كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الظاهرة الطبيعية في انطلاقة الجبهة الشعبية

الظاهرة الطبيعية في انطلاقة الجبهة الشعبية

تاريخ النشر: 2018-12-10 | 11:02

أيام قليلة وتوقد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شمعة ميلادها الواحدة والخمسون وهي تعيش في واقع أبعد ما يكون ظاهريًاعن هذه الحالة الثورية التي انطلقت وفق الفهم الثوري لطليعة من الشباب الذي عاصر النكسة والنكبة كردة فعل تتوافق وتتلائم مع الوعي التحديثي للمفهوم الثوري القومي الذي كان سائدًا ومسيطرًا على الوعي المجتمعي للأمة التي كانت تعيش حالة الهزيمة في أدق تفاصيلها اليومية، دون أن تصل إلى مرحلة اللاعودة، ودون ان تفقد قوتها على النهوض مرة أخرى من وعي الهزيمة إلى وعي الثورة.
ربما ذهبت بعيدًا بوصف انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالظاهرة الطبيعية الذي لا يعني الفهم المجرد للمصطلح، وإنما بمعناه ومفهومة المناخي الذي كان أحد متطلباته احداث هزة عنيفة في الوعي المهزوم للأمة، هذه الهزة هي القوة الطبيعية التي لا بد وأن تتدخل في اعادة الإتزان الانفعالي الذي أحدثته الهزائم بعيدًا عن الإطار التقليدي العفوي، والفهم المتعارف عليه.
استبقت انطلاقة الجبهة الشعبية انطلاقات العديد من القوى والحركات والتشكيلات والمجموعات الثورية العربية والفلسطينية وتنوعت ما بين الخطاب التقليدي والخطاب الثوري، وهو ما يدفعنا لتوضيح مفهوم الظاهرة الطبيعية التي وصنا انطلاقة الجبهة الشعبية بها كتعبير كيفي عن الفهم الثوري اللاتقليدي في ظل سيادة الوعي الجمعي للفهم المنحصر بالعرق وعلى وجه التحديد (القومي) الذي توغل في الحالة الأيديولوجية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح تقليدًا والتحول من مفاهيم الخلافة إلى مفهوم القومية والعنصر القومي، الأساس المنحصر في عرق وعنصر محدود كتعبير أقل شمولية، وأكثر انحصارًا في النوع أدركه مؤسسوا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كفهم تعبيري عن حالة قومية في مواجهة حالة عنصرية، ولكنهم استدركوا عمق الصراع ومفاهيم المواجهة فقادوا عملية التحول وفق منظور توسيع وشمولية الهدف الثوري العام، وايمانهم بقضية لم تواجه عدو عادي تقليدي، واستعمار كلاسيكي، بل عدو للإنسان، وللقوميات وللأديان، والعنصر البشري، وضرورة وجود متطلب تعبيري أكثر شمولية يعبر عن العالم المقهور والمحروم في التطور المفاهيمي العلمي والفكري والأيديولوجي، الذي عبر عنه لينين عام 1917 بثورة البروليتاريا، وكذلك عبر عنه الخوميني بالمستضعفين في ثورة 1979 في إيران عبر صبغه بالصبغة الدينية.
فالظاهرة الطبيعية التي وسمتها بالمصطلح هي النبع أو المنبع الذي استبط منه الفكر الجمعي للتعبير عن مفردتين أولهما العالم المظلوم وتوسيع جغرافيا المواجهة، وثانيهما العنف الثوري، وهما المحورين اللذان أسسا لقواعد العمل في فهم الصراع وتحديد معسكري الأصدقاء والأعداء، والانطلاق على قواعد ثابتة في المنهج والمواجهة كتمييز جامع يجمع ما بين التقليدية والحداثة في الأيديولوجيا، ينطلق خارج دوائر العنصر القومي وحدود المكان(الجغرافيا)، والخطاب الزماني كتحديث للتجربة الجيفارية التي أرسى قواعدها عمليًا الثائر الأرجنتيني أرنستو تشي جيفارا دون حدود للعنصر وللجغرافيا، وفق أسس ومنطلقات (الإنسان) والعدالة للمحرومين والمضطهدين، وترسيخًا لمفهوم حكم سلطة الفلاحين والعمال والكادحين أي امتلاك سلطة الشعب (الحكم) والاقتصاد (الإشتراكية) بمفهومها البسيط من يعمل يأكل، وأن مقومات الأنظمة ملك للشعوب.
الظاهرة ما بين الإنطلاق والتحول:
بعيدًا عن التشنجات التاريخية، والقوالب الصطلاحية شرحت بشكل مبسط مفهوم التحول من العنصر القومي إلى العنصر الأوسع الإنساني في بناء النظرية الثورية الأيديولوجية التي قادت عملية التحول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الجوهر الذي غاب في الحقبة الأخيرة عن وعي الجماهير والعناصر التي فسرت وحللت التحول بقوالبه ووشائجه التقليدية وفق مفاهيم المادية الجدلية، ومفاهيم رأس المال في مكوناتهما التعقيدية أحادية التفسير والمنطق التي استحوذت وطغت على وعي الغلابة ومحدودي الوعي، لذلك لم يعد الإنتماء وفق الأيديولوجيا وإنما وفق التاريخ والموروث تارة، والجهد النفعي تارة أخرى مما عمق الأزمة، واستفحلت حالة التغريب الممنهج للفكرة وللأيديولوجيا لأصل الفكرة التي أرادها أصحاب التحول والتي صاغها المفكر الثائر المؤسس جورج حبش محالة استمزاج للماضي والحاضر والمستقبل، وإن كان النجاح الذي تحقق سابقًا يستند لإمتلاك الأدوات القادرة على التحليل والتمحيص والتوصيل للجماهير، إلَا أن الأزمة الحالية هي الافتقار لتلك الأدوات التي تحولت مرة أخرى ولكن تحول وفق الخط العام، والمزاج العام أي تحول دفة التأثير من النخب بالجماهير لتأثر النخب بالجماهير، وتحول القائد من مؤثر لمتأثر، مع يغاب المنطلق الآخر للعملية الاستقطابية في الثبات بمفاهيم (العنف الثوري) الذي خضع للانحصار في العنصر الأضيق (الفلسطيني) من جهة، والتغيير والتراجع الكبير أيضًا في عملية توجيه العنف الثوري من أداة مقاومة ومقارعة واستقطاب إلى أداة خطابية شكلية حماسية ساهمت في حالة هبوط كبير لمؤشرات الأيديولوجيا التي لم تجد قوة وأداة دفع وجودها الممثلة بالعدالة المجتمعية، والعنف الثوري المقاوم وهو الذي التقطته القوى الدينية عامة، واستخدمته كرافد قوي لنشر الأيديولوجيا، أي أداة اسنادية استقطابية فاعلة وناجزة، وهذا هو السياق الطبيعي لمفهوم الظاهرة الطبيعية كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979، وتجربة حزب الله اللبناني، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين في قيادة عملية التحول. من هنا فإن المساحة الفاصلة ما بين الإنطلاق وعملية التحول هي مساحة فهم علمي لكل مناحي الوعي العام بمكوناته المجتمعية العالمية، والعربية، والفلسطينية وقراءة أيدولوجية عميقة ترتكز على عمق التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتوسيع دوائر الصراع واستقطاباته.
الإنهيار والسكون:
انهارت الحاضنة الأيديولوجية وبدأت معالم التغيير في الفهم الأيديولوجي في ظل أزمات كبرى على كافة الجوانب والمناحي، الأيديولوجي، السياسي، العسكري، الاقتصادي مما تطلب مراجعات عميقة شاملة، وأدوات استحداثية للتفاعل والتعامل مع هذه الأزمات المعقدة، والمتشعبة، حيث لجأت العديد من القوى لمعالجتها شكليًا كعملية هروب بتغيير مسمياتها مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تحول لحزب الشعب الفلسطيني، والكثير من القوى العربية وغير العربية التي اتخذت شكلًا هروبيًا بدل المواجهة مع الأزمة وتجلياتها، وهو ما يؤكد ما جئنا عليه سابقًا بتحول النخب من مؤثر لمتأثر بالحالة ومتقلباتها، غير قادر على المواجهة، وتعطل فعالياتها، في حين عالجت الجبهة الشعبية الأزمة بفكرة (الصمت) و(السكون) و(الترقب) أي تركت مساحة للأزمة لتحدث نتائجها دون تدخل بشكل فاعل، ودون أن تعلن عن تحول آخر، أو مواجهة كما فعلت قيادة التحول التاريخية سابقًا. وعليه فإن حالة اللامبالاة والصمت وعدم التدخل عمق الأزمات الأيديولوجية وانعكاس هذه الأزمات على كل مكونات الحزب وهويته مما أدى لحالة لافهم لدى الهياكل التنظيمية والثورية عامة، نتج عنها حالة اغتراب في الهوية وفي الفعل الثوري الذي كان الأداة الناجزة للاستقطاب الأيديولوجي والثوري، بما أثر على الظاهرة الطبيعية التي ارتدت إلى هزة عكسية النتائج، عكس ارتداها السابق الذي انعكس على الحالة الثورية العالمية في عنف ثوري أيديولوجي استقطب كل محرومي ومظلومي العالم، وكذلك على العدو الذي واجهة قوة دفع ثورية بالسماء والبحر والأرض، وقوة دفع في الفكر والأدب والوعي مما ميز هذه الظاهرة الطبيعية الكونية الموسومة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وعادت إلى مربعها الأول في الانحصار في العنصر والجغرافيا والزمن.
ما هو المستقبل:
لا زال الغموض هو جوهر أي عملية تحليلية تفسيرية لمستقبل هذه الظاهرة التي تنحصر رويدًا وتتقوقع في دوائر ضيقة جدًاغير قادرة على التعبير النوعي في ظل انعدام أدوات الاندفاع والمواجهة، الاندفاع صوب التعبير عن مستقبل الحالة المجتمعية، والمواجهة مع القوى الأكثر هيمنة على مقدرات المجتمع وفئة المحرومين والمظلومين، والتقوقع في دوائر المبادئ العامة الرئيسية التي تبلورت منذ عملية التحول الرئيسية، وعدم القدرة على بناء قوة دفع أيديولوجية وفق أدوات ومفاهيم (المواجهة) بمستحدثاتها، واضمحلال النخب التي تستيطع أن تقود عملية البناء للمستقبل والإبقاء على الأدوات التقليدية التي لم تتطور مع تطور رهياكل التفكير والوعي معًا.
فالمطلوب مراجعة نقدية مع الذات أولًا، ومراجعة نقدية مع المسار التاريخي مسند بالحاضر وتجلياته، وبناء قواعد المستقبل واستقطاب عوامل ومقومات التطور والنجاح بعيدًا عن نرجسية الآنا.
واحد وخمسون عامًا دون تحيز وضعنا بها مفهوم الظاهرة الطبيعية الكونية لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تعتبر أنبل ظاهرة ثورية يمكن للتاريخ أن يقف طويلًا أمامها، ويمكن لمسيرة الجماهير والشعوب أن تفسرها وتحللها دون تحيز كمفردة ظاهرية لا زالت تؤمن بأن الجماهير هي صاحبة المد الثوري المعبر عن صوت الحق والعدالة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط