كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العلاقات الدولية ما بعد الكورونا

العلاقات الدولية ما بعد الكورونا

تاريخ النشر: 2020-04-07 | 13:35

من المؤكد أن العلاقات الدولية تتأثر بالأزمات الدولية الحاسمة. فقد ظهرت أهم مدارس في العلاقات الدولية بعد أزمات دولية عاصفة. فالمدرسة المثالية ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وتحديداً عام1919م. والتي كان إحدى أبرز رجالاتها المفكر البريطاني " جيريمي بنتهام". وقد جاءت المدرسة بعد تأثرها بحجم الدمار والقتل التي خلفتها الحرب العالمية الأولى. حيث لقي أكثر من ثمانية ملايين شخص مصرعهم وجرح وفقد الملايين، كما خلفت خسائر اقتصادية كبيرة، فانتشر الفقر والبطالة، كما عرفت الدول المتحاربة أزمة مالية خانقة بسبب نفقات الحرب الباهظة، فازدادت مديونية الدول الأوربية وتراجعت هيمنتها الاقتصادية لصالح الولايات المتحدة الأميركية واليابان. لينادي أصحاب المدرسة المثالية بضرورة تغليب القانون والاخلاق والمساواة بين الدول. إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية لتؤثر سلبا على مبادئ المدرسة المثالية. ولتسمح بظهور المدرسة الواقعية والتي من أبرز مفكريها "هانس مورغنتو" صاحب كتاب "السياسة بين الأمم" والتي تؤمن باالقوة ومفهوم المصلحة القومية. وقد انقسمت الواقعية الى مدرستين الأولى الواقعية الهجومية والتي تقوم بأعمال عسكرية بهدف الغطرسة وبسط النفوذ سواء كان ذلك النفوذ سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية نموذجاً على الواقعية الهجومية. بينما المدرسة الثانية هي الواقعية الدافعية والتي تؤمن بالعمل العسكري من أجل الحفاظ على سلامة مصالح البلد نفسها ودرء المخاطر عنها. وهي المدرسة التي تتبعها معظم دول العالم في علاقاتها الخارجية، خاصة في ظل انتشار التنظيمات الإرهابية العالمية. ومن بين الدول التي تتبع المدرسة الواقعية الدافعية في منطقتنا العربية مؤخراً، جمهورية مصر العربية. وذلك من أجل مواجهة الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها. سواء تلك القادمة من الحدود الغربية المصرية وتحديداً من ليبيا؛ أو تلك القادمة من الغرب والمقصود بها التنظيمات الإرهابية النشطة في سيناء. وقد يزداد اعتماد مصر على الواقعية الدافعية في الفترة القادمة بهدف مواجهة المخاطر التي تهدد أمنها المائي بعد انشاء دولة أثيوبيا مشروع سد النهضة والذي من شأنه أن يؤثر سلبا على حصة مصر من مياه النيل. ولكن يبقي السؤال المحوري في هذا المقال ما الذي كشفته أزمة انتشار فيروس كورونا على العلاقات الدولية؟

أزمة انتشار وباء كورونا العالمي ترتب عليها متغيرات هامة في علاقات العديد من الدول، أهمها إخفاق الاستراتيجيات والسياسات الداخلية لمعظم دول العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول الاتحاد الأوروبي خصوصا في القطاع الصحي. مما ترتب عليها تعزيز مفهوم المصلحة الوطنية وفق المدرسة الواقعية لدى العديد من دول العالم. وتعتبر ظاهرة قرصنة المعدات الطبية دليلا واضحا على تغليب لغة المصالح الوطنية على حساب الأخلاق السياسية. الأهم على مستوى العلاقات الدولية يتمثل في ظهور الصين كدولة قوية ومنافسة للولايات المتحدة الأمريكية ليس فقط في المجال التجاري فحسب. بل نجحت الصين أيضا في إظهار تفوقاً ملحوظاً على المستوى الدولي في القطاع الصحي؛ هذا في حال صحت الأخبار الإعلامية المتداولة. كما ظهرت روسيا الاتحادية أكثر تماسكا من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وايطاليا في مواجهة أزمة فيروس كورونا. فهل يعني ذلك انها مؤشرات لظهور نظام دولي جديد أو انها تغيرات ملحوظة لرسم مستقبل العلاقات الدولية ما بعد كورونا؟

قبل الحديث عن ظهور أي نظام دولي جديد أو تغيرات ملحوظة في مستقبل العلاقات الدولية يجب الإشارة إلى العوامل التي من الممكن أن تؤثر في مستقبل العلاقات الدولية في فترة ما بعد الكورونا. وهي. أولاً ميزان الربح والخسارة، فغالبا سيكون هناك رابحون وخاسرون من هذه الأزمة. والرابحون من هذه الأزمة هم من سوف يؤسسوا نظاما دوليا. ولأن الأزمة لا تزال في بدايتها فمن المبكر معرفة الرابحين أو الخاسرين، وبالتالي لا يمكن تحديد شكل نظام العلاقات الدولية إلا بعد إنتهاء أزمة كورونا بخمس سنوات على أقل تقدير. فقبل أشهر فقط وتحديداً في شهر يناير من العام 2020م، كانت الصين في موضع الخاسر ومحط أنظار الشفقة بالنسبة للعالم. الا أن الوضع في الصين أصبح لصالحها مع بداية شهر مارس من العام 2020م، بعد نجاحها في التعامل مع الفيروس على أراضيها بنجاح. مما دفع بعض المحللين إلى اعتبار نجاح الصين المتميز في القطاع الصحي بأنه مؤشر لظهور نظام دولي جديد. وأعتقد أن ذلك تسرعا غير محسوب لدى العديد من المحللين. العامل الثاني شمولية الضرر؛ فربما نتيجة لشمولية الأزمة بصفتها الدولية والإنسانية. من الممكن أن تلجأ العديد من الدول إلى تعزيز مبادئ المثالية التي تؤمن بالأخلاق والمساواة والقانون في ظل أزمة الأخلاق التي يعيشها العالم مع أزمة كورونا. على أن يضاف الاهتمام بالقطاعين الصحي والاقتصادي إلى جانب الأخلاق والقانون. أما العامل الثالث يتمثل في الصدمة الجماهيرية، فقد باتت العديد من الشعوب مصدومة من عجز وتخاذل المنظومة الدولية. خصوصا الشعب الإيطالي الذي يشعر بنوع من التخلي عنه من قبل أقرب المنظمات القريبة لهم "الاتحاد الأوروبي". وهذا من شأنه أن يمرر خطابات شعوبية داعية إلى الانغلاق على الذات وقفل الحدود مع تمجيد عنصر الهوية الوطنية على حساب الانفتاح على الآخرين. لتكن عناوين المرحلة القادمة لدى العديد من الدول هي "الانكفاء القومي والعزلة الاستراتيجية والانطواء الاقتصادي". وهذا العناوين في حال اتبعتها الولايات المتحدة الامريكية أيضا نتيجة للخسائر القاسية التي تتعرض لها منذ بدايات شهر إبريل 2020م. سوف يمنح الصين فرصة مميزة لكي تعزز من مكانتها الدولية كقوة عالمية قادرة على أن تملأ الفراغ الذي من المتوقع أن تتركه الولايات المتحدة الأمريكي. العامل الرابع يتمثل في مدى مصداقية الأعلام، فلا تزال المؤشرات الإعلامية غير مستقرة وتحمل الكثير من الغموض. وبالتالي العلاقات الدولية لا ترسم الا من خلال أزمات وانهيارات حقيقة، لا مجرد ارقام عبر وسائل الاعلام. وفي حال صحت الأرقام المتداولة إعلاميا فإن طاقة الدول على تحمل الخسائر تختلف من دولة لأخري وفقا لقدرات تلك الدول.

وعليه يمكن القول إن شكل العلاقات الدولية ما بعد كورونا لن يظهر في الأيام المقبلة. ففي أوقات سابقة حلّت بالعالم أزمات مشابه لفيروس كورونا، مثل الإنفلونزا الإسبانية والتي انتشرت عامي 1918 و1919، والتي لم تُنهِ النزاع بين القوى العالمية المتصارعة، ولم تبشّر بعصر جديد من التعاون العالمي، وعليه فلن يؤدي فيروس كورونا إلى تغير جذري في نمط العلاقات الدولية. بل من المرجح أن يشهد العالم مزيداً من التراجع في العولمة المفرطة، لأنّ المواطنين سينتظرون حمايتهم من حكوماتهم الوطنية. وعليه فسوف تسعى الدول والشركات إلى الحد من إمكانية تعرضها لهجوم مماثل أو انتكاسات مشابهة في المستقبل.

رابط صورة الكاتب         

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط