كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العالم العربي 2015: الدول vs. الجماعات

يُقفل العام 2014 على استهلاك لم نعهده لعبارات تنعى الدولة الوطنية في أجزاء معتبرة من العالم العربي. قبل نصف قرن، كان تسويق الفكرة القائلة بقرب نهاية الدولة الوطنية العربية يصب غالباً في مصلحة دعاية الوحدة القومية، فبلغ الأمر حد عدم قبول التدرج فيها، والمزايدة في طرح الحلول النظرية الآيلة إليها، من دون الذهاب بعيداً في تنفيذ أي منها باستثناء تجربة عبد الناصر اليتيمة مع سوريا العام 1958، وذلك برغم تبوّء أحزاب و»زعامات قومية» سدة الحكم في غير دولة بعد ذلك، وبسبب هذا التبوء أحياناً أيضاً.
اليوم، ثبُت أن الانهيار أكثر محاكاة للواقع من الاندماج. ولم يعد مصطلح «الدولة الفاشلة» طارئاً على أدبيات أي من متابعي شؤون المنطقة ومتوقعي المسارات المقبلة فيها. وفيما يصل تداعي الدول إلى ذرىً غير مسبوقة، يتنامى نفوذ جماعات ما دون الدولة داخل الأطر الوطنية، حتى يكاد الإثنان يستويان في القدرة على إدارة المجتمعات، سواء بحد السيف والوسائط الأكثر بدائية، أو وفق آليات حداثية في المظهر فقط.
في العراق وسوريا، ما زالت أجهزة الدولة تدفع لموظفيها رواتبهم في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة. في المقابل، يدفع تنظيم «داعش» لمقاتليه، على سبيل المثال، رواتب ثابتة تزيد عن حدها الأدنى لمحترفيه وعناصره الأكثر تدريباً وكفاءة. وفي حين أدت ضربات الدولتين العراقية والسورية للتنظيم، توازياً مع غارات «التحالف» ضد أهداف منتقاة، إلى وقف اندفاعته عند خطوط تماس ترسمها الحسابات والتوازنات، تتحدث تقارير استخبارية عن انجذاب ما معدله ألف أجنبي كل شهر للقتال في صفوف جماعات متطرفة، تشكّل «الدولة الإسلامية» أبرزها.
ثمة حال من الشد والجذب اللذين لا تحسمهما أي من أدوات القتال الراهنة ولا الإستراتيجيات المعتمدة أو الإمكانيات المتاحة، على امتداد الساحتين العراقية والسورية. وليس هذا توصيفٌ للصراع بين الدولتين المذكورتين والجماعات التي تقاتل سلطاتها وتسعى إلى الحلول مكان مؤسساتها فحسب، بل بين الجماعات المتمايزة التي بات تأثير المركز عليها هامشياً، حتى لو وقف جزء منها مع هذا المركز في بعض أشواط النزال.
ينقل الصحافي ديفيد كوكبورن عن كبير مستشاري رئيس إقليم كردستان قوله إن «داعش» كانت تهدد أربيل، فيما «البيشمركة» تهدد الموصل اليوم. الحرب هذه، مثلاً، بين جماعة تحاول النهوض بـ «دولة إسلامية» لها من البنية التحتية ما يسمح لها بإدارة موارد المجتمع في ظل الفوضى والقتال، وأخرى انبثقت عن سلطات محلية وشكلت أداتها الرئيسية لفرض نفسها كدولة أمر واقع. يحصل هذا فيما الدولة المركزية تحاول مجاراة اندفاعة الجماعات المسلحة في وسط البلاد، كأنها مجرد طرف ثالث، تضاف إليه فصائل محلية يناوئها بعضه ويثور عليها بعضه الآخر.
الأمر أكثر جلاء في وسط العراق وجنوبه، حيث تمكنت تنظيمات «رجال الطريقة النقشبندية» و»الجيش الإسلامي» و»كتائب ثورة العشرين» وخلافها، من لمِّ شمل مقاتليها واستقطاب أعداد جدد من المقاتلين، فضلاً عن إدارة بعض أحياء المدن الكبرى، ما دفع أوساطاً في الحكومة العراقية إلى التحذير من سقوط الموصل «في قبضة البعثيين» في حال انحسار «داعش»، الأكثر سطوة حتى الآن، عن المدينة. في المقابل، يخوض الجيش العراقي معركته ضد الجماعات الآنفة كتفاً بكتف إلى جانب ميليشيا «الحشد الشعبي» التي رعت انطلاقتها مرجعية النجف، وتلعب بعض القوى النافذة دور من له الكلمة الفصل على حساب السلطة المركزية في بعض المدن الكبرى، كـ «عصائب أهل الحق» التي تضخم دورها في البصرة مؤخراً.
يكاد الأمر ينطبق على سوريا بحذافيره. تقرير الاستخبارات الإسرائيلية قبل يومين تحدث عن سوريا مصغّرة ترثُ الشام الكبرى، وتُجانب مناطق واسعة تتوزع إدارتها فصائل متقاتلة: «الدولة الإسلامية» في الرقة ومعظم دير الزور وبعض ريف حلب، وقوى كردية تحمي إدارة الأكراد الذاتية في شمال البلاد وشمالها الشرقي، و»إمارةٌ» لـ «النصرة» تتنازع من أجل تثبيتها مع جملة من الفصائل الإسلامية الأخرى وكتائب «الجيش الحر»، في أجزاء واسعة من أرياف درعا جنوباً، وحلب وإدلب واللاذقية شمالاً. كل هذا في مقابل اعتماد الدولة ومؤسستها العسكرية على ميليشيات محلية رديفة مؤازرة كـ «الدفاع الوطني» وبعض الفصائل العراقية و»حزب الله» اللبناني.
في جنوب شبه الجزيرة العربية، لم يعد تفوق «الحوثيين» على الدولة مجرد تحليل أو تقدير. صارت الجماعة أكثر من دولة موازية، فلم يعد نفوذها يقتصر على مناطق تديرها ذاتياً بشبكة خدمية وبيروقراطية متشعبة، بل صارت تضع النقاط على حروف سلطة صنعاء المركزية حين تحجم الأخيرة عن أخذ مطالبها في الحسبان وتتجاوز الوقائع الصلبة على الأرض. وفي حين تتسع دوائر «القاعدة» في مناطق نائية عن العاصمة، يتابع «الحراك الجنوبي»، سلمياً، مسيرته نحو الانفصال.
وإن كان الأمر واضحاً في اليمن، فهو أكثر تعقيداً في ليبيا، حيث يتنازع المجلس الوطني والبرلمان شرعية الحكم، تسند كلاً منهما قبائل وقوى متقابلة، تنقسم على خطوط عقائدية وإثنية عمادها الصراع بين الأصوليين وخصومهم، وامتداد كل منهما على مستوى الإقليم.
وفي مقابل سطوة الجماعات في الدول الآنفة على حساب هذه الدول، تحضر جماعات مشابهة بشكل جنيني في مصر وتونس، ويستمر حضورها بشكل متفاوت في الصومال والسودان، فيما يختلف «حزب الله» عنها بتلازمه مع العملية السياسية وأركانها في لبنان، وتعرّف الخصوصية الفلسطينية دور الفصائل في غزة والضفة وعلاقتها بسلطة محلية من دون دولة.
ثمة تنافس محموم بين الدول والجماعات على امتداد مسارح عربية فقدت شرعيتها التاريخية أو تكاد. العام 2015 سيحدد المنتصر منها والمهزوم في بعض هذه المسارح، وسيعرّف علاقة كل منها بالأخرى، أو يثبته، بناءً عليه.

عن السفير

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط