كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العرب والعثمنة ... التباس لا يزال قائماً

العرب والعثمنة ... التباس لا يزال قائماً

تاريخ النشر: 2016-01-19 | 09:48

تصادف في هذا العام الذكرى الـ500 لمعركة مرج دابق التي أسست للحقبة العثمانية في التاريخ العربي. وعلى رغم أفول هذه الحقبة منذ زهاء قرن، فالأحكام والتأويلات التاريخية في صددها لا تزال موضع لبس وتناقض كبيرين، لعل أبرزها الخلط والمماهاة بين العثمنة والتتريك، ومن ثم بناء تصورات واستخلاص استنتاجات سياسية أو قومية أو علمانية تأسيساً عليهما، هي في الواقع مغايرة، عدا استثناءات محدودة، لرؤية العرب ومفكريهم للعثمنة.

وثمة قراءة لفكر النهضة العربية تمثل رؤية أيديولوجية واهمة لحقيقة الاتجاهات النهضوية وآلية التفكير النهضوي، كما لحقيقة موقع السلطنة العثمانية في التاريخ الإسلامي. فقد ذكر جرجي زيدان أن العرب كانوا موالين «للخليفة» السلطان طوال الحكم العثماني، على رغم الكره والنفور المتبادلين بين العرب والترك. ووفق محمد الحداد في دراسة حديثة، فإن الأتراك والبربر والأكراد والمغول واصلوا المنطق الداخلي للحضارة الإسلامية التي لا يمثل العنصر العربي فيها إلا جزءاً من كل. ومن هنا، فالإمبراطورية العثمانية لم تنشأ ضد العرب، ولم يكن التصادم بينها وبين المشرق العربي تصادماً بين العرقين العربي والتركي. بهذا التصور، ليست الإمبراطورية العثمانية بدعة في منطق التاريخ الإسلامي، بل هي تواصل حركة انتقال المركز السياسي للحضارة الإسلامية الذي تغيّر مرات عدة، والعصر العثماني هو بهذا المعنى عصر تواصل وليس عصر قطيعة واستيلاء عرقي أجنبي على مشروع عربي، لأن النظام العثماني يندرج في صلب الثقافة الإسلامية السائدة.

فالقول أن شعار العلمانية طرح بالارتباط مع شعار الاستقلال عن الترك، مغاير للواقع مغايرة تامة. صحيح أن مسيحيي الشام أول من طرح شعار العلمانية (الشدياق، البستاني، المراش، اسحق، أنطون)، لكن ليس صحيحاً ولا واقعياً ربط هذا الشعار بأية خلفية قومية. فليست ثمة صلة مباشرة بين العلمانية العربية والقومية العربية، إذ لم تكن القومية العربية قد وجدت بعد، وعندما وُجدت لم تكن ذات تصوّر علماني، ولا قامت على المثقّفين المسيحيين، إلا في بعض أطرافها ذات الارتباط الفرنسي، كدعوة نجيب العازوري الى إمبراطورية عربية في الأقاليم الآسيوية، ولم تكن هناك صلة بين القومية العربية وبين الطوائف على نحو ضروري. وفي رأي ز.ل. ليفين أن العرب كانوا حتى أواخر القرن التاسع عشر، غير مهيئين للنزعة القومية في وجه عام، وكانوا يتصرفون بوصفهم عثمانيين حريصين على مصلحة الإمبراطورية العثمانية. وخلص ألبرت حوراني الى استنتاج مشابه، إذ رأى أن «الاعتقاد أن الناطقين بالضاد يشكلون أمة، وأن هذه الأمة يجب أن تكون مستقلّة ومتّحدة، لم ينضج ولم يكتسب قوة سياسية إلا في القرن العشرين». وفي رأي حوراني، فإن بطرس البستاني كان يكتب كمواطن عثماني، ولم يكن في ما يقوله أي تلميح أو رغبة في التخلّي عن الولاء للسلطان.

ونشير في هذا السياق، الى أن مجلة «الجنان» للبستاني حظيت بدعم مدحت باشا ورعايته، وقد ساهم في تحرير بعض أعدادها، وأن مدرسة البستاني الوطنية كانت تتلقى مساعدات من العثمانيين، من دون انتقاص من وطنية هذا الرائد، فقد كان الجمع بين الوطنية السورية وبين المواطنة العثمانية، الطابع الغالب على المسيحيين التنويريين مثل الشدياق والبستاني والمراش واليازجي واسحق وأنطون، ولم يكن خطاب هؤلاء السياسي مختلفاً عن الطابع العام لتقديم العثمانيين – العثمانيين الجدد.

بالفعل قدم التنظيماتيون العثمانيون، انطلاقاً من مبدأ وحدة الدولة العثمانية المتعددة القوميات والأديان، وعلى أساس الرابطة العثمانية التي تساوي بين جميع العثمانيين، المساعدة للتنويريين العرب لإعادة تشكيل «الجمعية العلمية السورية» في دورها الثاني في 1868. وفي هذا الإطار، جاء خطاب محمد إرسلان في افتتاح الجمعية في حضور كامل باشا، متصرف بيروت، حافلاً بذكر أمجاد العرب، ومتضمناً دعوة صريحة لاستنهاضهم وإعادة عزّهم وفخرهم وشرفهم، من دون أن يشكل ذلك استفزازاً للمتصرف العثماني. وهذا كله يتناقض مع ما ذهب إليه الجابري وبلقزيز، ومع ما أورده يوسف قزما خوري إذ رأى أن المراش إنما كان يريد تمزيق الرابطة العثمانية.

في ضوء هذه الحقائق، يجب أن نفهم خلفيات التوجه العثماني عند غالبية التنويريين العرب من الشدياق والبستاني والمراش الى أديب اسحق وفرح أنطون وجمال الدين الأفغاني وعمر فاخوري، مع رفض هؤلاء القاطع اتجاهات التتريك، حتى ان الشدياق رفض من داخل الآستانة اعتبار التركية لغة رسمية للسلطنة، بل إحدى لغاتها الرسمية.

استمر هذا المنحى السياسي حتى سقوط السلطنة العثمانية، ففي المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس في عام 1913، والذي شارك فيه تنويريون مسيحيون ومسلمون، أكد الخطباء ضرورة التمسك بالوحدة العثمانية، وأن العرب لا يريدون الانفصال عن الدولة العثمانية، وإنما يريدون حقوقهم القومية بين عناصر الأمة العثمانية، وأن يتمتعوا بالمساواة مع الأتراك والإصلاح من طريق اللامركزية، الأمر الذي شدد عليه عبدالحميد الزهراوي وشكري غانم وندره مطران. لكن ذلك كله لا ينفي الكره والنفور المتبادلين بين العرب والترك لما قاساه العرب من عسف واضطهاد واغتراب على يد هؤلاء، الأمر الذي لخّصه عبدالرحمن الكواكبي في «طبائع الاستبداد» من خلال أقوال الأتراك في العرب وأقوال هؤلاء في الأتراك، وكلها تنم عن التحقير والازدراء والاستعلاء. وقد دان مفكرو النهضة استبداد الولاة والسلاطين وفساد الإدارة والقضاء في ظل الدولة العثمانية، على رغم حرصهم على بقاء هذه الدولة واستمرارها.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط