعريف الهوية، والانتقال من منطق السيطرة إلى منطق المشاركة.
وفي هذا الأفق فقط يمكن أن يولد معنى جديد للسلام، لا يلغي أحداً، بل يعيد تشكيل العلاقة بين المختلفين داخل فضاء واحد اسمه الأرض، والتاريخ، والإنسان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط