كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفرح الهارب في طقوس التذكر المحرم

الفرح الهارب في طقوس التذكر المحرم

تاريخ النشر: 2021-12-21 | 09:05

زياد جيوسي
زياد جيوسي

القصة كفن سردي كانت وما زالت تشدني بقوة من بين صنوف الأدب التي اهتم بها: القصة والرواية والشعر، وحين أهداني القاص د. أسامة المجالي مجموعته القصصية "طقوس التذكر المحرم" شكرته ولفت نظري العنوان الفرعي للمجموعة "ذاكرة المكان.. قصص وحكايا"، والحكايا شكل من أشكال القصة، والصديق العزيز د. اسامة أمين المجالي كاتب تابعت كتاباته منذ بدايات عام 2000م إن لم تخني الذاكرة، ولفتت نظري نصوصه السردية التي كانت تنشر عبر المجموعات البريدية قبل المنتديات وقبل وسائل التواصل الإجتماعي، فربطنا القلم بعلاقة طيبة حتى التقيته شخصيا في عمَّان في عام 2008م وتواصلت علاقتنا مع قلة اللقاءات بسبب طبيعة عمله كطبيب وبحكم سفري المستمر. 

يرتبط بالنصوص والفكرة فيها بالقول: "إلى أبي وأمي حراس الذاكرة وإلى أولادي زيد وقيس وشذا وحسان إمتداد هذه الذاكرة"، وقدم لها د. حكمت النوايسة والتي أكد فيها منذ البداية أن المجموعة قصصية بالقول: "تأتي هذه المجموعة القصصية.."، علما أنها صنفت بكلمة بالكاد ترى بأعلى صفحة الغلاف الداخلية بكلمة "نصوص"، وهي تتكون من 126 صفحة من القطع المتوسط وثلاثين نصا سرديا، ولوحة غلاف طغى عليها اللون البني بتدرجاته لإمرأة مسدولة الشعر وتلف حول جبينها قطعة من القماش تصل لتغطية عينيها وهي في حالة من التفكير أو التذكر، والمجموعة أخذت اسمها من النص القصصي الأول والذي تجري فيه احداث استذكار لهزيمة حزيران 1967م، فهل هذا التذكر لما جرى هو المحرم؟ وهل المطلوب كما في لوحة الغلاف أن نغمض أعيننا على جرحنا ولا نتذكر؟ هذا ما سنراه في جولة بين النصوص التي تراوحت بين الحكاية وبين القصة مع الفارق الفني بينهما والتي تراوحت في القصص بين ألم الوطن وبين ألم المواطن . 

 ألم الوطن: وهذه القصص تحدثت عن ألم الوطن وذاكرته، وهذا ما تجلى في النص الأول "طقوس التذكر المحرم" حيث استعاد هزيمة حزيران 1967م من خلال الطبيب الذي يضع على الوصفات للأدوية عبارة 5 حزيران متجاهلا الترتيب الرقمي للأشهر، ويرى ردات الفعل المختلفة لدى المرضى بفئاتهم العمرية المختلفة، فالكبار يستعيدون الذكرى بألم وخاصة تلك التي فاجأها المخاض وهي تقطع النهر، والكبار الذين يذكرون مشهد الجيش من خلال "استرجاع صورة أسراب الجنود المندحرين الحفاة ممزقي الثياب وهم يهيمون على وجوههم في الوديان والجبال بعد أن صدرت لهم الأوامر بالتراجع، التراجع العشوائي دون أية حماية من عتاد أو قوات مساندة أو طيران.."الخ، وهذه صورة رسمت تحمل في ثناياها كل ألم الوطن، وذلك الشاب العشريني الذي ينظر ببلاهة فهذه الذكرى لا مكان لها في ذاكرته، وتجلى ألم الوطن في النصين "قمر ليس لنا" 1+2" فيقول: "قمر هائل يبرز بهيا باسطا سطوعه وجلاله على الأشياء، ملقيا قصيدة حب مليئة بالإيماءات والرموز" بإشارة رمزية للوطن وما آل اليه من قمر ينير حتى أصبح يأكل أبناءه ويسير في طريق التحطم، وينهي النص بالقول: "تمتد يده تمتد، تحض القمر بقوة، يشد قبضته بود، تجرحه فوهة بركان صخري"، وفي النص الثاني يقول: "يسمع صوت ارتطام ثم صوت حطام وتتهاوى البقايا، بقايا القمر هاوية نحو الماء". 

في نصوص أخرى تألق الكاتب بالحديث عن مدينة الزرقاء وتاريخها ونشأتها وذاكرة المكان وذاكرة الإنسان فيها، وعن شارع السعادة قلب الزرقاء في نصه "الزرقاء/ الشارع الأول" والذي اختصر الوطن فيه من خلال هذه المدينة المهمشة، ونصه "الزرقاء/ الشوارع الضيقة" وإن مال للسرد والبوح الوجداني أكثر من القصة فيه، وكذلك كان نفس الأسلوب بتفاوت في نصوصه التالية عن الزرقاء وهي: "الزرقاء/ السكة" ونصه "الزرقاء الواحة" ونصه "الزرقاء/ المجمع/ الإنتظار الأسطوري"، فهذه النصوص حفلت بالحديث عن معاناة الوطن والمواطن ما بين العاصمة وما بين المدن الأخرى المهمشة. 

ألم المواطن: وتجلت في حكاية "قطعة نقد" والتي جاءت على لسان القطعة النقدية ذات فئة الخمسة قروش والمعروفة بين الناس بفئة "الشلن" عبر ثلاث مراحل زمنية عاشها المجتمع 1949/ 1978/ 1996م حيث فقد القطعة النقدية قيمتها عبر الزمن فمن قيمتها التي كانت تشتري "شوال برتقال يافاوي" او تسدد أجرة الباص من عمان إلى القدس حين كان "الشلن" وحسب قول الكاتب "يحكم ويرسم"، والآن يرفضه المتسول بالقول: "ماذا سأفعل أنا بهذا "الشلن، قبل أن يلف رأسه بازدراء"، وهذا يدلل على معاناة الناس من إنخفاض القدرة الشرائية للعملة عبر هذه الأعوام علما أن الانخفاض لا يتناسب مع قيمة الدخل للمواطن، ومن كان بعمري يتذكر قيمة الخمسة فلسات "التعريفة" ففي طفولتنا كان "الشلن" حلما بعيد التحقق، ونجد المعاناة تتكرر في القصة "انتظار أمام الغرفة 507" وهي تصور معاناة المواطن الذي يطلب منه أن يراجع جهاز أمني في الثامنة صباحا وينتظر كل يوم حتى انتهاء الدوام ليقولوا له "أن يعود في الثامنة من صباح الغد"، وكم هو عدد من عانى من ذلك وأنا بعض منهم، وأما في قصته الطويلة نسبيا تحت عنوان "القرية مفاتيح الإلتقاء والغربة" فقد أبدع فيها بالحديث عن صواب العودة للقرى وإحيائها من جديد فيقول: "هل كان يريد التحدث عن هموم الإنسان المحاصر بالمدينة والهموم اليومية وحملات التغريب التي تمارس عليه دون هوادة تستهدف اقتلاعه من جذوره المنسابة بهدوء وعمق في وطنه". 

وهكذا نرى الكاتب يعيش الألم كمواطن من نواح متعددة تؤلمه وتتعبه، فالمواطن في نصوص الكتاب يشعر أن الوطن يتسرب من بين يديه ولا يترك إلا الألم في روحه، وفي قصة أخرى يكون الألم الشخصي والفكرة الفلسفية في قصته "الموت وتوم هانكس وألهاكم التكاثر" وهي من القصص المتميزة بهذه المجموعة.  

ألم الوطن المحتل: وقد ظهر هذا في نصه بكاء الذي يظهر بكاء طفل قتل الاحتلال صديقه في غزة، وفي نصه "تسويات المتعبين" وإن كان هذا النص خرج عن فنية القصة وفنية الحكاية وكان أقرب لمقال سياسي من قصة، لكنه عبر عن رأي الكاتب تجاه من اتجهوا للتسوية بديلا عن الكفاح والنضال، فيقول قبل نهاية النص: "ففلسطين ليست ملكا لأحد إلا لشعبها كله الممتد في الزمان والمكان"، ونلاحظ أن بالكاد يخلو نص من النصوص من الحديث عن الوطن المحتل وعن المهجرين والنازحين قسرا خلال هزيمتي النكبة والنكسة. 

القصة فن أدبي عالمي وقديم ومن اوائل الأساليب الأدبية وعرف لدى شعوب مختلفة في أنحاء العالم، كما عرف عند العرب أيضا ووردت القصص في القرآن الكريم، وإن تراوحت القصص بين الشعوب بين الواقعية وبين الخيال سواء الأدبي أو العلمي وبين الأسطورة، ونلاحظ أن د. أسامة المجالي اعتمد في نصوصه على أحداث واقعية أعاد صياغتها بأسلوبه الأدبي فكانت تترواح بين القصة والحكاية بطريقة سلسلة، وبشكل عام نجد اجماعا بين النقاد و"الأكاديميين" على أن القصة فن نثري يجب ان يعتمد على أسس أهمها الزمان والمكان والشخوص وعادة ما يكون شخص واحد بعكس الرواية، أو أحيانا عدة شخوص حسب طول القصة والحوار فيها، إضافة للحدث والفكرة التي يريد أن يوصلنا اليها الكاتب من خلال الوصول لها من خلال النص بدون مباشرة، والحبكة القصصية من عناصر القصة التي تجلب الانتباه بحيث لا تصبح القصة سرداً أقرب للخاطرة، والقصة من مقدمة وذروة ونهاية وقد يترك القاص النهايات مفتوحة لإثارة التساؤلات والإحتمالات في روح القارئ، فهذه العناصر هي التي تشكل القصة. 

والمؤلف للكتاب امتلك القدرة القصصية وعناصرها وإن تفاوتت بين قصة وأخرى كما أشرت اعلاه لنصه "تسويات المتعبين"، وإن ظهر التأثير الفكري والتيار السياسي المقتنع به في العديد من النصوص ومنها على سبيل المثال قصته "نبض" وتتحدث عن انتماء شخص لمدينة في قطر عربي آخر ويريد ان يذهب ليقاتل ضد النظام الحاكم، وباعتقادي أنه لو لم يحدد النظام ولم يحدد المدينة لكان للقصة التي امتلكت عناصر القصة قوة أكثر، ونلاحظ أن الزمان ارتبط بتأريخ الكتابة وكذلك توثيق المكان الذي كتب به نصه مرفقا مع التاريخ، فمثلا نصه "طقوس التذكر المحرم" نرى أنه كتبه في غور الاردن المواجه لفلسطين وفي تاريخ هزيمة حزيران، بينما نصه "القرية مفاتيح الالتقاء والغربة أرفق التاريخ بقرية شيحان/ الكرك، وهذا ما سنلاحظه في كل النصوص، فنجد أن المكان والزمان ارتبط جيدا بالنص وأعطى القارئ في نهاية النص أن يعرف مسرح النص، فنجد نسبة من النصوص كانت في عمَّان ونصوص أخرى أكثر في الزرقاء وفي أمكنة أخرى مثل المفرق وشيحان ومعان وكلها في الأردن واسطنبول في تركيا والرياض ودير الكهف ومكة المكرمة في السعودية. 

 وفي العادة كان السارد هو الشخصية الرئيسة وإن دخلت بعض الشخوص الثانوية لأهمية دورها في السرد القصصي، ولكن كثير من النصوص خلت من عقدة القصة فأخذت طابع الحكاية وبعضها أخذ صفة المقال المغلف بالقصة، والرمزية بالقصص وهي من المسائل المهمة كان وجودها هامشيا في بعض القصص ومفقود في أخرى وبارزا في بعضها مثل قصة "انتظار أمام الغرفة 507"، وفي قصة "قطعة نقد" التي أنسنت القطعة النقدية "الشلن" وجعلها تتكلم وتروي حكايتها، وكذلك في قصة "الحلم الهارب" وفي "قمر ليس لنا" وفي نصوص أخرى، بينما مال إلى المباشرة في نصوص أخرى مثل "تسويات المتعبين" ونص "فرنكشتاين عراقي"، وأيضا نص"رسالة إلى زيد" ورغم انه ممتع إلا أن المباشرة في القصة تضعفها وتفقدها عناصرها الفنية وفي نص "الرماد"، وأيضا في نص "الياسمين والإسمنت" وفي نص "بياض غزير" وهو أميل للقصة، وفي نصوص أخرى ممتعة لكنها مالت للسرد والحكاية أكثر من القصة مثل نصوص روت ذاكرة مدينة الزرقاء، بينما في قصص أخرى تألق باحتواء النص بشكل جيد على كل أو معظم عناصر القصة مثل: "القطار" و"الطريدة" و"جنوبا" و"محطة" و"المنفى" و"مرافئ بعيدة" و"الجثة" و"عيد" و"صرخة" "الحلم الهارب" ومسرحها استنبول ومدينة أخرى ويوصلنا للفكرة التي تدفع القارئ للتفكير والسؤال بقوله في نهاية القصة: "ندرك عبثية بحثنا عن فرح هارب".  

تمتعت بالتجوال بين جنبات "طقوس التذكر المحرم" وبغض النظر إن صنفت قصصا أو نصوص، إلا انها في غالبيتها احتوت عناصر القصة أو بعض منها، وكانت ممتعة وبعضها حملت أفكاراً تثير السؤال، لكنها بالتأكيد عبر عشرين عاما من كتابة النصوص ستختلف بالشكل والأسلوب، لكنها تبقى تمثل مراحل من أحداث عشناها اعادها لنا الكاتب عبر نصوص أدبية وقصص فنية، وفي نفس الوقت امتلك الجرأة في بعض النصوص بالحديث عن مسائل تعتبر من المحرمات، فهل كان الكاتب يبحث عن الفرح في وسط الألم، أم وصل إلى قناعة انه أدرك " عبثية بحثنا عن فرح هارب"؟. 

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط