كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

العلاقات الفلسطينية – الروسية: رهان استراتيجي في زمن التحولات الدولية

العلاقات الفلسطينية – الروسية: رهان استراتيجي في زمن التحولات الدولية

تاريخ النشر: 2026-02-02 | 13:54

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وعودة الصراع بين الأقطاب الكبرى إلى الواجهة، تكتسب العلاقات الفلسطينية – الروسية أهمية متزايدة، تتجاوز بعدها الثنائي لتلامس جوهر الصراع على شكل النظام العالمي القادم، وموقع قضايا التحرر الوطني فيه، وتبرز القضية الفلسطينية في هذا السياق باعتبارها إحدى أكثر القضايا عدالة واستمرارية، ليس فقط في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بل في مواجهة منظومة الهيمنة الغربية التي سعت، وما زالت، إلى تهميشها أو تصفيتها تحت عناوين سياسية مضللة.

منذ المراحل الأولى لتبلور القضية الفلسطينية، شكّل الاتحاد السوفييتي، ومن بعده روسيا الاتحادية، أحد أبرز الداعمين للحقوق الوطنية الفلسطينية، سواء عبر الاعتراف المبكر بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، أو من خلال المواقف السياسية الثابتة نسبياً في المحافل الدولية، والدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورغم ما شهدته هذه العلاقات من تراجع نسبي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، في سياق التحولات الداخلية الروسية وهيمنة الأحادية القطبية، فإنها لم تنقطع، بل أعيد بناؤها تدريجياً ضمن رؤية روسية جديدة تسعى إلى استعادة الدور الدولي لموسكو، وإعادة التوازن إلى علاقات القوة في الشرق الأوسط.

تنطلق المقاربة الروسية للقضية الفلسطينية من رفضها احتكار الولايات المتحدة لملف التسوية السياسية، ومن إدراكها أن الانحياز الغربي المطلق لإسرائيل لم يكن مجرد خلل في الوساطة، بل سياسة ممنهجة أسهمت بشكل مباشر في إفشال جميع مسارات "السلام" المفروضة على الفلسطينيين، وتحويلها إلى أداة لإدارة الصراع لا حله، ومن هنا، تحرص موسكو على الإبقاء على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف القوى الفلسطينية، بعيداً عن منطق التصنيفات والإقصاء، في مقاربة تقوم على الحوار والشمول السياسي، وتمنح الدور الروسي بعداً مغايراً للنهج الأمريكي القائم على الضغط والابتزاز السياسي.

بالنسبة للفلسطينيين، تمثل روسيا ثقلاً سياسياً مهماً، وعضواً دائماً في مجلس الأمن يمكن أن يشكّل، في محطات معينة، عنصر توازن في مواجهة السياسات الإسرائيلية المدعومة غربياً، وقد برز هذا الدور، ولو بحدوده، في المواقف الروسية الرافضة لتوسيع الاستيطان، والداعية إلى احترام قرارات الشرعية الدولية، وفي التأكيد المتكرر على مركزية القضية الفلسطينية في أي مقاربة حقيقية للاستقرار في المنطقة، كما أن تصاعد الصراع الروسي – الغربي، لا سيما بعد الحرب في أوكرانيا، دفع موسكو إلى توسيع حضورها السياسي في قضايا العالم الثالث، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بوصفها قضية رمزية لمناهضة الاستعمار والهيمنة، وتحظى بتأييد شعبي عالمي واسع.

في المقابل، كشفت التجربة التاريخية الطويلة بوضوح خطورة الاستمرار في الرهان على الولايات المتحدة، التي لم تعد حتى تدّعي دور "الوسيط النزيه"، بل باتت شريكاً مباشراً في العدوان الإسرائيلي، وداعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للاحتلال.

إن التعويل على واشنطن لم ينتج سوى مزيد من الاستيطان، والحصار، وتفريغ القرارات الدولية من مضمونها، وتحويل العملية السياسية إلى غطاء لإدامة الاحتلال، ومن هنا، فإن تعميق العلاقات مع روسيا، ومع قوى دولية أخرى رافضة للأحادية القطبية، يشكّل ضرورة سياسية، لا خياراً تكتيكياً عابراً.

وتتعاظم أهمية العلاقات الفلسطينية – الروسية في المرحلة الراهنة مع تسارع محاولات تصفية القضية الفلسطينية، عبر مشاريع سياسية واقتصادية تتجاوز قرارات الشرعية الدولية، وتسعى إلى فرض وقائع نهائية على الأرض من خلال الضم الزاحف، والحصار، والحروب المتكررة، وتهشيم البنية الوطنية الفلسطينية، وفي هذا السياق، تمثل روسيا أحد المسارات القليلة المتاحة أمام الفلسطينيين لتنويع تحالفاتهم الدولية، وكسر حالة الارتهان لمسار سياسي واحد ثبت فشله وعجزه البنيوي.

ومع ذلك، لا يمكن مقاربة الدور الروسي بمنطق التبعية أو الرهان المطلق، فالعلاقات الروسية – الإسرائيلية، لا سيما في الجوانب الأمنية والعسكرية، تفرض سقوفاً وحدوداً على مستوى الدعم الروسي العملي، وهو ما يفرض على الفلسطينيين قراءة واقعية للتوازنات الدولية، تقوم على توظيف الدعم الروسي سياسياً وقانونياً، دون بناء أوهام أو استبدال ارتهان بآخر، والأساس يبقى في امتلاك الفلسطينيين لاستراتيجية وطنية موحدة، تعزز الوحدة الداخلية، وتفعّل أدوات القانون الدولي، وتعيد الاعتبار للنضال الشعبي والسياسي المنظم.

إن تطوير العلاقات الفلسطينية – الروسية يتطلب الارتقاء بها من مستوى الدعم السياسي التقليدي إلى مستوى الشراكة الأوسع، من خلال تنسيق أعمق في المؤسسات الدولية، ودعم الجهود القانونية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه، وتعزيز الحضور الفلسطيني في الرأي العام الروسي، وتوسيع مجالات التعاون الثقافي والأكاديمي والاقتصادي، بما يخدم صمود الشعب الفلسطيني ويعزز مكانة قضيته عالمياً.

تشكّل العلاقات الفلسطينية – الروسية رصيداً سياسياً واستراتيجياً مهماً في معركة طويلة ومعقدة، لكنها تبقى أداة من أدوات الصراع السياسي، لا بديلاً عن مشروع وطني فلسطيني موحد، يستند إلى الشرعية الشعبية، ويعيد تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني في مواجهة استعمار استيطاني وعنصري، في عالم يتغير، وتتبدل فيه موازين القوى، ولا مكان فيه إلا لمن يمتلك رؤية واضحة، واستقلالية في القرار، وإرادة نضالية صلبة.

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط