كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الضفة الغربية بعد رمضان.. تصعيد ميداني وتعقيد إقليمي

الضفة الغربية بعد رمضان.. تصعيد ميداني وتعقيد إقليمي

تاريخ النشر: 2026-03-25 | 14:30

بينما طوى الفلسطينيون في الضفة الغربية صفحات شهر رمضان المبارك، لم تكن مشاعر الارتياح المعتادة التي تصاحب خواتيم الشهر الفضيل هي السائدة، بل حلّت مكانها حالة من الترقب المشوب بالحذر والقلق من مستقبل يبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. إن القراءة المتأنية للمشهد الميداني والسياسي تشير بوضوح إلى أن الضفة تعيش اليوم حالة من "الانكشاف الاستراتيجي" المزدوج؛ فهي من جهة تواجه تصاعداً غير مسبوق في الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى تجد نفسها مرتهنة لتفاعلات إقليمية كبرى أعادت ترتيب أولويات الفاعلين في المنطقة، وجعلت من الساحة المحلية جزءاً من معادلة ردع إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية المباشرة، لتصبح مجرد تفصيل في صراع أوسع على النفوذ والسيطرة.

المفارقة المؤلمة التي يلمسها المواطن في مدن مثل جنين ونابلس وطولكرم، هي أن التصعيد الإقليمي الأخير، بما في ذلك تداعيات الهجوم الصاروخي الإيراني وما تبعه من تجاذبات كبرى، لم يخفف الضغط عن كاهل السكان كما كان يأمل البعض، بل حدث العكس تماماً. فقد تزامن هذا التصعيد مع زيادة حادة في الوجود العسكري للاحتلال وتكثيف الإجراءات الميدانية تحت مسوغات "الاستنفار الاستراتيجي" وضرورات اليقظة الأمنية. لقد تحول رمضان هذا العام إلى ساحة لاختبار مستويات جديدة من السيطرة، حيث ارتفعت وتيرة الاقتحامات والاعتقالات إلى معدلات قياسية لم يشهدها السكان حتى في ذروة العامين الماضيين، مما ألقى بظلال ثقيلة على الأجواء الاجتماعية والروحية وحوّل ليالي الشهر التي كانت تُعرف بالسكينة إلى ساعات طويلة من الترقب والمواجهة المستمرة التي لا تفرق بين حيّ ومخيم.

هذا الواقع المأزوم لم يتوقف عند حدود الجانب الأمني الصرف، بل امتد ليعمق "الجرح الاقتصادي" الذي ينزف منذ أشهر دون بارقة أمل. فاستمرار القيود الصارمة على حركة العمال، إلى جانب أزمة أموال المقاصة المستعصية التي تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي، ساهم في خلق حالة من الشلل شبه الكامل في الدورة الاقتصادية المحلية. الأسواق التي كانت في السابق تعج بالحياة والنشاط الموسمي في رمضان بدت هذا العام باهتة ومنكسرة؛ حيث تراجعت القدرة الشرائية للأسر الفلسطينية إلى مستويات خطيرة، وارتفعت الأسعار بشكل حاد نتيجة صعوبة التوريد وانقطاع السلاسل الاقتصادية بفعل الحواجز والإغلاقات الممنهجة. إن هذا التداخل بين التوتر السياسي والأمن المعيشي يؤكد أن الضفة الغربية تُستخدم اليوم كأداة ضغط اقتصادية لتمرير أجندات سياسية إقليمية ودولية، في ظل غياب أي أفق دولي حقيقي لرفع هذا الحصار المالي الذي يخنق ملايين الفلسطينيين في صمت مطبق.

وفي سياق القراءة السياسية الداخلية، تواجه حركة حماس تحديات جسيمة في هذه المرحلة الحساسة. فالحركة تجد نفسها اليوم أمام صعوبة بالغة في موازنة "الأجندة الوطنية" الفلسطينية مع الانخراط في توازنات إقليمية قد لا تتطابق أولوياتها بالضرورة مع الاحتياجات الفلسطينية العاجلة والمباشرة. إن النقد الموضوعي الموجه هنا ليس للمقاومة كمبدأ أو حق مشروع، بل للحسابات السياسية التي تجعل القرار الوطني الفلسطيني في بعض مفاصله رهينة لتقلبات المحاور الخارجية وحسابات القوى الإقليمية. هذا الارتهان يحد بشكل كبير من هامش المناورة السياسية في لحظات تاريخية تتطلب استقلالية كاملة ومرونة وطنية لحماية حقوق المواطنين وتجنيبهم دفع أثمان صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لمدى جدوى التموضع ضمن محاور قد تبيع الشعارات في العلن وتترك الشعوب لمواجهة مصيرها وحيدة في الميدان.

إن الانخراط، سواء كان قسرياً أو اختيارياً، في بيئة إقليمية مشحونة بالصراع المباشر بين إيران وإسرائيل جعل الساحة الفلسطينية أكثر عرضة للاهتزازات الخارجية التي لا يمكن التحكم في مساراتها أو التنبؤ بنتائجها الكارثية. هذا الواقع يفرض تحدياً إضافياً يتمثل في ضرورة استعادة "مركزية القضية الفلسطينية" وتنقيتها من الشوائب الإقليمية، بعيداً عن كونها مجرد تفصيل صغير في صراع نفوذ إقليمي أوسع. ما تحتاجه الضفة الغربية اليوم، وهي تخرج من رمضان 2026 بصعوبة استثنائية ومرارة لم تعهدها منذ عقد، هو صياغة رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني وحقه في الأمن والعيش والكرامة كأولوية قصوى تسبق أي حسابات جيوسياسية عابرة للحدود.

وتؤكد الدروس المستخلصة من رمضان هذا العام أن غياب الأفق السياسي الواضح لن يؤدي إلا إلى تكريس حالة من عدم اليقين التي تنخر في جسد المجتمع الفلسطيني وتزيد من حالة الانقسام والضعف. وبينما تستمر الحرب في غزة دون حسم نهائي، يبقى المخرج الوحيد هو العودة إلى "المربع الوطني المستقل"، المدعوم بعمق عربي أصيل وغير مشروط، الذي يضع حداً لحالة الاستفراد الإسرائيلي بالضفة، ويعيد الاعتبار لفكرة الحل السياسي الشامل كمدخل وحيد لتهدئة مستدامة تحفظ للإنسان الفلسطيني كرامته فوق أرضه، بعيداً عن مقامرات المحاور التي تستخدم الأزمات لتحقيق مكاسبها الخاصة وتترك الشعوب لمواجهة أقدارها وحيدة تحت وطأة الحصار والبارود والخذلان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط