كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العالم أمام مرآته المكسورة

العالم أمام مرآته المكسورة

تاريخ النشر: 2026-01-25 | 12:17

ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادا، ولا اللغة التوصيفية موقفا.

هذا النص هو محاولة لوضع العالم في مكانه وأمام مرآته المكسورة.

العالم كما هو لا كما يرغب أن يُروى

إذا أردنا أن نقرأ المشهد العالمي قراءة واعية لا تخضع للتخدير السياسي ولا للمفردات المعلّبة التسويقية، فعلينا أن نضع الوقائع كلّها على الطاولة دفعة واحدة، دون انتقاء عصبي أو ترتيب انتهازي: فلسطين بشقّيها غزّة والضفة الغربية، السودان، اليمن، سوريا، لبنان، أوكرانيا، إيران. وفي مقابل هذه الجغرافيات المنكوبة تقف إسرائيل وروسيا كقوتين معتديتين واضحتين، فيما تتصدّر الولايات المتحدة المشهد بوصفها الشريك الأكبر في هندسة هذا العالم، لا كقوة ضابطة، بل بوصفها راعٍ فعلي لمنظومة العنف والحرب.

ترويج الإبادة كسياسة

في هذا السياق، لا جدال في أن فلسطين تحتل الموقع الأثقل أخلاقياً وإنسانياً، ففي غزّة، لا نواجه كارثة طبيعية، بل جريمة مكتملة الأركان؛ إبادة جماعية تُدار بوعي كامل: قتل بالقصف والتجويع والحصار، وتجفيف للماء ومنع الدواء، وتعريض متعمّد للبرد القارس، وترك شعب بأكمله لمصير الفناء الممنهج.

أمّا الضفة الغربية، فهي الوجه الآخر للجريمة ذاتها؛ جريمة أقل ضجيجاً وأكثر مكراً، تقوم على القتل البطيء، وسلب الأرض ومحاولة لمحو الذاكرة تحت غطاء قانوني دولي. وفي الحالتين، لا يمكن فصل الفعل الإسرائيلي عن الشراكة الأمريكية، التي توفّر السلاح والشرعية السياسية.

ضحايا بلا غطاء سياسي

يأتي السودان في المرتبة التالية بوصفه دولة تُستنزف بالحرب عبر أذرع خارجية، في مقدّمتها دعم إماراتي واضح للميليشيات، بما يسرّع انهيار الدولة ويفتح الباب أمام الفوضى. ويجري كل ذلك تحت نظر العالم، لأن الدم السوداني لا يشكّل أولوية في حسابات المصالح.

وفي اليمن وسوريا ولبنان، يتواصل الاستهداف الإسرائيلي منذ سنوات، وقد تحوّل الإنسان هناك إلى رقم، والخراب إلى مشهد اعتيادي؛ مدن تُسوّى بالأرض وأجيال لا تُولد، فيما يقف النظام الدولي متفرّجاً، يُصدر بيانات القلق ويغلق ملفات المساءلة.

على الضفّة الأخرى، تبدو أوكرانيا مثالاً فاضحاً لازدواجية المعايير المقرفة؛ هناك، يتحرّك الضمير الغربي بسرعة وحسم: دعم مفتوح، خطابات مقرونة بعقوبات خانقة ضد روسيا بوصفها قوة معتدية.

هذا الموقف، من حيث المبدأ، ليس موضع اعتراض، إنما الفضيحة تكمن في غياب المعيار نفسه حين يكون المعتدي حليفاً، وحين تكون الضحية سمراء أو عربية.

من الشراكة في الإبادة إلى منطق الغلبة

غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقّف عند السلوك الأمريكي العنجهي، والذي بات أكثر فجاجة وأقل دبلوماسية، فالولايات المتحدة، شريك إسرائيل الأول، لم تعد تُخفي نزعتها القسرية في التعامل مع العالم؛ من التهديد العلني لقادة دول في أمريكا اللاتينية، كما هو الحال باختطاف «نيكولاس مادورو»، في استعادة صريحة لزمن الانقلابات المُدارة من الخارج.

والأكثر دلالة هو ما يجري اليوم بشأن «غرينلاند»، فالرغبة الأمريكية في بسط السيطرة عليها لم تعد تُغلّف بخطاب التعاون أو الشراكة، بل تُطرح كحقّ قوة.

المثير هنا هو ردّة الفعل الأوروبية: خطاب ليّن، حذر، أقرب إلى التبرير منه إلى الرفض، وكأن العواصم الأوروبية وجدت نفسها أمام حقيقة مُرّة: الحليف الذي طالما بشّر بالقانون الدولي لا يتردّد في تجاوزه حين يتعارض مع أطماعه.

وهنا تتبدّى مفارقة أعمق، فالدول الأوروبية التي شاركت في شرعنة الظلم الواقع على الفلسطينيين، وقدّمته تحت مسمّى الشراكة والتحالف والدفاع عن النفس، تجد نفسها اليوم في مواجهة الظلم ذاته وقد ارتدّ عليها من حيث لا تحتسب، فالمنطق الذي سُوّغ به قتل الفلسطيني، هو نفسه المنطق الذي تُسوّغ به اليوم الهيمنة الأمريكية على أوروبا.

إنه ديدن السنن الكونية: الظلم لا وطن له، ومن يعتده أداة سياسية، سيتحوّل يوماً إلى ضحيته.

إيران نموذجاً

وإذا كان الظلم يُمارس صريحاً أو بالوكالة على الفلسطينيين والسودانيين ...الخ، فإن أوروبا وأمريكا يجسّدان اليوم نموذجاً فاضحاً من الكيل بمكيالين في إيران. فبينما تُلوّح واشنطن بتدخّل عسكري لحماية المدنيين، ويصدر خطابها على أنه دفاع عن حقوق الإنسان، تستمر في قتل المدنيين عبر الحروب بالوكالة في فلسطين والسودان واليمن واللبنان.

من غزّة إلى الخرطوم، ومن صنعاء إلى كييف، ومن بيروت إلى «كراكاس» وصولاً إلى غرينلاند وسوريا، تتكشّف صورة واحدة: عالم يُدار بمنطق الغلبة، تُعاد فيه صياغة الاحتلال بوصفه وصاية، وتُبرَّر الإبادة بوصفها دفاعاً، ويُطالَب الضحايا بالخنوع كي لا يوصفون بالإرهاب.

سنن الظلم والعدالة

إن ما يجري اليوم هو كشف صريح لمسار البشرية: الحق لا يُحتكر، والظلم لا يدوم؛ ومن يضعف أمام القهر اليوم سيكتشف غداً أن السنن التاريخية ثابتة: من يزرع العنف يجنيه، ومن يشتري القيم بالمصلحة يجد أن الحقيقة أقوى من كل التبريرات.

في النهاية، الزمن لا يرحم، والإنسانية لا تموت، مهما حاول القادرون على الأرض أن يطمسوها.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط