كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الطنطورة: من المجزرة إلى الشاطئ – نموذج مصغّر "لإسرائيل" الكبرى

الطنطورة: من المجزرة إلى الشاطئ – نموذج مصغّر "لإسرائيل" الكبرى

تاريخ النشر: 2025-09-23 | 11:40

في عمق المشهد الفلسطيني الذي تحكمه الذاكرة الجريحة، تبرز الطنطورة كعلامة دامغة على النكبة المستمرة، لا بصفتها مجرد قرية هُجّرت عام 1948 وارتكبت بحق اهلها مجزرة بشعة كغيرها من القرى الفلسطينية، بل بصفتها مرآة مكشوفة لمشروع استيطاني استعماري ما زال قائماً حتى اليوم. الطنطورة، تلك القرية الساحلية الجميلة جنوب مدينة حيفا، كانت شاهدة على واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ النكبة، حيث ارتكبت العصابات الصهيونية مجزرة راح ضحيتها ما لا يقل عن 200 فلسطيني أعزل من سكان القرية، تم إعدامهم بدم بارد. لم تكن تلك المجزرة مجرد عمل عسكري عابر، بل كانت تطبيقاً مباشراً للعقيدة الصهيونية القائمة على التهجير القسري، واستجابة حرفية لمعادلة التطهير العرقي القائمة على السيطرة على الارض وقتل او تهجير اصحابها.

بعد ارتكاب المجزرة، تم دفن الشهداء في مقبرة جماعية على أطراف القرية من جهة البحر، ثم مُسحت الطنطورة عن الخارطة، كواحدة من بين 500 قرية فلسطينية تم تدميرها خلال النكبة. عقود طويلة مضت دون اعتراف رسمي، إلى أن ظهر المؤرخ الإسرائيلي تيدي كاتس ببحث جامعي كشف فيه تفاصيل الجريمة، مستندا إلى مقابلات مسجلة مع جنود سابقين في لواء "ألكسندروني" الصهيوني الذين أقروا بوقوع المجزرة، بل وتباهى بعضهم بدورهم فيها. لكن الحقيقة لم تمر في مجتمع أُسس على إنكار الجريمة؛ وبدلاً من أن يُحاسب المجرمون، تمت ملاحقة الباحث ذاته، وتم الضغط عليه للتراجع عن شهادته.

ومع مرور الوقت، ومع محاولات الطمس الممنهج، لم تكتف المؤسسة الإسرائيلية بإسكات الشهادات، بل ذهبت نحو الخطوة التالية في مشروع محو الذاكرة: تحويل أرض المجزرة إلى مساحة ترفيهية وسياحية. اليوم، يقف على أنقاض المقبرة الجماعية موقف للسيارات تابع لشاطئ "دور"، الوجهة السياحية الراقية التي يقصدها الإسرائيليون في الصيف، حيث الموسيقى، والبحر، ومطاعم الأسماك، وغروب الشمس الخلاب. ولا شيء في المكان يوحي للزائر أن تحت هذه الأرض ترقد جماجم أطفال ونساء وشيوخ وأبرياء قُتلوا بغير ذنب سوى أنهم فلسطينيون.

حين نقول إن الطنطورة نموذج مصغر لـ"إسرائيل"، فنحن لا نقصد فقط أنها قرية فلسطينية تم احتلالها بالقوة، بل لأنها تحمل في طيّاتها كافة مستويات وعناوين المشروع الصهيوني: من الفكرة، إلى التنفيذ، إلى تزييف الحاضر وإعادة تشكيل الذاكرة. إنها تمثل، على مساحة صغيرة، خلاصة المنهج الذي اعتمدته "إسرائيل" منذ نشأتها، والذي يقوم على أربع مراحل رئيسية: الإبادة، الطمس، الإحلال، ثم التجميل.

المجزرة التي وقعت في الطنطورة لم تكن حادثا فرديا، بل جزءا من خطة ممنهجة لطرد الفلسطينيين من قراهم ومدنهم عبر الترويع. مثلها مثل دير ياسين واللد وكفر قاسم، كانت الطنطورة واحدة من المحطات التي استخدمت فيها إسرائيل القوة المفرطة لبث الرعب ودفع السكان للفرار. بعد المجزرة، لم تُترك القرية لتشهد على الجريمة، بل مُحيت بالكامل، أُزيلت بيوتها، جُرفت أراضيها، وأعيد رسم معالمها بطريقة تجعل من الصعب حتى على أهلها التعرف إليها. يُمارس الطمس هنا ليس فقط على الحجر، بل على الرواية، في محاولة لقتل التاريخ ذاته.

في مرحلة لاحقة، تبدأ عملية الإحلال: يُجلب المستوطنون الجدد، تُبنى مرافق سياحية، يُعاد تعريف الأرض بوصفها "ملكا إسرائيليا"، بينما يُحظر على أصحاب الأرض الأصليين حتى مجرد زيارتها. في حالة الطنطورة، أُقيمت على الأرض المغتصبة منطقة شاطئية ومنتجع، وأصبح الإسرائيليون يمرحون ويسترخون فوق رفات الضحايا. هذه الخطوة ليست عشوائية، بل تهدف إلى "تطبيع" السيطرة على الأرض وخلق صلة جديدة بينها وبين المستعمر، بينما تُقطع صلة الفلسطيني بها، تمامًا.

ثم تأتي المرحلة الأكثر خطورة، وهي مرحلة التجميل، حيث يُعاد تعريف المكان بالكامل: لا ذكرى، لا شاهد، لا لافتة. يُقدَّم الشاطئ كمكان للاسترخاء، وتُغسل الدماء من المشهد عبر ترويج صورة حضارية وسياحية زائفة. هذه المرحلة لا تستهدف فقط المكان، بل تستهدف وعي الأجيال القادمة، وتسعى إلى تثبيت الرواية الاستعمارية بوصفها الواقع الوحيد.

وهكذا، حين ننظر إلى الطنطورة، فنحن لا نرى مجرد قرية محتلة أو أرض مسروقة، بل نرى خريطة إسرائيل الأيديولوجية مصغّرة: دولة قامت على المجازر، طمست معالم الضحايا، واستبدلتهم بمستعمرين، ثم قدمت نفسها للعالم على أنها "بقعة للديمقراطية والسياحة". كل قرية فلسطينية تم تهجيرها تتحول في نهاية المطاف إلى "طنطورة": إما غابة، أو منتجعا، أو شارعا يحمل اسما عبريا، أو موقعا عسكريا مغلقا.

الفارق في الطنطورة أنها اليوم تشكّل جرحا مكشوفا. هناك شهادات، هناك تسجيلات، وهناك أبحاث أكاديمية تؤكد أن مجزرة قد وقعت، وهناك ناجون ما زالوا أحياء يتذكرون وجوه القتلة والموقع الذي سُحقت فيه إنسانيتهم. ولكن رغم كل هذا، لا يوجد حتى نصب تذكاري واحد، ولا حتى حجر صغير يعلن أن هنا كانت قرية، وأن هنا قُتل بشر.

الطنطورة ليست فقط قصة عن الماضي، بل هي تحذير حي من المستقبل. ما حدث هناك مستمر في أماكن أخرى: في الشيخ جراح، في سلوان، في غزة وفي كل شبر من ارض فلسطين. الطنطورة لم تنتهِ، ففكرتها مازالت مستمرة. والطريق لفهم "إسرائيل" حقا، ليس فقط من خلال قراراتها السياسية أو تصريحات قادتها، بل من خلال قراءة الجغرافيا المُغتصبة... وأفضل مكان للبدء منه هو الطنطورة.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط