كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العالم بلا نيلسون مانديلا

رحل الرجل الذي شغل العالم كله لعقودٍ طويلة، فاقت في أثرها عقود عمره التي قاربت على المائة سنة، فقد أصبح نيلسون مانديلا علماً تعرفه الدنيا كلها، ويحفظ اسمه الصغار قبل الكبار، ويحترم وجوده وغيابه قادة العالم كله، الكبار والصغار، الملوك والرؤساء، والشيوخ والأمراء، والشعوب والأمم، الذين طأطأوا الرأس لمماته، ونكسوا الأعلام لوفاته، وتوشحوا السواد لرحيله، وملأ الحزن قلوبهم، وغشى الأسى وجوههم لغيابه، فقد غرس مكانته في النفوس حباً، وزرع محبته في القلوب شوقاً، فما من إنسانٍ إلا وتمنى مقابلته، والجلوس معه، والحديث إليه، فقد غدا للحرية رمزاً، وللنضال مثالاً، وللصبر عنواناً.

توفي نيلسون مانديلا عنوان الحرية ورمز نضال الأسرى في بيته وبين أهله، ونعاه إلى العالم كله رئيس بلاده، ووريث الحكم عنه، ولكن العالم لم يكتفِ بنعي رئيس دولة جنوب أفريقيا لمواطنه أقدم السجناء وأشهر المعتقلين، فقد نعاه إلى شعوبهم أغلبُ رؤوساء وقادة دول العالم، كما نعاه باسم الأمم كلها، الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، وقد كان يوماً أول رئيس لدولة جنوب أفريقيا بعد تخلصها من النظام العنصري البغيض، ولكن نفسه الأبية عافت الرئاسة، وكرهت الصدارة، وزهدت الحكم والمناصب، ونأت عن الاحتفالات والمباهج، وأبى إلا أن يبقى قريباً من شعبه، متواضعاً بين أهله، مناضلاً وسط الصفوف وبين الجماهير من أجل استكمال الحرية.

أما فلسطين فقد أصابتها الغصة، وعمها الحزن، وآلمها غياب الرجل الذي ساندها في حقها، ووقف معها في نضالها، وأيدها في مواقفها، وكان رمزاً لمعتقليها، ومدافعاً عن حريتهم، ومنادياً بإطلاق سراحهم، فكانت فلسطين وأهلها أكثر المفجوعين بغيابه، وأكثر المتضررين برحيله، وهو الذي جاهر بمواقفه المؤيدة للفلسطينيين، والمعارضة لسياسات الكيان الصهيوني العنصرية.

ومن السجون الإسرائيلية خرجت برقيات النعي من رفاق مانديلا الفلسطينيين، الذين عرفوا معاناته، وقدروا تضحياته، وشرفهم أن يكونوا مثله، مناضلين من أجل قضية حق، وثائرين لكرامة شعب، وعزة أمة، فنعوه إلى شعبه وإلى أنفسهم، وهم يؤمنون يقيناً أن ما حققه مانديلا لشعبه من حريةٍ وانتصار، فإنهم سيحققونه يوماً لشعبهم، وسينتصرون على عدوهم، وسيكسرون قيدهم، وسيخرجون من سجونهم، وسيشاركون في بناء وطنهم.

إن وفاة نيلسون مانديلا في بيته وبين أهله، وعلى أرض وطنه، وهو الذي كان للقيد رفيقاً، وبين القضبان سجيناً، وفي المعتقلات مغيباً ومنسياً، تؤكد أن الحرية أقوى من القيد، وأن الإرادة تصنع الحرية، وأنها قادرة على كسر الأغلال وتحطيم القيود، والإنطلاق إلى فضاء الوطن، وأما السجانون والجلادون فإنهم يهزمون دوماً أمام إرادة الأسير، وعزم المعتقل، وأن أحداً من الأسرى لن يحرم الحرية، ولن يموت في الأسر، ولن يمنع من معانقة أهله، ومصافحة أحبته، كما لن يقوَ أحدٌ على منع دفنه تحت تراب وطنه.

غيابُ نيلسون مانديلا الرجل الذي قال "إن حريته لا تكتمل بدون حرية الفلسطينيين"، يسلط الضوء بقوةٍ على قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، فقد غدو اليوم أشهر الأسرى، وأقدمهم أسراً واعتقالاً، وأكثرهم حكماً، وأطولهم مدةً بقاءً في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، فإن كان العالم قد عرف نيلسون مانديلا المناضل الأفريقي العريق، فإن فلسطين فيها مئاتٌ أمثاله، بل إن منهم من فاق في أغلاله وقيوده الفترة التي قضاها مانديلا في سجنه.

قد يفرح العنصريون الإسرائيليون لوفاة نيلسون مانديلا، وغيابه عن الساحة الدولية، لاعتقادهم أنهم سيرتاحون من صوتٍ عالي، وضميرٍ حي، ومناضلٍ دؤوب، ومثالٍ على ظلم الأسر وقسوة السجان، وأنهم لن يضطروا من بعده لسماع أصواتٍ منددة، أو دعواتٍ مستنكرة، تدين الكيان الصهيوني وتحمله المسؤولية، وأنه سيخلو لهم الأمر من بعده، وسيمضون قدماً في سياساتهم العنصرية ضد الفلسطينيين، ومعاملتهم القاسية للأسرى والمعتقلين، فلن يكون هناك أصواتٌ دولية عالية، محترمة ومقدرة، تدافع عنهم، وتنادي بحريتهم، كما كان نيلسون مانديلا يفعل دوماً، بجرأةٍ وقوةٍ وإصرار.

إن إرادة المعتقل الأشهر نيلسون مانديلا هي التي حطمت جدران الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهي التي آذنت بفجر الحرية في بلادٍ كان فيها المستعمرون البيض هم الأسياد، وسكان البلاد الأصليين هم العبيد، فصنع بإرادته وهو الأعزل إلا من حقه، دولةً أصبحت نصيراً للحق، وظهيراً للعدل، وصوتاً عالياً ضد القهر والظلم.

وإرادته نفسها هي التي صمدت وتحدت، وهي التي قاومت وناضلت، وثبتت ولم تسقط، ولم تتنازل ولم تستسلم، فقد صمد في سجنه، وثبت على حقه، ورفض كل الاغراءات، ولم يقبل بمختلف العروض، التي تنتقص من حق شعبه، وتحرمه من وطنه، وتقصيه عن بلاده، وفاوض في سجنه متمسكاً بثوابته، رافضاً تقديم أي شكلٍ من التنازل لسجانيه، مؤيداً استمرار المقاومة المسلحة، والمواجهات الشعبية، ولو تكبد فيها الشعب خسائر كبيرة، ولكنه كان يؤمن أن خاتمة الصبر نصرٌ، ونهاية الصمود حرية، وعاقبة المقاومة فجرٌ جديد، وقد علم أنه في سجنه الأقوى، وأنه في قيده الأكثر حرية.

إن على إسرائيل وقادتها أن يلبسوا اليوم السواد، وأن يتوشحوا بالحزن، وأن يخفضوا أصواتهم، ويطاطأوا رؤوسهم، وأن ينعوا إلى شعبهم، وإلى من ناصرهم، موت دول الظلم، وأنظمة الفصل، وسياسات العزل، وانتهاء أزمنة الاستبداد، وعصور القهر، ورموز الاستعمار، فمهما طال الزمن، واشتد بأس السجان، وعظمت قوة الاحتلال، فإن فجر الحرية آتٍ لا محالة، وبيارق النصر ستنصب، وأعلام الحرية سترفع، وأرواح الغاصبين المحتلين ستزهق.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط