كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الضفة الغربية: إرهاب المستوطنين أداة للضم الزاحف وفرض السيادة

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران والتوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة، تتسارع على الأرض في الضفة الغربية المحتلة عملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تتجه الأنظار إلى ساحات الحرب، تستغل حكومة الاحتلال الإسرائيلي هذا الانشغال الدولي لتعميق سياسات السيطرة على الأرض في الضفة الغربية، عبر مزيج من القرارات الحكومية، التوسع الاستيطاني، وإرهاب المستوطنين المنظم ضد الفلسطينيين.

لم يعد ما يسمى في الخطاب الرسمي لدولة الاحتلال الإسرائيلي بـ إرهاب المستوطنين ظاهرة هامشية أو أعمال شغب يقوم بها عدد محدود من شبان التلال، فالمعطيات والبيانات المتراكمة في السنوات الأخيرة، إلى جانب التحقيقات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية والدولية، تشير بوضوح إلى أن هذه الاعتداءات أصبحت جزءاً من منظومة سياسية وأمنية أوسع تعمل عملياً على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية المحتلة.

التحقيق الذي نشرته صحيفة “هآرتس” يوم الجمعة الفائت يرسم صورة مقلقة لانهيار منظومة الرقابة الأمنية والقانونية، التي كانت تضبط ولو جزئياً هذه الاعتداءات. غير أن ما يجري في الواقع لا يمكن فهمه كظاهرة عابرة، بل كسياسة قديمة تعمقت بصورة واضحة مع صعود حكومة اليمين الاستيطاني الحالية.

فبحسب شهادات ضباط وجنود احتياط خدموا في الضفة الغربية، لم يعد  إرهاب المستوطنين مجرد حوادث استثنائية، بل تحوّل إلى نمط شبه يومي. وفي كثير من الحالات يصل الجنود إلى مواقع الهجمات بعد وقوعها، ليجدوا أنفسهم أمام صدام بين مستوطنين وفلسطينيين ينتهي غالباً باعتقال الفلسطينيين أو استخدام القوة ضدهم.

لكن المشكلة أعمق بكثير من مجرد تقاعس أمني. فإرهاب المستوطنين لم يعد فعلاً عشوائياً، بل أصبح أداة ميدانية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. فبدلاً من عشرات من شبان التلال، كما تدّعي حكومة الاحتلال، يتحدث التحقيق عن مئات المشاركين في الاعتداءات، يعملون ضمن شبكة دعم واسعة تشمل بؤراً استيطانية ومزارع استيطانية ومجالس إقليمية في الضفة الغربية.

بل إن بعض هذه المجموعات بات ينشر تقارير شهرية عن نشاطاته، تتفاخر فيها بإحراق منازل ومركبات فلسطينية وتدمير أشجار الزيتون والاعتداء على سكان القرى المجاورة. وهو ما يعكس درجة غير مسبوقة من التنظيم والشرعنة الضمنية لهذا النوع من الإرهاب.

الأخطر من ذلك هو التداخل المتزايد بين المستوطنين والمنظومة العسكرية. فبعض المشاركين في الاعتداءات يتحركون بمركبات عسكرية أو شبه عسكرية، ويرتدون أجزاء من الزي العسكري، ويحملون أسلحة حصلوا عليها ضمن منظومات الدفاع الإقليمي، ومع توسع تسليح المستوطنين خلال السنوات الأخيرة، أصبح الخط الفاصل بين المدنيين المسلحين والجيش الإسرائيلي أكثر ضبابية.

وبهذا المعنى، يتحول المستوطنون تدريجياً إلى قوة شبه عسكرية تعمل في الميدان، تحظى بحماية الجيش وتتحرك أحياناً تحت نظره المباشر.

سياسياً، لا يمكن فهم هذا التحول من دون النظر إلى التغيرات العميقة داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية. فوزير المالية والوزير في وزارة الدفاع المسؤول عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية، بتسلئيل سموتريتش، يدفع بوضوح نحو تنفيذ رؤيته المعروفة باسم “خطة الحسم”، التي طرحها عام 2017.

تقوم هذه الخطة على توسيع السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة “C”، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، مع إبقاء الفلسطينيين محصورين داخل جيوب سكانية في مناطق “A” و”B”. وفي إطار هذا التصور، يصبح إرهاب المستوطنين وسيلة ميدانية لفرض واقع ديموغرافي جديد.

فالهجمات المتكررة على القرى الفلسطينية، وإحراق المحاصيل، وتخريب مصادر المياه، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، ليست مجرد حوادث متفرقة، بل أدوات تهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، خصوصاً في المناطق الريفية والأغوار وجنوب الخليل.

في المقابل، تراجعت قدرة أو رغبة مؤسسات إنفاذ القانون الإسرائيلية في مواجهة هذه الظاهرة. فشرطة الاحتلال في الضفة الغربية، الواقعة تحت نفوذ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تتعرض لانتقادات متزايدة بسبب تقاعسها عن التحقيق في اعتداءات المستوطنين. كما تقلص دور جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في متابعة ما يُعرف بـ الإرهاب اليهودي.

غير أن ما يبدو تقاعساً في الظاهر يعكس في كثير من الأحيان انسجاماً مع توجهات الحكومة الحالية. فالجيش الإسرائيلي، الذي وصف في بيانات سابقة بعض ممارسات المستوطنين بأنها  إرهاب يهودي، يجد نفسه اليوم جزءاً من واقع سياسي وأمني يدفعه إلى تجنب المواجهة مع المستوطنين.

كما أن قرارات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين، رغم محدودية استخدامها أصلاً، تعكس توجهاً سياسياً يحد من أدوات الردع القانونية تجاه هذه الاعتداءات.

هذه التحولات انعكست أيضاً داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد وقّع نحو مئتي جندي احتياط رسالة إلى القيادة العسكرية يحذرون فيها من تآكل القيم التي يفترض أن يقوم عليها الجيش، ومن تورط بعض الجنود في أعمال عنف ضد الفلسطينيين أو في التغاضي عنها.

غير أن هذا الخطاب الأخلاقي يصطدم بواقع مختلف على الأرض. فالجيش نفسه ينفذ يومياً عمليات اقتحام واعتقال في المدن والقرى الفلسطينية، ويوفر الحماية للمستوطنين خلال هجماتهم أو بعدها. ويكشف هذا التناقض بين الخطاب والممارسة حدود قدرة المؤسسة العسكرية أو رغبتها  في مواجهة إرهاب المستوطنين.

ما يتشكل اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد تصاعد في إرهاب المستوطنين، بل إعادة هندسة تدريجية للواقع السياسي والجغرافي. يتحرك المستوطنون بحرية شبه كاملة، بينما تبدو المنظومة الأمنية مترددة أو عاجزة عن ضبطهم، في حين تدفع القيادة السياسية باتجاه توسيع السيطرة على الأرض وتطبيق سياسات الضم الزاحف.

بهذا المعنى، يصبح إرهاب المستوطنين أداة ضمن سياسة أوسع لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية. إنها عملية منهجية وبطيئة، تقوم على دفع الفلسطينيين للانكماش داخل جيوب سكانية معزولة، في مقابل توسيع متواصل للمشروع الاستيطاني، وتثبيت واقع جديد يخدم أهداف إسرائيل الاستراتيجية والسياسية.

وفي ظل الحرب المدمرة على قطاع غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، تبدو الضفة الغربية ساحة موازية لعملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تستمر المأساة الإنسانية في غزة، تتسارع في الضفة سياسات السيطرة على الأرض عبر مزيج من القرارات الحكومية وإرهاب المستوطنين والتواطؤ المؤسسي، لتكريس واقع قائم على التفوق الإسرائيلي والضم الفعلي للأراضي.

والنتيجة النهائية ليست مجرد توسع استيطاني، بل ترسيخ نظام قائم على الضم التدريجي، التفوق العرقي، والطرد التدريجي للفلسطينيين من أرضهم، في حين تبقى مؤسسات الاحتلال الرسمية وأذرعها الأمنية والسياسية حاضرة لدعم هذا المشروع ومشاركته بصورة عملية ومباشرة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط