كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الضّمّ من أجندة ورقيّة إلى خطوة تنفيذيّة

الضّمّ من أجندة ورقيّة إلى خطوة تنفيذيّة

تاريخ النشر: 2020-06-12 | 11:18

لم يمضِ كثيراً عن بدء الإعلان عن بنود صفقة القرن عشية الثلاثاء 28 يناير/كانون الثاني 2020م بحضور رئيس وزراء دولة الإحتلال "بنيامين نتنياهو" مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "دونالد ترامب" في واشنطن للتصريح بتنفيذ مقترح ما أسماه "جوريد كاشنير"، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره بـ "السلام من أجل الإزدهار" وصاحبها والمروّج لها، حتى أقبلت حكومة الإحتلال يوم الإثنين 20 أبريل/نيسان ممثّلة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع "بيني غانتس"، على توقيع اتفاقية لتشكيل حكومة وحدة طارئة، يتبادل كليّهما رئاستها، مشروطة ببدء نتنياهو الحقبة الأولى لمدة 18 شهراً لتحديد باكورة يوليو/تموز المقبل ضَمّ غور الأردن ومنطقة شمال البحر الميت في فلسطين والمستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، التي تشكّل مجموعة 30 بالمائة من مساحة الضفة. ولقد أكدّ الآخر في حملته الإنتخابية بتنفيذ وعده بالضّمّ خلال فترة حكم دونالد ترامب، على الرغم من 48 بالمائة من الإسرائيليين يقفون بين محايد ومعارض لخطة نتياهو حسب إحصائية أجراها معهد الديمقراطية الإسرائيلي "IDI".

سؤال يتقاسمه الوطن العربي من المحيط إلى الخليج على مستوى القرار الأول، مروراً بأبناء الباع الطويل في سياسة المنطقة وانتهاءً لمجالس العامّة في الشارع، كيف ستتعامل دول العالم مع خطط إسرائيل لضمّ الأراضي المحتلة؟

عقد وزراء خارجية دول الإتحاد الأوروبي مؤتمراً بالفيديو ظهيرة 15 مايو/أيّار نظمته "بروكسل" لمناقشة آخر تطورات الصراع في الشرق الأوسط حيث صرّح منسّق السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" بأنّ دول الإتحاد ستعمل بشكل كامل وبنّاء مع الحكومة الإسرائيلية مع استمرار تبني دعم حلّ الدولتين وتجنّب الإجراءات والقرارت أُحادية الجانب.

كما وتحدّث وزير خارجية "لوكسمبورج" "جان أسيلبورن" عن إدانته الشديدة لخطط الضّمّ الإسرائيلية، فضمّ منطقة ليست ملكاً له يعتبر انتهاك، وانتهاك خطير للقانون الدولي، وذات الشيء الذي تبناه الإتحاد الأوروبي عندما ضمّت روسيا شبه جزيرة "القرم" الأوكرانية في عام 2014م، ولقد تعمّد - حسب طرحه - تقديم هذه المقارنة لإتخاذ موقف جدّي ووقائي وممارسة الضغط لإبطال هذه الإنتهاكات.

وقد لوّح أسيلبورن بالتهديد بوضع عقوبات في حال أعتبر الإتحاد الضّمّ المحتمل للأراضي الفلسطينية كضمّ القرم، فسيتعيّن حينها على إسرائيل أنّ تأخذ بعين الإعتبار إجراءات عقابية واسعة النطاق، وأهمّها الإقتصادية والتي لا تزال قائمة على روسيا جرّاء الضّمّ حتى اليوم.

بدا حجم التفاعل والتضارب واضحاً بين دول الأعضاء بين تأييد واضح للعقوبات مثل بلجيكا وأيرلندا ولوكسمبورغ والسويد وفرنسا كما بريطانيا صرّحت بعدم الإعتراف بالضّمّ، وآخرين ضد العقوبات مثل ألمانيا ودول أخرى اعتبرت المسار الأسلم والأقلّ خسارة وبعداً عن المواجهة هي المحادثات المنطقية، طالما لم يتم تنفيذ الضّمّ بعد. وهذا الذي يتبناه في موقف محايّد وزير الخارجية الألماني "هايكو ماس" ورفضه تشبيه نظيره أسيلبورن الجزيرة الأُوكرانية بالخطّة الإسرائيلية لأجزاء الضفة الغربية، على الرغم من تأكيده بأنّ الضّمّ انتهاك للقانون الدولي.

ولقد صرّحت وزارة الخارجية الألمانية بزيارة وزير خارجيتها ماس لإسرائيل والأردن يوم الأربعاء 10 يونيو/حزيران، وهي الأولى له خارج الإتحاد الأوروبي منذ بداية أزمة كورونا والأصعب خارج ألمانيا حتى الآن، كما يصفها المراقبون في ألمانيا، والأولى أيضاً لمسؤول حكومي رفيع المستوى يزور الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي بدأت في 17 مايو/أيّار بعد تعليق سياسي غير مسبوق وثلاثة انتخابات في غضون عام.

التقي الآخر خلال زيارته القصيرة نهار الأربعاء نتنياهو ووزير الخارجية "غابي اشكيناسي" و بيني غانتس، حسب ما صرّح المتحدّث بإسم وزارة الخارجية في برلين، بينما استثنى الحكومة الفلسطينية من هذه الزيارة، معلّلة وزارة الخارجية الألمانية ذلك بأزمة كورونا، رغم تصريح الأخرى بأنّ عدد الحالات في إسرائيل أكثر منها في الضفة، مكتفياً بلقاء رئيس الوزراء الفلسطيني محمد شتية عبر الفيديو أثناء وجوده في الأردن في ذات اليوم.

افتتح ماس حواره مع نظيره بتوقيع وتجديد الدّعم المالي الألماني وإطراء قدّمه الآخر للدولة الإسرائيلية الصديقة ذات العلاقات المميّزة جداً، حسب وصف الآخر.

ردود نتنياهو على الموقف الألماني السلبي كانت تفصيل حول تدابير الضّمّ بدل المبادرة للعمل على إيجاد لغة حوار، ما هي إلّا ثبات الموقف الاسرائيلي على قراراته، مع تهميش الجانب الفلسطيني ووضع الدور العربي في الحاشية.

بينما تقف حكومة الولايات المتحدة كراعية لخطط الضّمّ، والتي بدت بزيارة خاطفة لوزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" الأربعاء 13 مايو/أيّار إلى دولة الإحتلال، وهي رحلته الأولى منذ مارس إلى الخارج بعد أزمة كورنا. حيث صرّح الآخر في مقابلة مع صحيفة "إسرائيل حاجوم" قبل الزيارة بأنّ خطط الضّمّ في الضفة الغربية قرار إسرائيلي. ويلعب السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة "رون ديرمر" دوراً مهماً من خلال ممارسة ضغوطات على إدارة ترامب للمضيّ قدماً في بسط سيادة دولته على المستوطنات قبل الإنتخابات، تحسّباً لخسارة ترامب أمام بايدن. بالإضافة إلى إعلان السفير الأميركي لدى دولة الإحتلال "ديفد فريدمان" إعتراف دولته بالسيادة الإسرائيلية على المناطق التي تعقد الأخرى على بسط نفوذها عليها.

فيما بدا موقف مرشّح الحزب الديمقراطي للإنتخابات الرئاسية الأمريكية "جو بايدن" في لقاء افتراضي جمعه بمتبرعين يهود أمريكيين يوم الثلاثاء 19 مايو/أيّار كثير الحنكة، حيث صرّح بأنّه سيعكس سياسات دونالد ترامب تجاه إسرائيل، والتي تضرّ وتقوّض بشكل كبير آلية السلام مع الفلسطينيين، وأنّه بصدد إعادة العلاقات الدبلوماسية مع السلطة وإعادة المساعدات ودفع الجانبين نحو حلّ الدولتين، ومعارضته بنيامين نتنياهو مشروع الضّمّ، متعهداً في ذات الوقت بالحفاظ على مذكرة التفاهم لعام 2016م التي أُبرمت بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" وإسرائيل، والتي تُخصّص لإسرائيل 38 مليار دولار لمدة عشر سنوات، على الرغم من طرح بعض منافسين بايدن السابقين طيلة الإنتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للعام الحالي استخدام منع المساعدات كآلية لردع الحكومة عن تفعيل قرارات تضرّ بحلّ الدولتين.

في المقابل كان قد نوّه بايدن في الشهر الماضي بإنّه لن يسعَ لإعادة السفارة إلى القدس لوضعها السابق كقنصلية، كما لم يتطرّق إلى العمل لمنع الضّمّ إذا قامت حكومة نتنياهو بإقرارها قبل انتخابات نوفمبر، وأنّه ملتزم بقانون "تايلور فورس"، الذي أُبرم عام 2018م وينص على حجب أجزاء من المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية واقتطاع دولة الإحتلال عائدات الضرائب "المقاصة" البالغة 138 مليون دولار، بسبب صرف حكومة عباس رواتب شهرية لأُسر الأسرى والشهداء الفلسطينيين.

دور الأردن ظهر قوياً وحازماً في آن، حتى بدا بهالة تهديد إزاء تقويض القضية، حيث صرّح الملك عبد الله الثاني، بأنّ ضمّ إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية سيؤدّي إلى صدام كبير مع بلاده، وأنّه لا يريد إطلاق التهديدات أو تهيئة الأجواء للخلافات والمشاحنات، وحذر من تفاقم الفوضى والتطرّف في المنطقة وتطبيق قانون القوة.

ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من جهته هدّد بحلّ كلّ الاتفاقيات، فيما لو بقت الحكومة الإسرائيلية على مواقفها في قررات الضّمّ، كما وأكدّ رئيس حكومته محمد اشتية بأنّ القيادة الفلسطينية ستكون بصدد إتخاذ قرار مفصلي وتاريخي لمواجهة ما تُقبل عليه إسرائيل. أمّا في الجانب الفلسطيني الآخر دعت حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى مقاومة شعبية ضد أي مشروع من شأنه تصفية القضية متمحّوراً في قرارت الضّمّ الأخيرة.

ما وصلنا إليه اليوم من ضعف وانحطاط على مستوى القرار السياسي وعدم استقلاليته، وتنازلات تُقدّم تحت مسمّى مفاوضات، دعت حكومة نتنياهو، ومن ورائها شريكها ترامب لإتخاذ قرارات مصيرية، من شأنها تصفية القضية الفلسطينية.

قرار ضمّ غور الأردن ومنطقة شمال البحر الميت والمستوطنات في الضفة الغربية، التي تشكّل مجموعة 30 بالمائة من مساحة الضفة، هو إلغاء كلّ ما أُبرم من اتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ويعتبر الخطوة الأولى التنفيذية لأحد بنود صفقة القرن، بعد أنّ حُيّدت قضية اللاجئين، التي لطالما شكّلت نقطة ارتكاز في المطالب الفلسطينية بحقّ العودة، وإزاحة ملف القدس عن طاولة المفاوضات، وذلك بعد الإعتراف الأمريكي بالسيادة المطلقة على المدينة المقدّسة، وحرمان الفلسطينيين من حقّهم في اتخاذ القدس الشرقية كعاصمة لدولتهم المستقبلية، هذا بالإضافة إلى الغاء البند المتعلّق بالحدود في اتفاقية أوسلو وإلغاء جميع مفاهيم السيادة الفلسطينية على أراضي عام 1967م المحتلة.

 فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن، الذي يشكّل متنفّس حيوي، كوّنه يمثّل السلّة الزراعية لدولة فلسطين، ناهيك عن الضّمّ الذي سيجعل من الضفة الغربية كانتونات غير متواصلة جغرافياً، بسبب الكتل الإستيطانية، فضلاً عن المناطق المصنّفة "ج" والتي تشكّل 60 بالمائة من مساحة الضفة، وهي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

الإتحاد الأوروبي هدّد دولة الإحتلال بشكل صريح بفرض عقوبات اقتصادية في حال استمرار الأخرى ضمّ أجزاء الضفة، رغم أنّها بعيدة عن التوتر أو كونها جزء من النزاع. ما هي إذن العقوبات القاسية التي ستفرضها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، كون الأمر يعنينا ويهدّد أمن واستقرار المنطقة برمّتها؟ 

مثال وزير خارجية لوكسمبرج أسيلبورن في ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم هو محط أنظار يدفعنا للتفكّر كثيراً في هذه المعادلة.

ماذا لو نحت إسرائيل نحو روسيا في ضمّ أجزاء الضفة الغربية ومتحمّلة معها أعباء الإجراءات العقابية الإقتصادية - هذا لو ترتّب عليها بالأصل - التي قدّ يفرضها الإتحاد الأوروبي؟ 

حينها ماذا ستقدّم المفاوضات الفلسطينية أو العربية أو حتى العقوبات الأوروبية؟ وما هو الخيار الأخير الذي ستتركة حكومة الإحتلال للفلسطيني؟

 أم أنّ الإستسلام والخضوع لتطبيق ما تبقى من خطة السلام من أجل الإزدهار وخلق أمر واقع جديد هو الخيار الأخير؟ علّ وحدة الصّف بين الفصائل الفلسطينية مؤطّرة بالمقاومة الشعبية كفيلة لتعيد الماضي ومعه إنتفاضة أشد شراسة من إنتفاضة عام 2000م لتبعث معايير قوة جديدة وتحديد المصير!

وبين الوبائين الكورنيّة والإسرائيليّة، مساحة كافية استقبلنا بها هدية الله بعيد الفطر بغبطة سماويّة، فكلّ عام وأنتم بخير.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط