كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العرب بين الاعتراف بعدوهم ونكران ذاتهم

تبدي كثيرٌ من القوى والأحزاب والحكومات والأنظمة العربية استعدادها للإعتراف بالعدو، والتسليم له، والإقرار بشرعية وجوده، وحقيقه كيانه، وأصالة حقوقه، وعمق انتمائه، وقد تتفهم خصوصياته، وتلبي طلباته، وتستجيب إلى حاجاته، وترفض التضييق عليه، أو الاعتراض على مفاهيمه وأفكاره، وقد تقبل بتصرفاته، وتبرر سلوكه، وتدعو إلى احترام قيمه، وعدم الاعتداء على رموزه ومقدساته، وقد تقدم له المساعدة، وتمد له يد العون، وتكون سفيراً له، أو مدافعةً عنه، وتحاسب كل من يشك فيه، أو يعتدي عليه، أو يعترض على سياسته، وتدافع عن حقه في المشاركة في المنتديات والمؤتمرات الدولية، وأن يكون له دور في الأنشطة الإقليمية، والفعاليات المحلية، فلا يُقاطع ولا تُحجب عنه الدعوات، ولا تُصد في وجهه الأبواب، وتبرر الأنظمة والقوى العربية تصرفاتها تجاهه بأنها أخلاق الرجال، وشيم الأبطال، وقيم الخصومة والقتال.

وترى هذه القوى أنه لا ينبغي مقاطعة إسرائيل، ولا يجوز الامتناع عن الاجتماع معها، أو لقاء مسؤوليها وقادتها، كما لا يصح الغياب عن الأنشطة والاجتماعات التي تشارك فيها، بل يجب أن يكون الحوار هو اللغة المعتمدة معها، وأن تكون المفاوضات هي سبيل التفاهم، فلا يتقدم منطق القوة على قوة المنطق، ولا سياسة العصا على سياسة الجزرة، فلا اعتماد لخيار القوة في التعامل معه، ولا للغة التهديد والوعيد، ولا لمفردات العداء والكراهية، ولا لمعاني العنصرية والاضطهاد.

لكن القوى والأنظمة العربية لا تعتمد هذه المفاهيم ولا تؤمن بها، ولا ترسي قواعد حضارية في التعامل فيما بينها، فهي ليست مستعدة للإعتراف ببعضها، ولا الجلوس معاً على طاولة الحوار، ولا التفاهم بالعقل والمنطق والحجة والدليل، ولا يقبل بعضهم الاعتراف بشرعية الآخر، ولا يحترم أفكاره، ولا يقدر جهوده، ولا يلتزم بحقوقه، ولا يقر بخصوصياته، ولا يتفهم حاجاته، ولا يبدي استعداداً للاستماع إليه، ودراسة أفكاره، والحكم عليه من خلال تصرفاته وسلوكياته، بل إنها تستثني العقلاء، وتقصي الحكماء، وتغيب لغة العقل، وتستحضر المتشددين والمتطرفين، الذين يسعرون الفتن، وينفخون في نار الحروب، وتبحث عن كل ما يفرق، وما من شأنه أن يمزق ويباعد، وينفي التفاهم والتلاقي، ويقضي على فرص الاتفاق ولو على الحدود الدنيا.

بل يجرد كل حزبٍ للآخر حملاته، ويمتشق سلاحه، ويعد له قائمة اتهاماته، وكشف افتراءاته، ويخرج له من خزائن ملفاته، ما احتفظ له من أسرار، وما اعتقد أنها له فضائحٌ ومخازي، مستعيناً بما عند الخصوم من معلومات، وبما جمعته ورصدته الأجهزة الأمنية المحلية والدولية، ويأتون بالشهود الضالين المضلين، الذين يشهدون على شراء الذمم، وافشاء الرشوة، وتزوير الانتخابات، وتدليس الحقائق.

ويتبادلون فيما بينهم الاتهامات بالكذب والسرقة والتضليل والفساد والانحراف والشعوذة، والرجعية والأمية والتخلف، ويتهمون بعضهم بالعمالة والارتباط وخدمة الأجندات الأجنبية، والاستفادة من المساعدات الدولية، والمشاركة في إذكاء المؤامرات الداخلية، والفتن الطائفية، والصراعات القبلية والحزبية، وأنهم لا يعملون للوطن، ولا يخلصون للشعب، بل يوالون غير وطنهم، ويضحون لغير شعبهم، ويعملون لغير قضيتهم، مستخدمين أبشع الصفات، وأكثر الألفاظ بذاءةً وخشونة، وأشدها قسوةً ورعونة.

ويتهم البعض منافسيه من القوى والأحزاب بالتطرف والتشدد والتعصب والإرهاب، ويرمونهم قديماً بتهم القاعدة والأفغنة، وحديثاً بداعش والنصرة، وبأنهم من أتباع قاطعي الرؤوس وأكلة الأكباد، ويتهمون آخرين بالرافضة والتشيع، وبالمذهبية الضيقة والحزبية المقيتة، أو بالكفر والفسق والزندقة، والضلال والردة والجاهلية، أو أنهم من أتباع الفرس ومناصري إيران، وغير ذلك من الاتهامات المضلة، والصفات الغريبة العجيبة، التي تباعد بيننا، وتفرق صفنا، وتشق جمعنا، وتذهب ريحنا، وتضعف قوتنا، وتمكن منا عدونا، وتسلط علينا سفهاءنا، إذ أنها ليست صفاتنا، ولا هي ما يميزنا، بل هي أماني أعدائنا، وأحلام السفاء الضالين من أمتنا.

تتجاوز القوى والأحزاب والأنظمة العربية في خلافاتها الاتهامات وتبادل الشتائم والسباب، وتطور من أشكال خلافاتها وصراعاتها، فتسخدم القوة، وتعتمد العنف، فيرفعون السلاح في وجه بعضهم، ويقتلون أنفسهم، وينشرون الرعب والهلع بين أبناء وطنهم، ويتسببون في الهجرة والرحيل، وفي خلق غيتواتٍ حزبية، ومجمعاتٍ طائفية، وتجمعاتٍ مذهبية، تجعل من بلادنا معازل عنصرية، وكانتوناتٍ أمنية، لا يقوى غير أهلها على الدخول إليها، أو المرور من أمامها، وبذا تعود سياسات الحواجز، ومنطق الفتوات وحملة السلاح، ويستعيد الناس سياسة الذبح على الهوية، والقتل على اللهجة واللكنة، ومخارج الحروف وشكل الكلمات.

أما الأنظمة فإنها تستسهل توجيه الاتهامات، وتكثر من إطلاق الصفات، وتلصق أبشع التهم بمن ترى وجوب محاربته، وأهمية مواجهته، فهذا عميلٌ خائن، يستحق الإعدام، وذلك مأجورٌ مستفيدٌ من الغرب وعاملٌ معه، يستحق السجن والعقاب، ومصادرة الأموال والممتلكات، وتسخر الأنظمة العربية لخدمتها أجهزتها البوليسية، وعيونها الأمنية المنتشرة في كل مكان، ومؤسساتها القانونية والتشريعية والقضائية، الذين يسهلون لها فتح السجون والمعتقلات، وإصدار أقسى الأحكام وأشدها بحق المعتقلين من أتباع القوى المعارضة والأحزاب المنافسة.

لا تحمل أغلب قوانا وأنظمتنا العربية الحب لبعضها، ولا تخلص لقضيتها، ولا تعمل لصالح شعبها، بل لكلٍ منها أجندتها الخاصة، ومكاسبها الفئوية، ومصالحها الحزبية، وحساباتها المذهبية والطائفية، وشعارها الدائم الصادق، تصفية الآخر، والتضييق عليه واتهامه، والافتراء عليه وقتاله، والإساءة إليه وشطبه، والعمل على هدم الجسور القائمة، وإفساد القواسم المشتركة، وإذكاء نار الخلافات الداخلية، وشعارها الدائم، إما أن نكون نحن أو لا يكون غيرنا، وإما أن نكون نحن الرئيس والقائد، وإلا فسنكون نحن المبير والقاتل، فمن أعجبه منطقنا فأهلاً وسهلاً به، ومن أبى إلا أن يكون معارضاً، فالسجن موئله، أو الشتات مصيره، أو جوف الأرض قبره.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط