كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العراق والصراع الأميركي ـ الإيراني

العراق والصراع الأميركي ـ الإيراني

تاريخ النشر: 2020-08-31 | 09:18

لم يكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ينتهي من تبعات وانعكاسات زيارته لواشنطن في الداخل العراقي، حتى جاءت القمة الثلاثية التي جمعته في عمّان (26/8)، مع الملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لتزيد في أوار الهجمات والحملات التي يتعرض لها من قبل بعض الجهات العراقية النافذة. في وقت تواجه فيه البلاد حزمة من التحديات؛ أزمة اقتصادية، فساد مستشر، نقص خدمات أساسية، بطالة، وكلها ساهمت في إثارة احتجاجات حاشدة منذ عام 2019، قبل أن تتفاقم الأوضاع أكثر فأكثر مع تداعيات وباء كورونا وتراجع أسعار النفط.

قمة عمّان الثلاثية

وقد جاءت «قمة عمّان» امتداداً لقمة سابقة عقدت في القاهرة بين العراق ومصر والأردن في عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، (آذار/ مارس 2019)، اتفقوا خلالها على المضي قدماً في توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدان الثلاثة. وبالتالي، لا جديد فيها من هذه الزاوية. ومع ذلك، فقد أثارت هذه القمة جدلاً ولغطاً كبيرين!، وخاصة من قبل قوى عراقية تمثل مصالح قوى إقليمية محدّدة، وتضع (فيتو) على أيّ توجه يخالف مصالحها وتوجهاتها السياسية والعقيدية (المذهبية).

فهل يرتبط هذا الجدل واللغط بوجود الكاظمي، وبتوجهاته السياسية المغايرة لتوجهات سلفه عبدالمهدي؟، أم بهدف القمة الذي أطلق عليه الكاظمي مشروع «المشرق الجديد»؟، الذي أثار مخاوف القوى والأحزاب السياسية، التي تريد الحفاظ على روابط بغداد القوية مع طهران فحسب، في وقت تعوّل فيه الأخيرة كثيراً على العراق ليكون متنفسها الاقتصادي والتجاري في مرحلة العقوبات الاقتصادية الأشدّ المفروضة عليها من الولايات المتحدة، كما قال محللون.

وقد حاول الكاظمي طمأنة الأطراف المحلية والإقليمية التي توجّست من القمة،  ومن زيارته إلى واشنطن قبلها، مؤكداً أن العراق «ليس مع سياسة المحاور»، وأن إبعاده عن ذلك هو «المنهج الذي تسير عليه حكومته». ولكن من الواضح أنّ هناك انقساماً حاداً على مستوى الطبقة السياسية إزاء توجهات السياسة العراقية الحالية التي تنحو نحو تقوية روابط العراق مع محيطه العربي، وذلك بدعم وتشجيع واضحين من الولايات المتّحدة التي تعتبر أن ذلك يساعدها على فك ارتباطه بإيران.

هامش المناورة المحدود

وفي الوقت الذي لا يقدّر فيه المسؤولون الأميركيون ظروف رئيس الوزراء العراقي، ويطلبون منه مطالب عالية السقف (محلية وإقليمية)، يرى محللون إنّ انتزاع العراق من دائرة النفوذ الإيراني أمر يتجاوز قدرات الكاظمي، وقد يكون خارج دائرة اهتمامه، مشيرين إلى أنه يخضع إلى ضغط سياسي هائل من قوى الداخل العراقي الرافضة للعلاقة مع الولايات المتحدة. وأنّ أقصى ما يستطيع فعله هو محاولة النأي ببلده عن الصراع الأميركي ـ الإيراني، والدفع نحو إيجاد صيغة للتوفيق بين المطالب الأميركية والمصالح الإيرانية. وخصوصاً أنه يفتقر إلى حزام سياسي داخلي قوي ومستقر، لأنه بلا سند حزبي، فهو ليس زعيم حزب، ولا حتى عضواً في أي حزب أو تكتل برلماني!.

هذا يتطلب منه، كما يضيف المحللون، العمل على إرضاء أطراف متناقضة، ولو بحلول جزئية وترقيعية يمكن أن تشكل بالنسبة لمؤيديه إنجازاً على صعيد أهم ملف خارجي إقليمي، (يعبر به إلى مرحلة الانتخابات المبكرة)، لا سيما على صعيد إمكانية قيامه بدور «ناقل رسائل» بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يقتضي منه أن يظلّ مقبولاً لدى واشنطن وطهران في آن معاً.

وهنا تجدر الاشارة إلى أن الكاظمي نفسه يدين بشكل جزئي، في وجوده على رأس الحكومة، الى القوى والتيارات المحسوبة على إيران والتي صوّتت لصالح تسلّمه المنصب، بضوء أخضر من طهران، بوصفه «الخيار الأقل سوءاً»، مقارنة مع عدنان الزرفي الذي كان مرشّح واشنطن المفضّل!.

زيارة واشنطن

وعلى أية حال، يبقى الكاظمي متهماً بقربه من السياسية الأميركية، وتبقى الجهات المقربة من إيران غير مرتاحة له ولتوجهاته السياسية، بما في ذلك زيارته إلى واشنطن، التي اعتبرت أنها زادت من حجم التدخل الأميركي في العراق، عبر العقود والاتفاقيات التي وقعت مع شركات نفط أميركية، فضلاً عن الاتفاق على عودة برامج وكالة التنمية الأميركية «يو أس إيد» إلى العراق.

كما رأت هذه الجهات أن الزيارة «لم تحقق الهدف المطلوب منها»، لجهة إخراج القوات الأميركية من العراق، التزاماً بـ«تطبيق قرار البرلمان القاضي بإخراج القوات الأميركية من البلاد». وعلى ذلك، فقد شنت «فصائل المقاومة الإسلامية»، المصنّفة بقربها من إيران، هجوماً حاداً على الكاظمي بعد الزيارة. وهدّدت بـ«الانتقال من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق، ومنح فرصة للحوار السياسي، إلى مرحلة التصعيد واستهداف كلّ المصالح الأميركية».

يجدر التنويه هنا، إلى أنه وفي ظل الانقسامات والاستقطابات الحادة في العراق، فإن موضوع الانسحاب الأميركي، الذي يحظى بتأييد أغلبية البرلمان (الشيعية)، لا يجد إجماعاً أو قبولاً لدى المكونات العراقية الأخرى (السنّية والكردية)، التي تطالب بإبقاء الوجود الأميركي لحماية أمن مناطقها (من «داعش» وغيره). وعلى سبيل المثال، فقد نقل على لسان غير مسؤول أميركي أن «أكثر من طرف سياسي عراقي (سنّي) أوصل رسالة للجانب الأميركي بضرورة بقائهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير الحماية لمناطقهم بأنفسهم»، (خوفاً من بعض جماعات «الحشد الشعبي» نفسه)!.

النفط والكهرباء

أما على الصعد الأخرى، فقد بدا من المؤشرات المتداولة أنّ الطرفين؛ الأميركي والعراقي، وضعا أسس بناء علاقات مختلفة تقوم على تزايد «الحضور الأميركي الناعم» في العراق، عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة، مقابل خفض الحضور العسكري المباشر، والاعتماد، بدلاً من ذلك على الأجنحة العسكرية الموالية للحكومة، وذلك وفق التفاهمات التي تم التوصل إليها في «الحوار الاستراتيجي» الذي استؤنفت جولته الثانية خلال الزيارة.

وكان لافتاً، في هذا الصدد، حجم الاتفاقات التي جرى التوقيع عليها في مجال النفط والكهرباء، والتي وصلت إلى قيمة 8 مليارات دولار. علماً أن هذا الأمر كان موضع اعتراض إيراني. ولطالما أكدت مصادر حكومية أن الولايات المتحدة تضغط على بغداد لوقف اعتمادها على الطاقة الإيرانية. وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد أنّ «حلحلة» هذا الملف قد يكون بداية لمدّ قناة تواصل، أو بناء «جسر حوار» بين طهران وواشنطن، (عبر بغداد). هذا إذا بقيت الأمور ضمن إطار المسار الدبلوماسي، خلافاً لاحتمالات التصعيد العسكري، أو مسار الضغط الأميركي الشديد الذي تمارسه على طهران.

ولعل أبرز اتفاقية في قطاعي النفط والغاز، تلك التي أبرمت مع «جنرال إلكتريك» العملاقة في مجال الطاقة، لإجراء صيانة في محطات الطاقة الكهربائية وتحسين شبكة نقل الطاقة وربطها مع الأردن. علماً أنّ العراق يعاني من نقص كبير في إمدادات الكهرباء بفعل العديد من المشاكل، من بينها انهيار البنية التحتية في العديد من المدن، على خلفية الحرب المستمرة، على هذا النحو أو ذاك، منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.

حدود القدرة على محاربة الفساد؟

وفي إطار سياسته المعلنة للحد من انتشار السلاح غير النظامي، وحصره بيد الدولة، كان الكاظمي تعهد بالحد من أنشطة الجماعات شبه العسكرية العاملة خارج القانون، من خلال قطع وارداتها غير الرسمية عبر نقاط التفتيش الحدودية والحواجز على الطرقات وغيرها، علماً أنّ الكثير من تلك الجماعات تشارك بقوة في أنشطة اقتصادية غير رسمية (سوداء)، تقوض الاقتصاد الرسمي، فضلاً عن انها تعيق الاصلاحات المفترضة في العراق.

كما تعهّد الكاظمي بإحالة جميع الفاسدين إلى القضاء، بغض النظر عن مواقعهم في الدولة، ولكن مثل هذا «التعهد» لا يثير اهتمام العراقيين، بالمقارنة مع التجارب السابقة، ذلك أن غالبية قضايا الفساد التي بتّ فيها القضاء تعلّقت بمسؤولين من درجات دنيا، دون الاقتراب ممن يسميهم العراقيون «حيتان الفساد الكبيرة»، في إشارة إلى كبار المسؤولين السياسيين وقادة الأحزاب والميليشيات الذين تحوم حولهم الشبهات منذ سنوات دون أن يجرؤ أحد على فتح ملفاتهم!.

ورقة الاغتيالات

وليس هذا فحسب، بل وفي ظلّ الضغوط التي يواجهها، فقد تلقى الكاظمي رسائل تحذيرية مباشرة تمثلت بتنفيذ سلسلة اغتيالات طالت نشطاء وحقوقيين، بعضهم من أشد المقربين إليه، (مثل الخبير الأمني هشام الهاشمي)، الذي كان اغتياله واحدة من سلسلة عمليات، هدفت إلى «ردع» رئيس الوزراء عن اتخاذ إجراءات صارامة ضد الجماعات المسلحة، فضلاً عن تشويه سمعته؛ عبر إظهار عجزه والكشف عن عدم قدرته على محاسبة أي شخص؟!.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط