كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الضمّ الزاحف للضفة الغربية بين إعادة هندسة السيطرة وتقويض حلّ الدولتين

الضمّ الزاحف للضفة الغربية بين إعادة هندسة السيطرة وتقويض حلّ الدولتين

تاريخ النشر: 2026-02-12 | 15:30

تمضي إسرائيل في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة ومدروسة نحو تكريس واقع جديد في الضفة الغربية يتجاوز منطق إدارة الصراع إلى منطق حسمه تدريجياً عبر فرض وقائع قانونية وإدارية وميدانية تُفضي إلى ضمّ فعلي بحكم الأمر الواقع والقرارات الأخيرة المتعلقة بتسجيل الأراضي وتوسيع السيطرة المدنية ونقل صلاحيات التخطيط والبناء لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءات تقنية معزولة عن الواقع بل بوصفها حلقة متقدمة في مشروع متكامل يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والقانونية للضفة الغربية بما يتعارض مع الأسس التي قامت عليها اتفاقات أوسلو ويقوّض عملياً ما تبقى من إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة

 

جوهر التحول الراهن يكمن في الانتقال من إدارة أمنية مؤقتة للأرض المحتلة إلى إعادة هندسة شاملة لمنظومة السيطرة تقوم على تفكيك الحواجز القانونية التي أعاقت التوسع الاستيطاني سابقاً وإضفاء طابع مدني على أدوات الهيمنة العسكرية ورفع السرية عن سجلات الأراضي وإلغاء القيود التي كانت تمنع نقل الملكية لغير الفلسطينيين وتوسيع صلاحيات الجيش في المنطقتين أ وب بذريعة حماية المواقع الأثرية أو معالجة مخالفات بيئية وكلها أدوات جديدة تعيد تعريف العلاقة بين السلطة القائمة بالاحتلال والسكان الواقعين تحت الاحتلال بما يحول الاحتلال من حالة مؤقتة في القانون الدولي إلى منظومة حكم دائمة ذات طابع استيطاني

 

تكتسب هذه الإجراءات دلالتها السياسية من السياق الأوسع الذي تتبلور فيه حيث أعلنت شخصيات مركزية في الحكومة الإسرائيلية صراحة أن الهدف هو تطبيع الحياة في الضفة الغربية ومنح المستوطنين حقوقاً قانونية ومدنية متساوية بل ومواصلة قتل فكرة الدولة الفلسطينية وهذا الخطاب تعتبر الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من المجال السيادي الإسرائيلي وسوف يُستكمل بخطط معلنة لضم نسب واسعة من الأراضي تقوم على مبدأ أكبر مساحة بأقل عدد من الفلسطينيين بحيث يصبح المشروع أقرب إلى استراتيجية طويلة المدى لإعادة رسم الحدود من جانب واحد

 

مدينة الخليل تظهر في المشهد بوصفها نموذجاً مكثفاً لهذا التحول وان استهداف صلاحيات البلدية الفلسطينية ونقل التخطيط والبناء إلى السلطات الإسرائيلية والسعي إلى إعادة ترتيب إدارة الحرم الإبراهيمي ومحيطه يمثل اختباراً لإمكانية تفكيك ترتيبات قائمة منذ بروتوكول الخليل عام 1997 كما إن إعادة تعريف الفضاء العام في البلدة القديمة ومنح الأولوية التخطيطية للمستوطنين داخل نسيج حضري فلسطيني مكتظ يعكس توجهاً لإعادة صياغة السيادة على مستوى الحي والشارع والموقع الديني وليس فقط على مستوى الخرائط الكبرى

 

بالتوازي مع إعادة الهيكلة القانونية يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة من حيث عدد الوحدات المخطط لها والمصادق عليها مع توسع مواز في البنية التحتية المخصصة للمستوطنين من طرق التفافية وجسور ومشاريع ربط مباشر بإسرائيل وهذا التوسع لا يهدف فقط إلى زيادة عدد السكان المستوطنين بل إلى خلق ترابط جغرافي يحول المستوطنات إلى كتل متصلة تفرض واقعاً ديموغرافياً يصعب التراجع عنه في أي تسوية مستقبلية وعندما يقترن ذلك بارتفاع معدلات التهجير القسري والعنف الميداني والقيود المشددة على الحركة يتضح أن المسارات الثلاثة المتمثلة في الاستيطان والضغط السكاني وإعادة الصياغة القانونية تعمل في منظومة واحدة متكاملة  

على صعيد السلطة الفلسطينية فإن توسيع السيطرة المدنية الإسرائيلية إلى المنطقتين أ وب يحمل دلالة سياسية عميقة فهاتان المنطقتان كانتا تمثلان الإطار العملي للحكم الذاتي الفلسطيني ورمزاً للمرحلة الانتقالية التي يفترض أن تقود إلى تسوية نهائية ومع تقليص صلاحيات التخطيط والإدارة والخدمات وتجاوز المؤسسات الفلسطينية في التنسيق المباشر مع الجيش الإسرائيلي تصبح السلطة في عملها أقرب إلى جهاز إداري محدود الصلاحيات أو وكيل أمني في بيئة تزداد خضوعاً لإرادة الطرف الأقوى هذا التحول يضع القيادة الفلسطينية أمام معضلة استراتيجية تتعلق بجدوى استمرار الصيغة القائمة من الحكم الذاتي في ظل تآكل مقوماته

 

ردود الفعل الفلسطينية الرسمية والفصائلية وكذلك مواقف بعض الدول الإقليمية تعكس إدراكاً لخطورة المرحلة غير أن ميزان القوى الميداني والدعم السياسي الذي تحظى به الحكومة الإسرائيلية في الداخل يمنحها هامشاً واسعاً للمضي قدماً كما أن تجنب الإعلان الرسمي عن الضم والاكتفاء بفرضه تدريجياً يقلل من احتمالات فرض عقوبات دولية حاسمة ويبقي التحرك في منطقة رمادية قانونياً رغم تعارضه الواضح مع قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة

 

من الناحية التحليلية يمكن القول إن إسرائيل انتقلت من إدارة صراع قابل للتجميد إلى إدارة واقع يراد له أن يكون نهائياً وبدلاً من إبقاء الوضع مفتوحاً على احتمالات تفاوضية يجري تثبيت حقائق يصعب عكسها دون كلفة سياسية وأمنية عالية وإذا استمرت هذه السياسات بالوتيرة الحالية فإن الضفة الغربية قد تتحول خلال سنوات قليلة إلى فضاء مقطع الأوصال تحكمه سيادة إسرائيلية فعلية مع جيوب سكانية فلسطينية ذات إدارة محدودة وهو نموذج يبتعد جذرياً عن تصور حل الدولتين المقبول عربيا ودوليا والذي شكل الإطار النظري للعملية السياسية منذ ثلاثة عقود

 

في النظرة المستقبلية تبدو السيناريوهات مفتوحة على ثلاثة احتمالات رئيسية الأول يتمثل في ترسيخ الضم بحكم الأمر الواقع دون إعلان رسمي مع استمرار إدارة السكان الفلسطينيين في إطار حكم ذاتي محدود ومقيد والثاني يتمثل في انفجار ميداني واسع نتيجة تراكم الضغوط بما يعيد الصراع إلى مربع المواجهة المفتوحة أما الثالث وهو الأقل ترجيحاً في المدى القريب فيقوم على تدخل دولي فاعل يفرض إعادة إحياء مسار سياسي جدي يستند إلى مرجعيات واضحة وملزمة

 

النظرة المستقبلية تبدو السيناريوهات مفتوحة على ثلاثة احتمالات رئيسية الأول يتمثل في ترسيخ الضم بحكم الأمر الواقع دون إعلان رسمي مع استمرار إدارة السكان الفلسطينيين في إطار حكم ذاتي محدود ومقيد. الثاني يتمثل في انفجار ميداني واسع نتيجة تراكم الضغوط، بما يعيد الصراع إلى مربع المواجهة المفتوحة. أما الثالث، وهو الأقل ترجيحاً في المدى القريب، فيقوم على تدخل دولي فاعل يفرض إعادة إحياء مسار سياسي جدي يستند إلى مرجعيات واضحة وملزمة

 

في جميع الأحوال، فإن ما يجري اليوم في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في قرارات إدارية متفرقة بل هو إعادة تشكيل تدريجية لبنية السيطرة والسيادة والملكية بما يعيد تعريف الصراع ذاته وإذا كان التاريخ السياسي للمنطقة قد علمنا شيئاً فهو أن الوقائع التي تُفرض على الأرض لسنوات تتحول بمرور الوقت إلى حقائق سياسية يصعب تجاوزها ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تمثل مفترق طرق حقيقياً ليس فقط لمستقبل الضفة الغربية، بل لطبيعة النظام السياسي الذي سيتشكل بين النهر والبحر في العقود القادمة

 

كلمة أخيرة لا بد أن توجه إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مفادها أن الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق لم يعد كافياً أمام واقع يعاد تشكيله يومياً على الأرض والمسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية تقتضي موقفاً واضحاً يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها لأن استمرار هذا المسار لن يقود إلا إلى تكريس نظام دائم من الصراع وعدم الاستقرار وتقويض ما تبقى من فرص السلام العادل وإذا لم تمارس القوى المؤثرة ضغطاً حقيقياً وفاعلاً على كيان الاحتلال لوقف إجراءات الضم الزاحف فإنها ستكون شريكاً بصمتها في صناعة واقع يصعب تغييره ويهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط